هل تذكرنا أزمة الغذاء بالحد من استهلاكنا؟


تعاني مناطق زراعية مهمة في العالم مثل الغرب الأوسط الأميركي وروسيا وشرق أوروبا من أزمة جفاف حادة، ستكون لها تأثيرات كبيرة على أسعار محاصيل زراعية مثل الذرة والقمح وفول الصويا. فقد ارتفعت الأسعار العالمية لهذه الحبوب %6 في شهر يوليو مقارنة بشهر يونيو. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع مستوى أسعار هذه المحاصيل بما يعادل نحو %30 عن أسعار العام الماضي. وسيحدث ذلك ارتفاعاً في أسعار مواد غذائية أخرى مثل: اللحوم والحليب ومنتجاته. وقد بثت بعض المحطات الفضائية في الآونة الأخيرة صوراً لمراسليها متنقلين في مناطق زراعية في الغرب الأوسط الأميركي ومناطق زراعية في رومانيا، متجولين في حقول ذرة ظهرت فيه أكواز الذرة جافة بالكامل قبل نضجها، متحدثين إلى مزارعين متضررين. لقد كان منظراً يدخل اليأس في القلوب. فقليل من المناظر تنافس في السوداوية والتشاؤم مناظر لحقول زراعية جفت من انحسار الأمطار.
هذا، وسيكون لهذا الجفاف الذي تعاني منه هذه المناطق الزراعية المهمة، نتائج اقتصادية وسياسية واجتماعية ضارة، خصوصاً على الدول الفقيرة. فدول مثل اليمن وهي دولة تعاني من عدم الاستقرار السياسي وفقر الإنتاج الزراعي وضعف المصادر الاقتصادية الأخرى، سوف تتحمل أعباء اقتصادية إضافية في وارداتها من المواد الغذائية. والذي قد يساهم في تأخر الاستقرار السياسي الذي تصبو إليه منذ نحو سنتين. ولقد كان للجفاف الذي مرت به سوريا خلال الفترة من 2005 إلى 2010 الأثر الكبير في تدهور الأوضاع السياسية في سوريا. ففترة الجفاف هذه التي امتدت إلى خمس سنوات، أدت إلى هجرة نحو المليونين في سوريا من قراهم وحقولهم الزراعية إلى محيط مدن مثل درعا ودمشق وحلب وحمص. ولعل فترة الجفاف هذه التي مرت بها سوريا هي أهم العوامل المسكوت عنها للثورة السورية على نظام أهمل القرى والأرياف، إضافة إلى استبداده.
هذا، ومع أن أزمة الجفاف هذه التي يمر بها العالم ستكون آثارها محدودة على الكويت، فقد وصلني، أخيراً، تقرير اقتصادي، أصدره المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية، تحت عنوان «كيف يمكن للكويت تفادي أزمة الغذاء المقبلة؟». ويكرر التقرير تحذيراً لوكالة الإغاثة الدولية (أوكسفام)، منبهاً إلى أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية بسبب الجفاف سوف يعرض ملايين الناس للجوع في دول مثل اليمن.
ويعرف التقرير الأمن الغذائي «بأن تنتج الدولة أكبر قدر من احتياجاتها الغذائية بالطريقة الاقتصادية، التي تأخذ في الاعتبار الميزة النسبية في إنتاج السلع التي تحتاجها». والميزة النسبية تعني في بعض الأحيان كما هي الحالة في الكويت، الامتناع عن إنتاج المحاصيل الزراعية، لأن تكلفة استيرادها تقل كثيراً عن تكلفة إنتاجها. وعدم وجود هذه الميزة النسبية هي التي تجعل من الكويت مستوردة لجميع احتياجاتها، مثل القمح والذرة. هذا ويقدم التقرير توصيات أو متطلبات لتفادي حدوث أزمة غذائية في الكويت، منها البحث عن أسواق جديدة للحصول على السلع الزراعية، خصوصاً في ظل موجة الجفاف هذه، التي سوف تؤدي إلى عدم توافر السلع الزراعية في مناطق اعتدنا على الاستيراد منها مثل الولايات المتحدة. كما يدعو التقرير إلى تنمية الصناعة الغذائية. ويقترح كذلك الاستثمار في مناطق زراعية مثل السودان والحبشة. لكن يبقى أن القوة الشرائية للفرد في الكويت والمدعومة من الإيرادات النفطية، تجعل المواطنين والمقيمين في مأمن من حدوث أزمة غذاء في الكويت.
وإن كان ما يمكن أن تدعونا أزمة الجفاف إلى عمله هو أن نحد من الإسراف من استهلاكنا للمواد الغذائية، خصوصاً أن كثيراً من السلع الغذائية الرئيسية، أهمها الخبز، لا ندفع إلا جزءاً يسيراً من تكلفتها الحقيقية. وإن كان ما يمكن أن تحثنا عليه مناظر الحقول اليابسة، هو أن تشجعنا على التدبير في استهلاكنا للمواد الغذائية، التي يذهب، وللأسف، جزء كبير منها إلى حاويات النظافة. فنحن في حاجة إلى حملة توعية في البيت والمدرسة والمطعم لأن نسكب من الطعام في صحوننا بقدر حاجتنا، وأن نحتفظ ببقايا الطعام وأن نذكر أصحاب المطاعم بأن طلبية كيلو كباب لا تحتاج إلى عشرين خبزة، لا نحن ولا صاحب المطعم يدفع ثمنها الحقيقي.
د. حامد الحمود
(القبس 5 سبتمبر 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*