مجاعة الصومال.. فضيحة الشرق والغرب

الهادي بن محمد المختار النحوي

لم يكن وصف بعض المسؤولين وبعض وسائل الإعلام في أوروبا لمجاعة الصومال بالفضيحة مجرد انفعال ذي أبعاد إنسانية فهذه المجاعة فضيحة مدوية ووصمة عار في جبين الإنسانية لأنها كانت متوقعة وأسبابها كانت تتزايد وتم التنبيه إلى إمكانية حصولها ولكنها فضيحة أيضا عندما نقارن بين ما ينفقه العالم على الأسلحة ووسائل التدمير وما ينفقه العالم على التدخين والرياضة ومختلف مظاهر الترف مباحة كانت أم غير ذلك, . يحاول هذا المقال تقديم قراءة لأسباب المجاعة في الصومال وحجم الكارثة ومدى تجاوب الدول في التعاطي معها مع مقارنة حاجة الصوماليين للغذاء بحجم الإنفاق العالمي على التسلح وغيره من مظاهر الحياة ما يفيد منها وما لا يفيد. أسباب الكارثة.
عانى القرن الإفريقي من موجات جفاف تسببت خلال العقود الماضية في مجاعات في تلك المنطقة غير أن ما ميز هذه المجاعة أن الجفاف اجتمع مع الأوضاع السياسية والأمنية ليزداد الوضع سوءا في الصومال ، لكن هذه ليست كل أسباب هذه الكارثة, . فمع أن غياب الدولة والحروب الأهلية والفوضى أسهمت بشكل كبير في ظهور كارثة المجاعة في الصومال إلا أن هناك برنامجا مرسوما خطط له بعناية لجعل الصومال دولة فاشلة. . يقول الكاتب ميشل شوسودوفسكي في مقال له تحت عنوان :” كيف تتم صناعة المجاعة في الصومال”؟: إ(ن هناك من الأدلة ما يكفي لإثبات أن تحويل الصومال إلى دولة فاشلة كان أمرا مخططا له منذ فترة وأن إنتاج دول فاشلة يعد جزءا من السياسة الخارجية للولايات المتحدة),
ويضيف الكاتب أن صندوق النقد الدولي ساهم بسياسات الخنق الاقتصادية في تهيئة الظروف للحرب الأهلية في الصومال الممولة من قبل الولايات المتحدة على حد تعبيره.
وتعزز هذا الوضع بدخول أربع شركات نفطية أمريكية إلى الصومال لاستغلال إمكاناته النفطية وهذه الشركات هي كونكو وآموكو وشيفرون وفيليب..
وقالت صحيفة الجارديان البريطانية: “إن الجفاف الشديد هناك بدا وكأنه جاء من العدم، وقد يبدو الأمر هكذا، لكن صدمة هذه المجاعة في الواقع تؤكد وجود مشكلة أكثر قلقا تتعلق بالمعونة. فهناك جهاز تحذير من المجاعة خاص بالصومال هو وحدة تحليل الأمن الغذائي والتغذية الأممية. والسؤال هو: لماذا لم يكن هذا الجهاز فعالا هذه المرة؟
وتضيف الصحيفة: “إن ما يحدث في الصومال كان يمكن التنبؤ به تماما. لكن الحكومات كانت بطيئة في الاستجابة منذ 2008 وغير راغبة بالمساعدة الآن. وآخر تقرير للوحدة المذكورة يشير إلى وجود ظروف بالغة السوء في بعض المناطق ونقص الإغاثة. لكنه أخفق في تقديم تنبؤ واضح للكيفية التي قد تتطور بها الظروف”. وفي هذا السياق هاجم الإعلام الأوروبي تخاذل الأمم المتحدة في التعامل مع كارثة المجاعة في القرن الإفريقي. وتساءل عن سبب عدم التمكن من إنهاء المجاعة في الصومال، واعتبر الأمر فضيحة أن نكافح مجاعة في القرن الـ21 وأن الأزمة المتنامية في هذه المنطقة تم تجاهلها.

حجم الكارثة وجهود مواجهتها
يعاني حوالي 12 مليون من سكان الصومال حسب تقديرات الأمم المتحدة من المجاعة منذ عدة شهور وقد بادرت بعض المنظمات الدولية للسعي لمواجهة الكارثة.
وتوقع مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة وهو مظلة للوكالات المختصة بالشؤون الإنسانية في المنظمة الدولية تفاقم الأزمة في جنوب الصومال طوال عام 2011 مع سقوط كل مناطق الجنوب في براثن المجاعة وقدرت الأمم المتحدة أن الكارثة تتطلب توفير مبلغ في حدود 2.5 مليار دولار.

استجابة العالم لمواجهة الكارثة
واجه الصوماليون مجاعتهم دون أن يتجاوب معهم العالم بما يناسب حجم الكارثة فقد اختتم في العاصمة الإيطالية روما يوم الاثنين 25 يوليو 2011م اجتماع وزاري طارئ لأعضاء منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) لبحث الجفاف الذي يهدد ملايين الناس بـالمجاعة في القرن الأفريقي، لكن دون أن يتوج بخطة واضحة لمواجهة الكارثة.وباستثناء التزامات منفردة من بعض الدول كفرنسا التي تحدث وزير زراعتها عن مضاعفة مساعداتها الإنسانية لدول القرن الإفريقي إلى 10 ملايين دولار أو من تكتلات إقليمية كالاتحاد الأوروبي الذي أعلن مساعدة بمائة مليون يورو، لم يخرج لقاء روما بمبادرة واضحة لمواجهة الكارثة التي تهدد 12 مليون إنسان بالموت جوعا، حسب جوزيت شيران المديرة التنفيذية لـبرنامج الغذاء العالمي.
وقد دعا جاك ضيوف المدير العام للمنظمة التابعة للأمم المتحدة خلال اجتماع روما إلى مساعدة دولية كثيفة وعاجلة لإنهاء “الوضع الكارثي” في القرن الأفريقي. وأعلن البنك الدولي قبيل اجتماع روما عن منحه مساعدة لضحايا الجفاف تربو على 500 مليون دولار، تنفق على مشاريع في إثيوبيا وكينيا وجيبوتي والصومال، بما في ذلك المناطق الأكثر تضررا بالجفاف “كلما سمحت الظروف بذلك”.
غير أن المحلل السياسي عبده حماد يرى أن التحرك الدولي لتطويق تفشي المجاعة في القرن الإفريقي من خلال جسر جوي جاء متأخرا، لأن المجاعة قد ضربت القرن الإفريقي منذ عام ونصف ، لكن الاهتمام الدولي بمسألة الحرب كان أكبر من الاهتمام بالمسألة الإنسانية.
ولو كان العالم جادا في مواجهة المجاعة في الصومال أو غيرها أو حريصا على توفير الغذاء للفقراء لوفر ميزانية معقولة لبرنامج الغذاء العالمي الذي تراجعت ميزانيته السنوية من 6 مليار إلى 2,8 مليار دولار بسبب إحجام الدول الكبرى عن تسديد مساهماتها..
والمفارقة الغريبة أن الدول الغربية التي عجزت –أو بخلت- عن جمع مليار دولار للصومال في اجتماع روما صرفت قبل فترة وجيزة 162مليار يورو لإنقاذ البنوك التي تضررت من أزمة ديون اليونان..!

موقف الولايات المتحدة
تنفق الولايات المتحدة بسخاء على الحروب والتدمير وإشعال الفتن بحجة الدفاع عن المصالح ،فقد أنفقت أمريكا ما يزيد على ترليون دولار في حربيها العدوانيتين على العراق وأفغانستان ،هذا فضلا عن ميزانيتها العسكرية السنوية الضخمة التي تزيد على نصف ترليون دولار . ويتضح حجم الإنفاق العسكري الأمريكي إذا ما علمنا أن إرسال كل جندي أمريكي لمدة سنة إلى العراق يكلّف 775 ألف دولار. والولايات المتحدة مغرمة بالإنفاق على الحروب الداخلية والخارجية فقد بلغ ما أنفقته على الحروب منذ تأسيسها ما يزيد على 6 ترليون دولار ،حصة الأسد منها كانت للحرب العالمية الثانية (4 ترليون ) والحرب على العراق وأفغانستان (أكثر من ترليون).
ولكن هذا السخاء في الإنفاق على الحروب ليس كذلك عند الإنفاق على مساعدة المحتاجين ومواجهة الكوارث فقد كانت مساعدة الولايات المتحدة لمتضرري سونامي سنة 2004 م تعبر عن بخل شديد لا يناسب أكبر دولة في العالم بالمقاييس الاقتصادية والسياسية فعندما أبلغ بوش بالكارثة وعد بأن تساهم الولايات المتحدة ب 35 مليون دولار وبعد محاولات ومراجعات وعدوا برفعها إلى 350مليون دولار بينما شاركت سويسرا بأكثر من 400 مليون دولار وأستراليا ب 500 مليون دولار. فكيف كان موقف الولايات المتحدة من كارثة مجاعة الصومال؟
عبر الرئيس الأميركي باراك اوباما في ختام لقاء مع قادة أربع دول إفريقية في البيت الأبيض عن أمله في “رد دولي” على المجاعة التي تتسع في القرن الإفريقي.. وأوضح الرئيس الأميركي أنه ناقش خلال اللقاء “الطريقة التي يمكن التعاون من خلالها لتجنب الأزمة الإنسانية التي تهدد شرق إفريقيا”. وقال: “أعتقد أنها لم تلق الاهتمام الذي تستحقه هنا في الولايات المتحدة “. وأضاف أن “هذا الأمر سيتطلب ردا دوليا ويجب أن تكون إفريقيا شريكا لتجنب موت عشرات الآلاف جوعا”.
وهكذا نلاحظ أن رئيس أكبر دولة في العالم لم يزد على الكلام دون وعود محددة وسارت وزيرة خارجيته على نفس المنوال عندما طالبت باستنفار عالمي ضد المجاعة في القرن الإفريقي، مشددة على أن الجفاف في هذه المنطقة يهدد أكثر من 11 مليون شخص. وكانت كلينتون أكثر صراحة عندما أعلنت في بيان أن “الولايات المتحدة لا تستطيع وحدها أن تعالج الأزمة في القرن الإفريقي وعلى جميع المانحين في المجتمع الدولي اتخاذ إجراءات إضافية” وأكدت وزيرة الخارجية الأميركية أن بلادها “قلقة جدا” حيال أخطار المجاعة مشيرة إلى أن واشنطن ستقدم مساعدة بقيمة 28 مليون دولار للصومال واللاجئين الصوماليين في كينيا.
أما بريطانيا فلم تتجاوز تبرعاتها لمجاعة الصومال 4.5 مليون جنيه استرليني مقارنة ب حوالي 60 مليون جنيه استرليني لكارثة هايتي و96 مليون جنيه لكارثة سونامي بينما صرفت بريطانيا البلايين على الحروب والعدوان في العراق وأفغانستان. وهكذا نلاحظ مدى بخل الدول الكبرى في مواجهة مجاعة الصومال خاصة أمريكا (28 مليون دولار ) وفرنسا (10 مليون دولار) وبريطانيا (4.5 مليون جنيه) . ويكفي لنقدر حجم مساعدة هذه الدول الكبرى أن اللاعب البرتغالي كريستيانو رونالدو تبرع لمجاعة الصومال ب 30 مليون يورو (حوالي 6 أضعاف مشاركة بريطانيا)… أي أن مشاركة هذا اللاعب تعادل تقريبا مساهمة هذه الدول الثلاثة مجتمعة..

المساعدة العربية
قد لا يختلف كثيرا تجاوب العرب والمسلمين مع المجاعة الصومال وذلك لسببين أولهما حجم المساعدات أما الآخر فيتمثل في أن العرب والمسلمين معنيون أكثر من غيرهم بهذه الكارثة.ومع ذلك فيجب الاعتراف بأن المنظمات العربية الخيرية كان لها السبق في الوصول لمخيمات اللاجئين الصوماليين مقارنة بالهيئات الغربية. أما الجامعة العربية فقد خصصت 3 ملايين جنيه مصري لمساعدة المتضررين الصوماليين وقد لا تلام الجامعة إن عجزت عن توفير مبلغ أكثر من هذا لكنها تلام عندما يصرح مدير إدارة التعاون العربي الإفريقي بأن توجه الجامعة العربية ودولها الأعضاء يأتي استجابة لنداء الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بتوفير مليار دولار لتقديم المساعدات لدول القرن الإفريقي.
فهل يعني ذلك أن الجامعة العربية كانت ستبقى تتفرج على أطفال الصومال يموتون جوعا في حال ما إذا لم يوجه الأمين العام للأمم المتحدة نداء لإغاثتهم؟
وعلى مستوى الدول تبرعت المملكة العربية السعودية بخمسين مليون دولار والكويت ب 10 مليون دولار.

جهود منظمة التعاون الإسلامي
بذلت منظمة التعاون الإسلامي جهودا لا بأس بها لمساعدة الصوماليين وهي المنظمة الإقليمية الوحيدة التي لها تمثيل في مقديشو وفي باقي مناطق الصومال وقد أعلن الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، البروفيسور أكمل الدين إحسان أوغلى، عن تشكيل تحالف المنظمة للإغاثة، لتنسيق العمل الإنساني في مواجهة الأزمة الإنسانية الكارثية في الصومال، كما أطلق حملة إنسانية تحت شعار (أيام العطاء)،تبدأ في شهر رمضان المبارك وتستمر بعده تواكبها حملة إعلامية توعوية حول الأوضاع المأساوية التي يعيشها الصوماليون في الوقت الحالي. جاء ذلك في ختام اجتماع تحالف منظمة التعاون الإسلامي للإغاثة الذي عقد قبل عدة أسابيع في اسطنبول بحضور 17 منظمة إنسانية من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
وكان من نتائج جهود المنظمة تعهد أعضاء منظمة التعاون الإسلامي في اسطنبول بتقديم 350 مليون دولار للصومال خلال الاجتماع المذكور.

موقف تركيا
قامت تركيا بحملة إنسانية ودبلوماسية واسعة للتصدي للجفاف في الصومال وأرسلت أربع طائرات محملة بعشرات الأطنان من المؤن والأدوية إلى الصوماليين لكن مساعدة تركيا المتميزة تمثلت في تلك الزيارة التاريخية التي أداها رئيس الوزراء التركي لمقديشو حين تقاعس الجميع ، جاء أردوغان بوزرائه وعائلته وأعضاء البرلمان ورجال الأعمال.. وهذه إحدى المواقف المشهودة الأخرى للرئيس أردوغان..
وهكذا نلاحظ أن العرب والغرب عجزوا جميعهم عن جمع المبلغ الذي طلبته الأمم المتحدة لنجدة الصومال (2,5 مليار دولار) علما بأن هذا المبلغ يحتاج له أساسا للمواد الغذائية وبعض الخدمات الصحية فليس الهدف منه توفير البنى التحتية للتعليم والصحة وغير ذلك من وسائل الحياة الكريمة التي يحتاج لها السكان هناك..

مفارقات
اختل الأمر على كثير من العرب والمسلمين فأنفقوا بسخاء وإسراف في أوجه غير صحيحة على المحرمات والمباحات ويتراجعون ويتحول سخاؤهم إلى بخل وإعسار عند الحاجة للإنفاق في الأوجه المناسبة الصحيحة..
تحصل المجاعة في الصومال ويموت الأطفال في الصومال بسبب الجوع بينما العالم يزيد من إنفاقه على التسلح ووسائل القتل والتدمير فقد أعلن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “سيبري”، أن قيمة الإنفاق العسكري في العالم خلال 2010 بلغت 1630 مليار دولار،وقد جاء ترتيب الدول الخمس الأولى من حيث حجم الإنفاق العسكري، على النحو التالي: الولايات المتحدة (698 مليار دولار)، الصين(119 مليار دولار)، بريطانيا (59.6 مليار دولار)، فرنسا (59.3 مليار دولار) وروسيا (58.7 مليار دولار).
ويشير الباحثون إلى أنه خلال الفترة بين 2001 – 2010، زاد الإنفاق العسكري في الولايات المتحدة بنسبة 81%، مقارنة ب 32% في بقية أنحاء العالم. وقد تواصل النمو في هذا الإنفاق عام 2010 في كل من أميركا الجنوبية (5.8 %) وإفريقيا (5.2%) ويتوقع أن يصل الإنفاق العسكري الأميركي إلى 768.2 مليار دولار عام 2011،أما الإنفاق العربي على التسلح فقد بلغ خلال سنة 2010م أكثر من 110مليار دولار.

الإنفاق العالمي على التدخين
تقدر تكاليف التبغ على الصعيد العالمي بما يزيد على مائتي مليار دولار أمريكي في السنة .. وكان الإنفاق في بداية الثمانينيات من القرن الماضي يقدر ب 100 مليون دولار ..
أما على المستوى العربي فالصورة أكثر سوءا فالسعوديون مثلا ينفقون حوالي15مليار ريال سنويا (حوالي 4مليار دولار) على التدخين وينفق الأردنيون على التدخين سنويا أكثر من نصف مليار دولا بينما ينفق المصريون سنويا على التدخين ما يعادل دخل قناة السويس وبالأرقام فإنهم ينفقون يوميا على التدخين والهاتف الجوال حوالي 230 مليون جنيه أي ما يعادل أكثر من 4 مليار دولار سنويا…أما الجزائريون فينفقون على التدخين سنويا حوالي 4 مليار دولار بينما ينفقون على الهاتف النقال قيمة 24 مليار دولار ..

رمي الطعام
ينفق العالم والعرب على المباحات والمحرمات بإسراف لكنهم يبذرون بطريقة أخرى عندما يرمون كثيرا من الأطعمة في القمامة في الوقت الذي يعيش فيه كثير من المسلمين ومن البشرية مجاعات متتالية. ففي دولة عربية واحدة يرمي من الأرز في القمامة ما قيمته 25 مليون دولار سنويا أضف إلى هذا ما يرمى من المواد الأخرى في كل الدول العربية والإسلامية عندها سنجد رقما مخيفا ويخشى على أمة تبدد النعم بهذا الشكل أن تبتلى فقيد النعمة شكرها..

الإنفاق على السياحة
تحدث هذه الكارثة لأهلنا في الصومال بينما إنفاق العرب على السياحة الخارجية قبل حوالي 3 سنوات كان في حدود 27 مليار دولا وإذا قدرنا أن هذا المبلغ لم يزدد بأكثر من الربع فإن ذلك يعني أن العرب ينفقون اليوم على السياحة حوالي 32 مليار دولار.

الإنفاق على الطرب والرقص
يموت أطفال الصومال جوعا بينما بعض العرب ينفقون بلا حساب على الرقص والطرب والسينما والتمثيل الهابط ،فمثلاً بلغ أجر إحدى الممثلات عن حلقة في أحد المسلسلات 5 ملايين جنيه مصري، كما بلغت ميزانية مسلسل آخر 17 مليون جنيه. وقد بلغت تكاليف فيلم واحد 40 مليون جنيه بالإضافة إلى 6 ملايين جنيه تكلفة دعايته…وبلغت ميزانية مسلسل آخر30 مليون دولار.أما الأغاني فتتراوح تكاليف بعضها بين 350 – 100 ألف دولار..
وبحسبة بسيطة فإذا قدرنا أن المطرب الواحد ينتج 10 أغنيات في السنة بمعدل 200 ألف دولار فإن تكلفته السنوية ستكون 2 مليون دولار وإذا قدرنا أن المطربين العرب لا يتجاوز عددهم 100 وهم أكثر من ذلك بكثير فإن تكلفة أغانيهم السنوية ستكون في حدود 200 مليون دولار هذا دون احتساب العملية التسويقية التي ستكون ربما ضعفي هذا المبلغ ودون احتساب ميزانية الأفلام والمسلسلات التي إن أخذناها في الاعتبار فسنجد سوقا بقيمة تزيد على مليار دولار..!

الكماليات
أما سوق العطور فهي في تطور مستمر ويتوقع أن يبلغ حجمها على المستوى العالم حوالي 30 مليار دولا خلال العام 2012م تزيد حصة العرب منها على أكثر من مليار دولار.. أما إنفاق المرأة العربية على الزينة والتجميل فتقدر سنويا بحوالي 15 مليار دولار.

وللرياضة حصتها من الإسراف
ينفق العرب والعجم بسخاء على الرياضة والأندية الرياضية فميزانيات بعض الأندية الرياضية الأوروبية تبلغ أضعاف ميزانيات بعض دول العالم الثالث فيكفي أن نعرف أن ميزانية نادي مانشستر يونايتد الانجليزي السنوية هي 2 مليار جنيه استرليني (حوالي 3,7 مليار دولار).
و رجال الأعمال ينفقون بهوس على الأندية فمثلا اشترى الملياردير الروسي رومان ابراموفيتش تشيلسي اللندني عام 2003 وأنفق 600 مليون جنيه استرليني في أول خمس سنوات بعد شراء النادي.
أما حركة اللاعبين فإنها تعد سوقا خياليا للبذخ والإسراف فهذا أحد لاعبي ريال مدريد يعرض ب 175 مليون يورو وتتحدث الصحف عن رصد نادي مانشستر يونايتد لشراء الظهير البرازيلي دانيل الفيس نجم البرشا والمنتخب البرازيلي بقيمة 220 مليون يورو في الانتقالات الشتوية من العام الماضي.
أما عائدات الأندية الرياضية في الغرب فتنافس أكبر المؤسسات التجارية فقد تصدر نادي باريس سان جيرمان قائمة الأندية الفرنسية في عوائد الموسم الماضي بمبلغ تجاوز الـ 30 مليون يورو، تبعه موناكو بـ28 مليون يورو، ثم ليون (حامل لقب المواسم الأربعة الماضية) بـ9 ملايين يورو.
وعربيا ضخ أحد الأثرياء العرب أكثر من 600 مليون جنيه استرليني على نادي مانشستر سيتي منذ شراء النادي عام 2009. أما ميزانية خليجي 20 الذي نظم في اليمن فقد بلغت 560 مليون دولار.

مصاريف العمرة
العمرة من أفضل العبادات ويلاحظ إقبال كبير من المسلمين على أداء هذه الشعيرة المباركة خلال السنوات الماضية ويقدر حجم ما ينفق على موسم العمرة بحوالي 3مليار دولار..
هذه ليست دعوة للزهد وترك المباحات لكنها دعوة للترشيد ووضع الشيء في مكانه الصحيح.. فلهؤلاء الفقراء والمحتاجين حق في المال الذي ينفق على المباحات ومن باب أولى ما ينفق على الحرمات.. وكما قال الشيخ الشعراوي إن وجدت فقيرا فاعلم أن غنيا أخذ ماله ، قال تعالى : (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم).
فماذا لو قرر المسلمون عدم شراء ملابس العيد لأطفالهم والتبرع بقيمتها لأطفال الصومال؟ والقيمة الجميلة هنا أن يشعر الآباء أبناءهم أنه لا ملابس جديدة في هذا العيد لأن المبالغ المخصصة لذلك قد حولت لأطفال الصوماليين.
وما ذا لو تبرع بعض المعتمرين بقيمة تذاكرهم وتكلفة إقامتهم من أجل الصوماليين . شيء جميل أن ترى الناس في خشوع وبكاء في الحرم المكي والحرم النبوي الشريفين لكن تلك عبادة لأصحابها وليست لغيرهم بينما أهل الصومال إخوة لجميع المسلمين وكل من بيده استطاعة لمساعدتهم وقصر في ذلك فهو مسؤول أمام الله.. فمساعدتهم عبادة يتعدى نفعها صاحبها..
أنسينا قوله تعالى : ( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) ولماذا لا يقرر السياح العرب التنازل عن ليلة أو أسبوع أو أكثر أو أقل لنجدة إخوتهم في الصومال وخارج الصومال … ولعل هذه مناسبة للعقلاء للتدبر في أحوال الأمة عموما لترتيب الأولويات الترتيب الصحيح..
فهل يمكن أن تكون كارثة الصومال بداية تصحيح المسار وأساس لترشيد الإنفاق وتوجيهه التوجيه الصحيح وأقدم في هذا السياق جملة اقتراحات خاصة على مستوى الأفراد والأنشطة المؤسسية الخاصة :
– تشكيل لجان أو فرق للنهضة يكون هدفها تشجيع الناس على التبرع ليس لمواجهة المجاعات التي تحصل من وقت لآخر في كثير من البلدان الإسلامية بل للتأسيس لنهضة شاملة..
– تكون مهمة هذه اللجان جمع التبرعات من السياح قبل توجههم إلى رحلاتهم السياحية وتشجيعهم على اختصار فترات إقامتهم والتبرع بقيمة فترة الاختصار لإخوتهم الذين يعانون من الجوع والأمراض والفقر والجهل وكذلك جمع التبرعات من المدخنين والرياضيين والأندية الرياضية ومن جميع المستهلكات غير الضرورية مثل العطور والساعات الفاخرة وزينة السيارات والمشروبات الغازية وغير ذلك كثير مما يمكن أن يستغنى عنه أو يخفف منه ..
– استخدام هذه الأموال في مشاريع حضارية ليس فقط لمكافحة الفقر والجوع والمرض بل لبناء نهضة حضارية تشمل بناء المدارس والجامعات ومراكز البحث العلمي وتشجيع تعليم الطلاب الموهوبين وتحمل تكاليف تعليمهم ليكونوا رواد نهضة الأمة..
– تكون مهمة هذه اللجان تلمس حاجات الناس والدول الإسلامية وتحديد تكاليفها وتلبيتها على ضوء ما يتم جمعه من الأموال..
– الإعلان عن برامج تشجيعية للجامعات ومراكز البحث المتميزة التي تسهم في دعم نهضة الأمة في شتى العلوم ما يمكنها من الاعتماد على نفسها والبعد عن التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية للدول المتقدمة..
وقد يقول قائل إن هذا مشروع ضخم يحتاج إلى أموال كثيرة عجزت عنها الدول فكيف بالأفراد والجواب على ذلك بسيط فلنفترض أن السياح العرب تبرعوا بنسبة 10% من حجم إنفاقهم السنوي على السياحة الذي يزيد اليوم على 30 مليار دولار فإن الحاصل من ذلك سيكون في حدود 4 مليار دولار وهذا مبلغ ضخم يساوي ميزانية عدد من الدول الإسلامية الفقيرة .. فكيف إذا أضفنا لهذا المبلغ 10% من إنفاق العرب على التسلح و10%من إنفاقهم على التدخين و10% من إنفاقهم على العطور والكماليات و10% من إنفاقهم على الهواتف النقالة و10%من الإنفاق على جميع أنواع الكماليات فإننا سنحصل بسهولة على عشرات المليارات من الدولارات وهذه ثروة ضخمة يمكنها أن تحل معظم مشاكل الدول الفقيرة من تعليم وصحة ومجاعات وبنى تحتية وليس فقط مجاعة الصومال لكن المسألة تحتاج إلى توعية وتغيير في الفكر والسلوك ولعل عصر الثورات العربية يساعد على ذلك..
ومن تردد في دعم إخوته في الصومال فليتذكر أن أهل غزة الذين يعيشون حصارا خانقا منذ عدة سنوات قد شرعوا في جمع التبرعات لأهل الصومال وقد بلغ ما جمعوه قبل عدة أسابيع 17 ألف دولار مجسدين بذلك قوله تعالى : (ويؤثرون على أنفسهم..)..
إنها فعلا فضيحة أن يعجز العالم وهو ينفق ترليونات الدولارات على التسليح وعلى التدخين وعلى السياحة وعلى الكماليات بينما يعجز عن جمع 2,5مليار دور لأطفال الصومال الذين يموتون جوعا ورغم الجهود ما زالت صحونهم المتواضعة ترجع خاوية كبطونهم..

إنها فضيحة العصر..
فكيف يهنأ الإنسان بسياحة أو عطر أو يفرح ويستمتع بملذاته وقد مات 29 ألف طفل صومالي من الجوع وفي الوقت الذي تدفن الأم الصومالية في رحلة البحث عن الغذاء 5 من أطفالها في الطريق..أو تحتار في توزيع الكسرة على أولادها ! فمن يتاجر مع الله التجار الرابحة وينقذ حياة طفل صومالي ففي كل يوم يموت خمسة من أطفال الصومال والعالم بين رقص وتبديد للأموال دون إحساس بالمسؤولية..؟ ولا ننسى أننا سنسأل عن أمور كما ورد في الحديث منها المال كيف اكتسبناه وفيما أنفقناه..
( أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صراط مستقيم). وهذا لا يعني أنه ليس في الأمة محسنون نذروا أنفسهم للخير ومساعدة المحتاجين فقد بادر رجال منظمات العمل الخيري العربية إلى الصومال وتركوا الأهل وتحملوا المشقة والمتاعب لإغاثة أطفال الصومال وهذا منهج يعد الطبيب الكويتي الدكتور عبد الرحمن السميط أحد رواده فما أحوج الأمة لأمثاله.
– اقلام حرة 29 اغسطس 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*