حصاد القمح الهزيل في روسيا نذير بارتفاع أسعار الغذاء


بالكاد يتذكر مزارعو سيبريا آخر مرة شاهدوا فيها محصول قمح بهذا الصغر. كان آخر فشل للمحاصيل بهذا الشكل، في أوائل الستينيات، عندما كانت نيكيتا خرتوشوف قائدا لما يسمى آنئذ الاتحاد السوفياتي.
في ذلك الوقت، تسبب العجز الذي واجهته واحدة من أكثر المناطق في العالم المنتجة للقمح في إزعاج سوق الحبوب العالمية، ما أجبر موسكو على استخدام مخزونها من الذهب لشراء القمح من الولايات المتحدة، عدوها اللدود في الحرب الباردة.
وفي وقتنا الحالي تسبب الفشل في الحبوب الزراعية، الذي جاء بعد صيف حار وجاف بصورة غير اعتيادية، في رفع أسعار القمح العالمية – وصلت أمس (الأول) إلى أعلى مستوى لها في أربع سنوات – ما يهدد بارتفاع أسعار المواد الغذائية في جميع أنحاء العالم.
وليست سيبريا هي المشكلة الوحيدة. فزراعة القمح مضطربة في كل المناطق التي تعد سلة خبز، مثل أوكرانيا، أستراليا، الأرجنتين، والولايات المتحدة، بسبب حالة الطقس السيئة.
ونتيجة لذلك سينخفض المعروض العالمي من القمح في موسم عام 2012-2013، إلى 661 مليون طن، وهو ما يعد أقل بكثير عن معدل الاستهلاك البالغ 688 مليون طن، طبقا لمنظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة.
وفقا لأحد أكبر تجار السلع في جنيف ”يوجد نقص شديد في السوق وخصوصا في طحين القمح”، مرددا بذلك رأيا شائعا بين التجار.
والعجز الذي أصبح شديد الوضوح مع انتهاء موسم حصاد القمح الربيعي في نصف الكرة الشمالي وبدء حصاد القمح الشتوي في نصف الكرة الجنوبي، أدى إلى ارتفاع أسعار القمح بعد أشهر قليلة فقط من ارتفاع أسعار الذرة وفول الصويا على خلفية الجفاف الذي ضرب الحزام الزراعي في الولايات المتحدة.
وارتفعت أمس الأول أسعار طحين القمح في باريس إلى أعلى مستوياتها في أربع سنوات لتصل إلى 279.25 يورو للطن، وبذلك تكون زادت بنسبة 40 في المائة منذ كانون الثاني (يناير) الماضي.
ويقترب مؤشر الأسعار الأوروبي من أعلى مستوياته على الإطلاق، البالغ 295 يورو، وهو مستوى الأسعار إبان أزمة الغذاء في عام 2007/2008.
وارتفع سعر قمح العلف في لندن، وهو مرجع مهم جدا في أوروبا، ليصل إلى أعلى معدلاته 221.75 جنيه إسترليني للطن أمس الأول، وهو مستوى يزيد بنسبة 44 في المائة عما كان عليه في كانون الثاني (يناير).
يحذر عبد الرضا العباسيان، كبير اقتصادي القمح في منظمة الأغذية والزراعة العالمية ”فاو” في روما، من أن التوقعات المستقبلية للقمح في ”تدهور” سريع في ظل ازدياد المشكلات المتعلقة بالطقس ”وهناك احتمال لارتفاع أكبر في الأسعار”.
وارتفعت أيضا أسعار القمح في شيكاغو، التي تعد مؤشرا آخر مهما، بشكل ملحوظ، لكنها تظل أدنى بكثير من المستويات القياسية بسبب الحصاد الجيد في الولايات المتحدة.
ويثير الارتفاع في أسعار القمح قلقا أكثر من الارتفاع في أسعار الذرة وفول الصويا في بداية هذا العام بعد الجفاف الذي شهدته الولايات المتحدة، لأن هذا المحصول يعد الأكثر أهمية في تأمين الغذاء العالمي.
من ناحية الطلب، يعتقد التجار أن الطلب على الحبوب سيتزايد خلال هذا الفصل لأن أصحاب المزارع سيستبدلون بالذرة وفول الصويا الغالية الثمن القمح لتسمين قطعانهم إلى أقصى حد ممكن. ووفقا لمسؤول تنفيذي للأعمال الزراعية في سيدني ”الطلب على علف الماشية وصل إلى أعلى معدلاته”.
وعلى صعيد العرض، فإن المحاصيل في الاتحاد السوفياتي سابقا، التي ظلت على مدار العقود الماضية مصدر العرض المتزايد، أصبحت الآن ضعيفة بسبب الجفاف وموجات الحرارة وحرائق الغابات. وأنتجت المنطقة ما يقارب 114 مليون طن من القمح في عام 2010/2011، لكن الحصاد انخفض هذا الموسم بنسبة 33 في المائة إلى 77 مليون طن، وهو أقل مستوى منذ عام 2002/2003.
ولاحظ بيبر هنري ديتز، المحلل الزراعي في جى بي مورجان في سنغافورة، أن البلدان المستوردة حولت عمليات الشراء من روسيا وأوكرانيا، لأن الفائض الذي يمكن تصديره إلى الاتحاد الأوروبي لم يعد موجودا تقريبا.
وقال: ”من كانون الأول (ديسمبر) 2012 حتى حزيران (يونيو) 2013، من المحتمل أن تصدّر أوكرانيا وروسيا 1.7 مليون طن فقط من القمح، مقارنة بـ 11.6 مليون طن العام الماضي”. والتحول اللافت للنظر جدا في مناقصات الاستيراد التي تصدرها مصر، أكبر مشتر للقمح في العالم، يضع ضغوطا صعودية على أسعار القمح الأوروبي.
وبمفرده، سيكون النقص في الاتحاد السوفياتي السابق مصدرا كافيا للقلق، لكن المشكلة تتفاقم لكون المحاصيل الزراعية أقل من المتوقع في كثير من المناطق الرئيسية الأخرى، ما يتسبب في نقص عالمي.
وتمكن الاتحاد الأوروبي، مثلا، من حصاد 131 مليون طن هذا الموسم، وهو أقل من حصاد الموسم السابق، البالغ 137 مليون طن. وفي الأرجنتين وأستراليا بات موسم الحصاد على وشك البدء، ومن المتوقع أن ينتج 34.5 مليون طن من القمح، أي أقل من 45 مليون طن من الموسم السابق.
وأدت تركيبة الطلب القوي والعرض الضعيف إلى خفض المخزونات بطريقة غير عادية. ومن المتوقع أن ينخفض المخزون بنسبة 26 مليون طن هذا الموسم، وهو أكبر ثالث انخفاض سنوي منذ عام 1980.
ووفقا لتقديرات منظمة الفاو، فإن مخزون القمح العالمي الذي يقاس على أنه نسبة المخزون إلى الاستهلاك، سينخفض في موسم 2012/2013 الحالي إلى 24 في المائة، ما يعد ثاني انخفاض له منذ 30 عاما.
وعلى خلفية شح الإمدادات، فإن اهتمام السوق يتحول ناحية أحوال المحصول في موسم 2013/2014 الذي سيتم حصاده بدءا من حزيران (يونيو) المقبل. والمؤشرات الأولية ليست جيدة بسبب حالات الجفاف الموجودة في معظم أجزاء الولايات المتحدة، التي ستؤدي إلى مزيد من الارتفاع في الأسعار. ولم يكن هباء وصف لينن للقمح بأنه ”عملة من العملات”.
http://www.aleqt.com/2012/11/10/article_708278.html

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*