الأمن الغذائي ما بين التغيرات المناخية ومحدودية الأراضي الزراعية


تطرقت في المقال السابق إلى تأثير تقلبات أسعار صرف العملات في مستقبل الأمن الغذائي في العالم، وكيف أن تأثير تقلبات أسعار صرف العملات مقابل الدولار يلعب دورًا سلبيًّا في غالب الأحيان، إلا أنه قد يأتي بنتائج إيجابية متى ما كانت عملة الدولة مرتفعة أمام الدولار (جميع المواد الغذائية في العالم مقيمة بالدولار). كما تطرقت أيضًا إلى خطورة التغير الطارئ على طبيعة تركيبة الطلب على المواد الغذائية، ففي السابق كان الطلب على المواد الغذائية محصورًا في الاستهلاك الغذائي البشري، أما الآن فإن الوقود الحيوي يشكل جزءًا مهمًّا من الطلب على المواد الغذائية، والولايات المتحدة تدفع إلى أن يكون نحو 15 في المائة من مجمل إنتاج الحبوب في العالم مستخدمًا لإنتاج الوقود الحيوي. وفي مقال هذا الأسبوع سأستعرض تأثير التغييرات المناخية ومحدودية الأراضي الزراعية عالميًّا في مستقبل الأمن الغذائي في العالم.
تحدد أسعار المواد الغذائية في العالم بفعل عدة عوامل يأتي في مقدمتها قوى العرض والطلب وقيمة الدولار أمام العملات المختلفة. وتعتبر التغييرات المناخية الطارئة في العالم من أهم العوامل المؤثرة في تركيبة قوى العرض على المواد الغذائية. فالتقديرات تشير إلى أنه مع كل ارتفاع في درجة الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة فوق المعدل الطبيعي تنخفض كمية المحاصيل بنسبة 10 في المائة وبشكل مباشر. كما تشير التقديرات إلى أنه وبفعل التغيرات المناخية فإن إنتاج العالم من القمح والأرز والحبوب المختلفة سيقل بمعدل 10 في المائة. كما أن الدراسات تتوقع أن تساهم التغيرات المناخية في رفع الأسعار بأكثر من 100 في المائة بحلول عام 2030.
وتشير الدراسات إلى أنه بحلول عام 2050 فإن التغيرات المناخية وحدها ستساهم في رفع عدد البشر المهددين بالمجاعة بما نسبته 10 إلى 20 في المائة. كما أن بعض الدراسات التي صدرت تشير إلى أن التغيرات المناخية وحدها ستساهم في رفع عدد الأطفال الذين يعانون سوء التغذية بنسبة 21 في المائة بحلول عام 2050. كما تذهب بعض التقديرات إلى أنه بحلول عام 2050 وبسبب التغير المناخي ستشهد بعض الدول ذات الكثافة السكانية العالية والمكتفية غذائيًّا مخاطر حقيقية في الغذاء كالهند وبنجلادش وباكستان على سبيل المثال التي تصدر جزءًا من إنتاجها الغذائي. أما على المدى القصير فإن التغيرات المناخية وارتفاع حرارة الأرض ساهم في ازدياد حرائق الغابات والمناطق الزراعية مما ينعكس على الأسعار الفورية للمواد الغذائية، ومثال ذلك الحرائق التي اندلعت في روسيا والتي أثرت في مزارع القمح قبل أكثر من عام، والتي بسببها منعت روسيا تصدير القمح حتى لا يؤثر ذلك في استهلاكها المحلي، وكانت محصلة ذلك ارتفاع أسعار القمح دوليًّا في حدود 50 في المائة خلال أربعة أشهر فقط.
ومن التحديات التي تواجه الأمن الغذائي العالمي والقدرة على توفير العرض المطلوب من المواد الغذائية للحفاظ على الأسعار في متناول مقبول، محدودية الأراضي الزراعية عالميًّا. فالتقديرات تشير إلى أن نحو 16 في المائة من الأراضي الزراعية عالميًّا لم تعد صالحة للزراعة بشكل جزئي أو كلي ولأسباب متعددة، يأتي في مقدمتها الاستخدام الجائر للتربة، والرعي الجائر على الأراضي الزراعية، ورمي النفايات الصناعية بطرق عشوائية، وتوسع المدن لتمتد على أراضٍ خصبة استخدمت تاريخيًّا في الزراعة وغيرها الكثير. كما أن التغييرات المناخية ساهمت بشكل كبير في تصحر الأراضي الزراعية وخصوصًا في قارتي إفريقيا وآسيا. كما ساهمت التغيرات المناخية في تأخير تحول كثير من الغابات في العالم إلى أراض زراعية، وذلك لأن المحافظة على الغابات أصبحت استراتيجية دولية لمكافحة ارتفاع حرارة الأرض ومقاومة التغيرات المناخية، إلا أن الأبحاث التطويرية القائمة على تطوير طرق وآليات للزراعة غير التقليدية التي تمكن من استخدام الغابات لسد الاحتياجات الغذائية للعالم مع الحفاظ على وضعها كغابة، سيخفف من تأثير منع تحول الغابات إلى أراض زراعية تقليدية.
إن توفير الغذاء الأساسي وبسعر متناول مطلب وحق لكل البشر، كما أن التحديات التي تقف عائقًا أمام وفرة الغذاء وسهولة الحصول عليه تحتم على الإنسانية أن تتوحد للتغلب على جميع الصعاب التي تحول دون وفرة الغذاء، والتي تهدد الجميع وبلا استثناء. فلا يعقل أن تبلغ الإنسانية هذه المرحلة المتقدمة من التحضر والتقدم العلمي، وعدد الذين يعانون المجاعات في العالم يتجاوز المليار. كما لا يعقل أن تصل الإنسانية إلى هذه المرحلة المتقدمة من التشريع ووضع الأطر والقوانين المنظمة لحياة الإنسان، والقوانين المنظمة لاستخدامات المواد الغذائية الأساسية شبه معدومة، (فالتقديرات تشير إلى أن الطلب على أنواع الحبوب المختلفة لإنتاج الوقود الحيوي ستساهم وحدها في رفع الأسعار بما نسبته 15 في المائة في الأعوام القليلة المقبلة). كما لا يصح أن يصل الإنسان إلى أعلى مراحل التطور التقني والإلكتروني والفني، وأن يتبوأ مركز متقدم في القدرة على التخطيط الاستراتيجي، وفي الوقت نفسه يعجز عن وضع الحلول لمشكلة تهدد ثلث سكان الكرة الأرضية.
– زياد محمد الغامدي
(الاقتصادية 14 يونيو 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*