من يُصدق؟ .. أرض الرافدين تعاني من العَطَشِ


تذكر المصادر أن أول عهد للإنسان بالزراعة أنطلق من بلاد الرافدين، التي عُرفت بـ”أرض السواد” لكثرة زرعها وخضرتها، بفضل تدفق مياه الرافدين. واليوم يعاني العراق، لا سباب عدة، من شح المياه وزحف التصحر وتراجع المحصول الزراعي.

بسبب جملة من العوامل والمتغيرات بدأت، ارض الرافدين، مهد فنون الزراعة ومنشأ أقدم الحضارات النهرية تعاني من شح المياه وبالتالي اتساع رقعة التصحر وتراجع إنتاج المحاصيل الزراعية. فبحسب إحصائيات الأمم المتحدة فقد وصلت نسبة الأراضي التي تعاني الجفاف في العراق إلى ما نسبته 50 بالمائة من الأراضي الصالحة للزراعة في البلاد، وهو لاشك رقم مفجع.  
من جانبها كشفت وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي أن معدلات أنتاج المحاصيل الزراعية انخفضت بنسبة كبيرة عام 2010 عن العام الذي يسبقه. وأطلقت وزارة الزراعة العراقية مشروعاً لمكافحة الجفاف وتقليل تأثيراته على الواقع الزراعي ينتهي في عام 2015. وكانت الحكومة العراقية السابقة قد أطلقت مبادرة شاملة للنهوض بالواقع الزراعي في البلاد في تموز/ يوليو 2007، وتحدد سقفاً زمنياً قدره عشر سنوات لبلوغ العراق مرحلة الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الإستراتيجية.

الجفاف يأكل الأخضر واليابس
علي كاطع عويد، مزارع يمتلك أرضاً زراعية  كبيرة مساحتها 500 ألف متر مربع في قضاء التاجي التابع لمحافظة بغداد، أرغمته شحة المياه وقلة الدعم الحكومي على تقليص المساحة المزروعة فيها، حتى لجأ بعد ذلك إلى زراعة مساحة صغيرة بالمحاصيل الموسمية كالخضروات. ويقول عويد لـدويتشه فيله: “لقد تسببت قلة تساقط الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وزيادة نسبة ملوحة الأرض في موت الكثير من المحاصيل الزراعية وأبرزها النخيل”.  
وبينما ينشغل بربط أنابيب إحدى منظومات الري الحديثة، يشير عويد (33 عاماً)، إلى “أن كثرة انقطاع التيار الكهربائي وانخفاض منسوب نهري دجلة والفرات تسبب في هجرة الكثير من الفلاحين لأراضيهم والالتحاق بسلك الدفاع والداخلية لسد رمق العيش”. وينوه إلى ضرورة تدخل الدولة بشكل جاد لإنقاذ ما تبقى من الأراضي الصالحة للزراعة من خطر الجفاف الذي “أكل الأخضر واليابس”، على حد قوله.
لم يذهب ذياب حسون شاكر، بعيداً عما قاله عويد فشحة المياه سبب هجرته من محافظة النجف جنوبي العراق إلى العاصمة بغداد بحثاً عن العمل لسد رمق عائلته المؤلفة من تسعة أشخاص. ويوضح شاكر بالقول: “في السنوات الماضية كنت املك أرضاً زراعية تبلغ مساحتها 350 ألف متر مربع، تزرع سنوياً بمحصول الرز وأحصل من خلالها على أنتاج جيد يبلغ قرابة 300 طن. أما الآن وبسبب شحة المياه فقد تركت الأرض واتجهت إلى الأعمال الحرة لكسب قوتي وقوت عائلتي اليومي”.
ويشير شاكر(45عاماً)، الذي يعمل في إحدى محال غسيل السيارات في بغداد، إلى وجود كثير من العوائق أمام الفلاح العراقي وفي مقدمتها “شحة المياه وانتشار الأمراض الزراعية بالإضافة إلى الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي وتوقف مكائن ضخ المياه لفترات طويلة عن ري المحاصيل الزراعية”.

جهود رسمية
ويكشف الوكيل الفني لوزارة الزراعة العراقية، الدكتور مهدي ضمد القيسي، عن تراجع في أنتاج المحاصيل الزراعية، عازيا ذلك إلى انخفاض منسوب المياه لنهري دجلة والفرات وقلة الأمطار والجفاف. ويقول القيسي في حوار مع دويتشه فيله: إن وزارة الزراعة اتخذت بعض الخطوات من اجل التصدي لظاهرة شحة المياه قي البلاد.
وعن الإجراءات التي تتبعتها الوزارة لمكافحة التصحر يشير القيسي إلى أن الخطوات تتمثل بدعم الفلاحين بقروض مالية من أجل العمل بطرق الري الحديثة كالتنقيط والرش خلال الفترات المسائية وبالاعتماد على الآبار التي حفرت بالتنسيق مع وزارة الموارد المائية. وأضاف القيسي بالقول: “بالإضافة إلى استحداث نوع من محصول الحنطة مقاوم للجفاف والملوحة لكي تتصدى للتغيرات البيئية القاسية التي تعاني منها البلاد، فضلاً عن تقليص فترة نمو الشلب (الأرز) من ستة أشهر إلى اقل من أربعة أشهر”.
ويوضح المسؤول العراقي إن ازدياد شحة المياه في السنوات القليلة الماضية أثر بشكل كبير على تراجع أنتاج محصول الأرز الذي يحتاج لكميات وفيرة من الماء خلال فترة نموه، مبيناً أن “المحصول كان يزرع في أغلب المدن العراقية وبطاقة إنتاجية تفوق الحاجة المحلية”.

أسباب فنية وأخرى خارجة عن الإرادة
من جانبه يعزي مدير الهيئة العامة لتشغيل مشاريع الري والبزل التابعة لوزارة الري العراقية، سبب شحة المياه في العراق إلى جملة أسباب تتمثل بالتغيرات المناخية التي طرأت على دول المنطقة والمتمثلة بظاهرة الاحتباس الحراري والتي لعبت دوراً كبيراً في تناقص كمية الأمطار والثلوج المتساقطة. ويضيف علي هاشم كاطع أن “تركيا وسوريا، التي ينبع ويمر منها نهرا دجلة والفرات تعتمد كلياً على المياه السطحية”، مشيراً إلى أن وزارته تقوم بالتنسيق مع وزارة الزراعة على معالجة التصحر في البلاد من خلال استحداث طرق الري بالتنقيط والرش.
وزاد بالقول إن “هناك عوامل داخلية أخرى تتسبب في تناقص المياه والمتمثلة بموقع العراق، والجاف وارتفاع درجات الحرارة التي أدت إلى تبخر منسوب كميات عالية من المياه، فضلاً عن الزيادة السكانية وكذلك الطرق المتخلفة والقديمة في ري الأراضي الزراعية”.
ويبين كاطع أن العراق يعتمد بشكل كبير على نهري دجلة والفرات في الموارد المائية وبعض الروافد الصغيرة القادمة من الأراضي الإيرانية. وكشف كاطع عن افتقار العراق إلى وجود اتفاقية مائية مع الدول المجاورة معه لـ”تحديد حصته”، مستدركاً بالقول “لكن حصة العراق المائية بقيت تحددها الأعراف وكذلك طبيعة العلاقات مع دول المنبع”، مستطرداً بالقول “بالإضافة إلى تشييد الحكومة التركية بما يعرف بمشروع “الكاب” الذي يهدف إلى أنشاء 22 سداً على أراضيها مما أدى إلى خلق أزمة خلال السنوات الـ12 الماضية”.
ويحمّل العراق تركيا وسوريا وإيران مسؤولية نقص مناسيب مياه الأنهر الداخلة إليه بسبب إقامة مشاريع أروائية وزراعية عليها، تؤثر بالتالي أو تحرم العراق من حصصه المائية.
– تلفزيون المانيا 1 سبتمبر 2011
مناف الساعدي ـ بغداد

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*