العالم بحاجة إلى أخلاقيات غذاء جديدة وعادلة


تتحمل البلدان الصناعية جزءا من المسؤولية في أزمة الغذاء العالمية وذلك بسبب عادات الاستهلاك المتبعة فيها. رئيسة المنظمة الألمانية لمكافحة الجوع في العالم تطالب بالتحلي بروح المسؤولية في استهلاك المواد الغذائية.
علم الأخلاق هو علم المعاملة السليمة، ومنها كيف ينبغي أن نعيش. وبناء على هذا التعريف فإن  أخلاقيات الغذاء تعني التحلي بروح المسؤولية في استهلاك المواد الغذائية المتاحة لنا من جهة. ومن جهة أخرى فإنها تعني أيضاً استعمال مصادر الغذاء العالمية على نحو لا يسبب معاناة أي شخص على الأرض من الجوع. مؤخراً عرضت دور السينما فيلماً بعنوان “تذوق النفايات” Taste the Waste. الفيلم يصدمنا بمحتواه، فقرابة نصف كمية المواد الغذائية التي تستهلك في ألمانيا مثلاً تذهب إلى النفايات. وتصل كمية هذه المواد الغذائية إلى 20 مليون طن في ألمانيا وحدها.
وحتى في البلدان الصناعية الأخرى كالولايات المتحدة الأمريكية أو بريطانيا يتم رمي كميات كبيرة من المواد الغذائية في النفايات بسبب تقادم مدة الصلاحية أو بسبب ضيق أماكن التخزين أو بسبب عيوب سطحية.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن ثلث المواد الغذائية في العالم تتعرض تتعفن وتنتهي في مكب النفايات قبل أن تصل إلى موائد الجائعين. وهذه الحقيقة بحد ذاتها فضيحة، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أننا في الدول الصناعية لا نعيش بمعزل عن باقي دول العالم، فقد أصبح العالم قرية كونية، يعاني فيها الآخرون إذا استهلكنا موارد أكبر من تلك المخصصة لنا بصورة شرعية.
إن التبذير في المواد الغذائية يقود أيضاً إلى تبذير المياه ومصادر الطاقة وإلى تراجع المساحات المزروعة، وهي جميعها عوامل مهمة لإنتاج الغذاء. كما أن المستهلكين في البلدان الصناعية يدفعون معدلات الأسعار إلى الأعلى من خلال ارتفاع طلباتهم، لدرجة أن الفقراء في أصقاع الأرض الأخرى لا يستطيعون مجاراة تلك الأسعار.

حقوق الإنسان في الغذاء
الطلب الإضافي على المنتجات الزراعية والمعروض الغذائي يتأتى أيضاً من الزيادة المستمرة في عدد سكان العالم، ففي نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2011 أقامت الأمم المتحدة احتفالاً رمزياً للترحيب بالمولودة التي أوصلت سكان الأرض إلى سبعة مليارات. وفي كل ثانية تمر يزداد سكان الأرض بمعدل 2.6 شخصاً. ويتوقع أنه على الرغم من هذا العدد المتزايد فإن المواد الغذائية التي تُنتج في الوقت الراهن، كافية من الناحية النظرية لإطعام جميع سكان كوكبنا الأزرق. فلا أحد سيعاني من الجوع بسبب قلة مصادر إنتاج المواد الغذائية.
لكن الحقيقة المرة هي أنه ما زال كل سابع شخص يأوي مساء إلى فراشه بمعدة خاوية. ويكمن السبب في ضعف القدرة الشرائية في البلدان النامية، ما يحرمهم من الغذاء. وما قد لا يعرفه الكثيرون: إن كل واحد من المليارات السبعة من سكان هذا العالم لديه الحق المكفول في لوائح حقوق الإنسان في الحصول على غذاء صحي ويكفي لسد حاجته منه. هذا الحق الأساسي في الغذاء هو حق إنساني أساسي. ويعطي الفقراء في البلدان النامية الحق بالمطالبة به.

إخفاق في أهداف الألفية
في عام 2000 وضع المجتمع الدولي نصب عينيه هدف تخفيض نسبة الجياع في العالم إلى النصف حتى عام 2015. لكن الوضع الحالي يبين أن هذا الهدف الطموح ما يزال بعيداً عن التحقيق. وهنا يجب أن ندرك أن الأمن الغذائي العالمي مرتبط أيضاً بعاداتنا الغذائية والحياتية وبسلوكنا الاستهلاكي. ففي مجتمعنا العالمي الخاضع لسيطرة قوانين السوق تكون القدرة الشرائية للمستهلك الأوروبي، الذي يحصل على المواد الغذائية بدون تعقيدات ومشقة، أكبر من وزن أصوات الجائعين والفقراء.
ومن المفارقات الملفتة للانتباه فإن آفة الجوع توجد في المناطق، التي يتم إنتاج المواد الغذائية، فقرابة 80 بالمائة من الجائعين ينحدرون من الأرياف. وأغلبهم يمارس أنشطة زراعية في حقول صغيرة، لكنهم غير قادرين على سد رمقهم ورمق عائلاتهم بما فيه الكفاية.

منتجات زراعية موجهة لاستهلاك من نوع آخر
ما يزيد الأمر تعقيداً هو أن العديد من المنتجات الزراعية كالقمح والذرة الصويا لم تعد في وقتنا الراهن توجه إلى الاستهلاك الغذائي للبشر، وإنما تستخدم عوضاً عن ذلك لإنتاج البنزين والأعلاف. ففي المساحات الزراعية القليلة أصلاً يتم بشكل متزايد زراعة محاصيل مخصصة لإنتاج علف الحيوانات أو الوقود العضوي. إضافة إلى استغلال الأراضي الزراعية لهذا الغرض فإن إنتاج مواد كالمواد السابقة الذكر يتطلب كميات هائلة من مياه السقي، وهذا يزيد الأمور تعقيداً، خصوصاً في المناطق التي تشهد نقصاً في المياه.
والبلدان الصناعية تزيد من حدة الوضع، فالطلب على اللحم في الدول الصناعية والدول الصاعدة في تزايد، مما يعني زيادة الطلب على أعلاف الحيوانات. ومن جهة أخرى تحاول الحكومات في البلدان الصناعية الابتعاد من مصادر الوقود الأحفورية وتسعى إلى تعويضها بمواد زراعية.
عملياً في كل بقاع المعمورة قادت سياسة الزراعة لغرض الحصول على الوقود، والتي تنتهجها الدول الصناعية، إلى ارتفاع استهلاك مصادر الإنتاج الزراعي من أرض ومياه. وعلى الرغم من أن إنتاج وقود عضوي مستدام يمكن أن يساهم في تنمية المناطق الريفية في البلدان النامية، لكن الحوافز السياسية في البلدان الصناعية تولي الأفضلية لحاجتها للطاقة، منها لحاجات السكان المحليين في مناطق الإنتاج.

المضاربات تأزم الوضع
وما يزيد الوضع تعقيداً دخول المضاربات المالية إلى أسواق المواد الغذائية بهدف الربح السريع، لكن النتيجة تكون ارتفاعاً ملفتاً للنظر في الأسعار. وحتى “مؤشر الجوع العالمي لعام 2011″، المنشور مؤخراً، أشار إلى أن المضاربات أحد الأسباب الرئيسية في ارتفاع أسعار المواد الغذائية لأغذية في الأعوام الماضية.
وهذه الظاهرة تهدد بشكل مباشر مستقبل أكثر الأشخاص فقراً في الدول النامية، إذ أن العديد من المزارعين يضطرون لبيع منتجاتهم مباشرة بعد حصادها أو قطفها بأسعار بخسة. وهنا يمكن للمستهلكين في الدول الصناعية مد يد العون كي يحصل الفلاحون في الدول النامية على أسعار معقولة وكافية مقابل سلعتهم.
عاداتنا الاستهلاكية غير المسؤولة تأزم الأمن الغذائي للبلدان النامية، وفقط عندما نتحلى بالمسؤولية وبالعقلانية في الممارسات الاجتماعية والسياسية فيما يخص إنتاج المواد الغذائية واستهلاكها، سيكون بإمكاننا تفادي إلحاق الضرر بأناس آخرين بسبب طريقتنا في العيش.
بربيل ديكمان/ عبد الرحمان عمار
مراجعة: عماد غانم
(اذاعة ألمانيا 3 ديسمبر 2011)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*