السعودية.. في عام 2041

د. أمين ساعاتي

من خلال استعراضنا لتجاربنا الاقتصادية والتنموية الحديثة.. نجد أننا تعرضنا في الـ 30 عاما الماضية لسلسلة من الأزمات الحادة والمؤلمة بسبب غياب خطة استراتيجية تحمي المجتمع السعودي من تعرضه لسلسلة الأزمات الحادة التي تعرض لها، ومازال المجتمع السعودي يكتوي في هذه الأيام بنتائج هذه الأزمات، ونذكر ــ على سبيل المثال ــ أزمة المياه وأزمة الكهرباء وأزمة السكن وأزمة التعليم الفني وأزمة التعليم العالي وأزمة العشوائيات وارتفاع الأسعار في الأسواق، وأزمة المرور في كل المدن، وأم الأزمات أزمة البطالة والعطالة.
وأعتقد أنه من غير المعقول ولا المقبول أن نبرر تقصيرنا بحجة أن المجتمع يتطور بمعدلات يصعب ملاحقتها، لأن التخطيط السليم والمحكم يعطينا توقعات صحيحة ويصمم لها الحلول اللازمة حتى لا تصدمنا الأزمات في المستقبل، أمّا إذا غاب التخطيط الشفاف، فإن رؤية المستقبل تغيب ويتعرض المجتمع لأزمات ربما أشد من هذه الأزمات بكثير لأنها ستأتي في ظروف اقتصادية أصعب من الظروف التي نعيشها الآن.
والسؤال المهم: هل لدينا خطة استراتيجية نبني من خلالها مدناً جديدة وقرى جديدة تستوعب الزيادة في عدد السكان والتي ستصل في عام 2041 إلى ضعف عدد السكان الحالي، حيث من المتوقع أن يبلغ عدد سكان السعودية نحو 41 مليون نسمة.
بمعنى نحن أمامنا 20 مليون نسمة، هل وضعنا الخطط اللازمة لاسـتيعاب هذا العدد؟ هل قررنا أن نبنىء مدناً جديدة بمرافقها الضرورية لهؤلاء الـ 20 مليونا؟ وهل وضعنا تصاميم الجامعات والمدارس الملائمة والمستشفيات الواجب إنشاؤها؟ وكذلك المساكن وخدمات الكهرباء وموارد المياه وبناء المصانع والطرق وإمدادات الصرف الصحي، أم أننا تركنا الأمور على علاتها لنعود ونقول بأن المجتمع يتطور بمعدلات يصعب ملاحقتها؟
إن احتياجات المجتمع السعودي بعد 30 عاما من الآن ستكون أعلى مستوى من احتياجاته في العقد الأول من القرن الـ 21.
وإذا كنا نعانى الآن ونحن نبلغ 23 مليون نسمة أزمة في السكن، فأين سيسكن 20 مليون نسمة إضافيين؟ وإذا كنا نعاني أزمة في المياه فكيف نأتي بضعف الكميات المنتجة حالياً؟ وإذا كنا نعيش أزمة في الرعاية الصحية، فكيف نستطيع أن نوفر الرعاية الصحية لـ 20 مليون نسمة؟ وإذا كنا نعيش أزمة في التعليم الفني الذي لم يستطع بعد نصف قرن أن يرتب أوضاعه مع سوق العمل، فكيف سيجد 20 مليون نسمة انفراجا في أزمة البطالة؟ وإذا عجزنا عن ضبط أسعار السوق ونحن 21 مليون نسمة، فكيف نستطيع أن نضبط الأسعار لضعف هذا العدد؟
إذن المطلوب تصميم خطة استراتيجية وأنا لا أقصد الخطط الخمسية، لأن الخطط الخمسية لم تعالج هذه الأزمات، فهذه الأزمات ولدت من رحم الخطط الخمسية، وهذه الخطط التي تغرد بها وزارة الاقتصاد والتخطيط كل خمس سنوات هي مجرد قائمة بمشاريع تصلح كي تناغي وتداعب الإعلام، أمّا دورها في تحقيق تنمية حقيقية مستدامة، فهي ما زالت بعيدة عن أهدافها التي تتصدر الصفحات الأولى من مجلدات الخطة، ولذلك نريد خطة استراتيجية ترتكز على بعدين أساسيين الأول إعادة تخطيط المدن الكبرى بهدف استغلال ما هو متاح أو ما يمكن توفيره من مساحات لاستيعاب الزيادة المتوقعة في عدد السكان ومحاولة التخفيف من الكثافة السكانية المرتفعة التي تعانيها بعض المدن، والعمل على معالجة الاختناقات في المرافق والمنافع العامة والاختناقات في النقل والمواصلات والتلوث الذي ضرب البيئة، وتسوية أوضاع العشوائيات ومواجهة أخطارها. أمّا البعد الثاني فيجب أن يتجه إلى بناء مجموعة من المدن والقرى يراوح عددها بين 70 مدينة يسكن كل مدينة نصف مليون نسمة، وألف قرية يسكن كل قرية عشرة آلاف نسمة لتكون هذه المدن والقرى مراكز عمرانية تستوعب 20 مليون نسمة يتفاعلون ويسهمون في تنفيذ برامج ومشاريع التنمية المستدامة.
وما يجب ألا ننساه أن يكون بناء هذه المدن والقرى على أحدث الطرق، حيث يتوافر فيها كل الخدمات من مدارس ومستشفيات ومدارس وجامعات وطرق وكذلك تتوافر فيها خدمات الكهرباء والماء والصرف الصحي وكل وسائل العيشة العصرية المريحة.
ونحن إذا ألقينا نظرة إلى الاستراتيجية العمرانية في الدول المتقدمة كالولايات المتحدة واليابان، بل حتى في الدول الناشئة ذات الإنتاجيات العالية كسنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية نجد انهم يخططون لبناء المدن الجديدة جنباً إلى جنب مع الزيادة في معدلات السكان.
ولذلك فإن الأزمات في هذه الدول لم تكن ضيفاً ثقيلاً على المجتمع، بل إن المجتمع السنغافوري والياباني والماليزي يستقبل الزيادات في عدد السكان بصدر رحب ودون ضجر، لأنها زيادات طبيعية تسهم في تحقيق مزيد من برامج ومشاريع التنمية المستدامة.

الاقتصادية 13 سبتمبر 2009

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*