غياب التوازن في سياسات الغذاء.. مسؤولية من؟


تشهد أسعار المواد الغذائية الأساسية تقلبا وارتفاعا ملحوظين في الأسواق العالمية، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الجوع والمظاهرات والاضطرابات الاجتماعية في الكثير من دول العالم، خاصة في الدول النامية.
وحاليا، تحاول الكثير من الدول والهيئات والمنظمات العالمية المعنية التوصل إلى سياسات وإجراءات للتصدي لارتفاع أسعار الغذاء وتحقيق الأمن الغذائي، وكان من بينها قمة وزراء الزراعة لدول مجموعة العشرين (G20)، (منتدى تأسس عام 1999، يضم الدول الصناعية الكبرى والدول ذات الاقتصادات الناشئة)، في 23 يونيو (حزيران) في باريس؛ حيث تم الاتفاق على خطة لمواجهة التقلبات في أسعار الغذاء العالمية، شملت إعفاء إنسانيا بشأن حظر تصدير الأغذية، وإنشاء منتدى التدخل السريع الذي يمكن من خلاله لمسؤولي الزراعة حول العالم وضع خطط مشتركة لمواجهة أزمات الغذاء، وتضمن الاتفاق أيضا أن تكون هناك خطط للاستثمار بصورة أكبر في التكنولوجيا لتحسين الإنتاجية وإنتاج الغذاء عالميا، مع إنشاء نظام معلومات للسوق الزراعية العالمية من أجل تقاسم البيانات بشأن إنتاج الغذاء والاستهلاك ومستوى المخزون، واتخاذ القرارات المناسبة بشأن وضع قواعد تنظيمية أفضل للأسواق المالية الزراعية.
ولكن ما الذي يجب أن يعرفه كل فرد فيما يتعلق بسياسات الغذاء؟
الإجابة عن هذا السؤال نجدها في كتاب جديد صادر عن مطبعة جامعة أكسفورد، بعنوان «سياسات الغذاء.. الذي يجب أن يعرفه كل فرد»، من تأليف روبرت بارلبيرغ، وفيه يطرح المؤلف مجموعة من الأسئلة المهمة بشأن السياسات والممارسات الغذائية، مثل: ما الذي يسبب المجاعات؟ وهل الثورة الخضراء الزراعية سيئة للبيئة؟ وهل المعونات الغذائية تتسبب في الإضرار بالمزارعين في الدول المستفيدة؟ وهل يواجه العالم مشكلة سمنة؟ وكيف تشكل المساعدات الزراعية شكل التجارة الزراعية الدولية؟ وكيف يمكن للأغذية المعدلة وراثيا أن تساعد في حل مشكلة الجوع على مستوى العالم؟
يحاول بارلبيرغ، في كتابه، الإجابة عن هذه الأسئلة في محاوله منه لفحص وتفسير المعتقدات الحالية بخصوص الزراعة والغذاء، بهدف إعادة التوازن إلى بعض المناقشات حول سياسات الغذاء.
يعالج كتاب «سياسات الغذاء» الكثير من المسائل والقضايا المهمة المتعلقة بشؤون وسياسات الغذاء، وبالتحديد مواضيع الغذاء ذات التأثيرات المهمة على المستوى الفردي والإقليمي والعالمي، مثل مخاوف وقلق المستهلكين بشأن سلامة الغذاء والتقلبات في الأسعار، والحاجة إلى غذاء صحي، في ظل الأغذية الفاسدة بسبب الأسمدة والكيماويات المضافة للتربة بغرض الزراعة، لكنها سامة ومضرة للمستهلك، والثقافة الغذائية العالمية الجديدة المتمثلة في الأكلات السريعة والوجبات الجاهزة وتأثيراتها وأضرارها على الصحة، وسياسات السمنة، وسلامة الأغذية واستخدام مبيدات الآفات. كما يتناول الكتاب سياسات الجوع والمجاعات والعوامل التي تسهم في المجاعة وسوء التغذية، وتكنولوجيا الزراعة وقضايا البيئة وآثار تغير المناخ على الزراعة والأغذية العضوية والأغذية المعدلة وراثيا والمواد الغذائية المحلية وإيجابيات وسلبيات الوقود الحيوي.
يقول المؤلف: إن المستهلكين الذين رضوا بالحصول على غذاء مناسب ورخيص يبحثون أيضا عن غذاء آمن ومغذٍّ وطازج، ينتج من قبل مزارعين محليين، ويعتمد على كيماويات قليلة، كما أن الأغذية المدعومة والمزارعين التجاريين الذين لا يأبهون بالقيود يواجهون الآن معارضة قوية من قبل الناشطين من دعاة حماية البيئة والمستهلك.
وفيما يتعلق بالثورة الخضراء الزراعية، يدافع المؤلف عن أهدافها، ويقلل من أهمية الانتقادات الموجهة إليها، ويضعها في سياق الشكوك الاجتماعية واسعة النطاق، خصوصا في صفوف غير المزارعين، وهو يرى أن هناك دائما شكوكا تحيط بأي تكنولوجيا جديدة توظف العلم للتغيير أو السيطرة على بيولوجيا الزراعة التقليدية. ويرى أنه على الرغم من العداء تجاه الثورة الخضراء، خصوصا بين دعاة حماية البيئة في الدول الغنية، فإنها تبقى راسخة باعتبارها النهج المفضل لدى معظم المزارعين وقادة السياسة الزراعية.
والثورة الخضراء في الزراعة، وفق منظمة الأغذية والزراعة (فاوfao)، التابعة للأمم المتحدة، مصطلح يستخدم للدلالة على الفترة الواقعة بين الستينات والتسعينات من القرن الماضي، التي اتسمت بتحقيق زيادة هائلة في الإنتاجية الزراعية في العالم النامي؛ إذ حققت غلال محاصيل الحبوب الرئيسية (الأرز والقمح والذرة) خلال هذه العقود زيادات فاقت الضعفين في مناطق كثيرة من العالم، لا سيما في آسيا وأميركا اللاتينية، كما تحققت زيادات ملموسة في إنتاج المحاصيل الأخرى أيضا. وقد وقعت هذه الثورة بصورة رئيسية لأن الحكومات في البلدان المتقدمة والبلدان النامية، على حد سواء، استثمرت مبالغ طائلة في البحوث الزراعية؛ حيث وضعت العلوم الحديثة موضع التطبيق من أجل العثور على سبل لإنتاج المزيد من الأغذية، مما أحدث ثورة في أساليب الزراعة؛ فقد تم استنباط أصناف محاصيل عالية الغلال، كما تحققت اختراقات في مجال تطوير الكيماويات الزراعية كالمبيدات والأسمدة.
في الوقت نفسه، وبينما يعترف المؤلف ببعض الأضرار البيئية الخطيرة التي حدثت نتيجة استخدام المبيدات والأسمدة والري، فإنه يجادل بأن عدم إدخال البذور عالية الغلة كان أسوأ بكثير، فلو أن الهند اعتمدت على أساليب زراعة تقليدية منخفضة العائد لتحقيق الزيادة في الإنتاج التي احتاجت إليها خلال عقود النمو السكاني السريع، فإنه لن يكون أمامها أي خيار سوى قطع المزيد من الأشجار، وتدمير أكثر للحياة البرية، وحرث أكثر لتربة جافة وضعيفة.
ويختتم المؤلف كتابه بفصل عن الافتراضات الشائعة حول أزمة الغذاء ومستقبل الغذاء، موضحا الطريق نحو ممارسات مستدامة بيئيا واجتماعيا وقابلة للتحقق في مجال الزراعة وصناعة الغذاء على نطاق واسع.
– الشرق الأوسط 4 سبتمبر 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*