هل تتحول المجاعة إلى ظاهرة عالمية؟


مع عودة المجاعة التي تضرب الصومال وبخاصة الأجزاء الجنوبية منها والتي قتل فيها نحو عشرات الالاف حتى الآن اغلبهم من الأطفال في ما وصف بأنه أسوأ أزمة إنسانية تعاني منها تلك البلاد المضطربة منذ أكثر من عقدين، بدا وكأن السؤال في واقع الأمر يتجاوز الصومال وأزمته الممكن حلها بالمساعدات الدولية الطارئة، الى حال الإنسانية التي تواجه خطر الجوع وعن حق في المائة عام الحالية والتي انقضى منها العقد الأول.
في مداخلة له تحت عنوان ” القضاء على الجوع ما زال أمنية من الأماني” يحدثنا الخبير الفرنسي ” ستيفان بارمانيتية ” الباحث والمستشار المستقل المتخصص في المسائل الزراعية عن ما يسميه ” اصطدام مسار القضاء على الجوع بغياب الإدارة العالمية الفعلية للأمن الغذائي فالمبادرات والسياسات التي تكرسها مختلف الهيئات الدولية المعنية بشكل أو بأخر بالقضية والمتنافسة في بعض الأحيان مثل منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة الفاو والصندوق الدولي للتنمية الزراعية والبرنامج الغذائي العالمي والبنك الدولي ليست متناسقة أو مترابطة فيما بينها .
ولعل السؤال الأولي الواجب طرحه ما هي حالة العالم غذائيا في هذه الاونة وهل هناك عدالة ما في التوزيع بين البشر ام ان الدول الغنية تهدر الطعام والفقراء يتضورون جوعا ؟
في تقرير أخير لوكالة الأنباء العالمية “انتربرس سيرفيس” لـ”كانيا دالميد” نقرأ كيف ان مليار شخص حول العالم يقاسون من الجوع لا بسبب قلة الإنتاج أو نقص المواد الغذائية التي يهدرها الأغنياء ولكن لافتقارهم للقدرة الشرائية الأساسية للحصول عليها والسياسات الزراعية في الدول الصناعية التي ستؤدي الى تخصيص 50% من محاصيل الحبوب في العالم لتغذية الماشية بحلول عام 2050 .
هكذا يؤكد الخبراء ومن بينهم مقرر الأمم المتحدة الخاص لحق الغذاء اوليفييه دو شاتر الذي أفاد انه يتم فقدان 35-40 في المئة من المحاصيل حاليا بسبب عدم كفاية وسائل النقل ومرافق التخزين في حين تستهلك الدول المنظمة والغنية 35-40 في المئة الأخرى من المحاصيل … أين يجد الفقراء لهم مأكل إذن ؟
الشاهد ان عجز 10% من سكان الأرض على إطعام أنفسهم هو انعكاس لأنماط الاستهلاك غير المستدامة ونماذج الإنتاج الزراعي الصناعية التي إذا سمح لها بالاستمرار سوف تخصص 50% من محاصيل الحبوب في العالم لإطعام الماشية بحلول عام 2050 .
غير انه في هذا الإطار يبقى السؤال .. هل سيبقى معدل المحاصيل الزراعية على وجه الأرض بنفس المنسوب والمعدل ام انه بدوره معرض لخسارة أخرى في قادمات الأيام ؟
عند ” ليتسر بروان ” مدير معهد سياسة الأرض الجواب والذي يتلخص في القول انه لم يعد هناك أدنى شك في ان موجات الحرارة تدمر المحاصيل وربما يكفي التذكير بهلاك إنتاج القمح في روسيا في عام 2010 جراء ارتفاع الحرارة فلقد تبين لعلماء البيئة والمحاصيل ان كل درجة مئوية أعلى من الدرجات المثلى من شانها ان تقلل من محاصيل الحبوب بنسبة 10% إضافة الى التداعيات غير لمباشرة الخطيرة على إمدادات الغذاء في العالم .
وبالفعل فقد تسبب ارتفاع درجات الحرارة في ذوبان الجليد في غرب القطب الجنوبي والصفائح الجليدية في غرينلاند وتشير الدراسات الحديثة الى ان مزيجا من ذوبان الصفائح الجليدية والأنهار الجليدية بالإضافة الى التمدد الحراري لمحيطات بارتفاع درجة الحرارة يكن ان يرفع مستوى سطح البحر بما يصل الى 1٫8 متر خلال هذا القرن .
وهناك ما هو أكثر من ذلك فمن شان ارتفاع مستوى البحر بمجرد نصف هذا الرقم أي بنحو 90 سنتمترا ان يؤدي الى انخفاض حاد في محصول الأرز في آسيا التي تأوي أكثر من نصف سكان العالم وتنتج 90 في المئة من الأرز في العالم أيضا ويعني فقدان الكتل الجليدية بالنسبة لـ53مليون شخص يعيشون في بيرو وبوليفيا والأكوادور خطرا حقيقيا على الأمن الغذائي والاستقرار السياسي .
ولا يقتصر هذا الخطر على المزارعين في هذه المنطقة التي تنتج الكثير من القمح والبطاطا بفضل المياه المتدفقة من هذه الأنهار الجليدية التي اختفت من على وجه الأرض وإنما يضر أيضا بأكثر من نصف إمدادات الكهرباء في المنطقة تلك التي تأتي من مصادر الطاقة الكهرومائية ويكفي القول ان شعوب الانديز تأتي ضمن كبرى البلدان المتضررة بذوبان الكتل الجليدية .
نقرأ في ورقة اقتصادية صدرت مؤخرا عن مؤسسة الفكر العربي ان 40% من الغذاء المتوافر في الولايات المتحدة الامريكية ينتهي في سلال المهملات وصناديق القمامة، وفي ذلك تبذير لربع كميات المياه الصالحة للشرب التي استخدمت في إنتاج هذه الأغذية وتبذير أيضا ل 300 مليون برميل من النفط لإنتاجها في السنة أيضا وذلك بحسب دراسة نشرتها المجلة العلمية بلوس مؤخرا .
وفي دراسة علمية أخرى نشرتها جلة ذي سيانتيت تبين ان 25% من الغذاء الذي يتم شراؤه في بريطانيا يلقى به في صناديق القمامة ،كما قام المعهد الوطني للصحة في الولايات المتحدة الامريكية بتقدير الفارق بين كميات الغذاء المتوافر في البلد واستهلاك المواطنين لها وذلك باعتماد متوسط وزن السكان فتبين ان كل مواطن أمريكي يستهلك 2300 وحدة حرارية في اليوم بين تقدير كمية الغذاء المتوافرة له بـ 3800 وحدة حرارية وقد ازداد استهلاك الأمريكيين خلال السنوات الثلاثين الاخيرة بنسبة 30% وازداد تباعا متوسط وزن المواطن الأمريكي بالنسبة نفسها.
ومع تبذير الغذاء وتراجع نوعيته ازدادت نفقات المواطن الصحية هل من مقارنة بين هذه الأوضاع في العالم المتقدم ونظيرتها في العالم النامي والصومال أسوا مثال في هذا الإطار ؟
يؤكد فرانك ايكيزا المدير الإقليمي لوكالة ” اوكسفام ” البريطانية على انه بدأت الازمة في الصومال تلوح بوادرها منذ عدة أشهر ولكن الاستجابة من المانحين الدوليين والحكومات المحلية كانت بطيئة للغاية وغير فعالة، وما نشهده هو انهيار كلي لمسؤولية المجتمع الدولي بشان التحرك السريع وتقديم العون للمنكوبين “.
والشاهد انه في الوقت الذي يلقي فيه الطعام في سلال المهملات في أوروبا وأمريكا يواجه نصف سكان الصومال والبالغ عددهم 7.3 مليون نسمة خطر المجاعة وسوء التغذية والأمراض المرتبطة بها ومن بين هؤلاء 2.8 يعيشون في الجنوب وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي الآن ستنتشر المجاعة الى باقي المناطق الثماني في الجنوب خلال شهرين من الآن بسبب المحاصيل الزراعية السيئة والأمراض المعدية واليوم تعد نسبة سوء التغذية في الصومال هي الأعلى في العالم “… ما هو السؤال الواجب طرحه في مواجهة هذه المعادلة المختلة ؟ هل المطلوب الآن زيادة إنتاج المحاصيل ام وقف التبذير والتعاون الإنساني لدرء خطر المجاعة في الأماكن المعرضة للإبادة الإنسانية من جراء الجوع ؟
بحسب تقارير منظمة الأغذية والزراعة FAO يفوق عدد الجائعين في العالم مليار بشري فلو افترضنا ان البشرية كتلة واحدة وان ” العالم يشكو من الجوع ” لا من الجائعين وحدهم لقلنا ان الجوع هو قصاص لبشرية جمعاء لأنها تبدد الخيرات والأغذية، لكن العالم ليس كتلة واحدة فهو فئات وشرائح وعقليات مختلفة ولكل منها نهج في التعامل لا مع الغذاء فحسب بل مع موارد الطبيعة جميعا، بدءا من الهواء والماء وانتهاء بالمقدرات والموارد الأخرى من المواد الأولية والثروات الطبيعية مرورا بالبيئة والأحوال المناخية وغيرها .
على ان السؤال الأهم ماذا عن دول العالم العربي حتى وان لم تكن تواجه اليوم خطر المجاعة ؟
هذا سؤال في حقيقة الحال جوهري ويتماس مع خطوط الأمن القومي العربي وقد شهدنا كيف ان توقف روسيا عن تصدير القمح كيف اثر على معطيات سياسة عديدة في المنطقة .
ومما لا شك فيه ان دولا عربية تواجه مشكلات كبيرة كلما حدث ارتفاع عالمي في أسعار السلع الغذائية أو بعضها ولكنها تسعى الى حلها عبر إجراءات وقتية لإدارة الازمة وليس من خلال سياسات تهدف الى الحد من اعتمادها على الاستيراد وزيادة قدرتها على إنتاج الغذاء وتهيئة الظروف اللازمة لمواجهة خطر الجوع.
وتزداد الحاجة الى هذه السياسات الآن لسببين أولهما تواتر المؤشرات الدالة على ان ثمة عوامل هيكلية وليست فقط ظرفية ـ تدافع باتجاه ارتفاع أسعار السلع الغذائية في العالم وفي مقدمة هذه العوامل ازدياد الطلب العالمي على الغذاء نتيجة الزيادة السكانية والتحسن المطرد في مستويات المعيشة في كثير من مناطق العالم .
وخصوصا في الدول الصاعدة كبيرة الحجم والسكان مثل الصين والهند والبرازيل .
اما السبب الثاني الذي قد يجعل الخطر اكبر فهو يتعلق بالجفاف الذي اجتاح عددا من أهم الدول المصدرة للقمح في العالم السنة الماضية على نحو يجعل السؤال ملحا عما سيحدث إذا امتد هذا الجفاف من روسيا وأوكرانيا والكومنولث الروسي الى باقي الدول الكبرى المصدرة مثل أمريكا واستراليا والأرجنتين وفرنسا وغيرها .
الى أين تمضي اشكالية الجوع حول العالم ؟
لا يخفى ان حصيلة مؤتمر قمة منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة الذي عقد في نوفمبر 2009 كانت سلبية جدا بمجملها فما دام القادة لا يعترفون بإعادة النظر في ابرز آليات سوء التغذية سيبقى القضاء على الجوع في عداد الأماني ذلك ان غياب الإجماع السياسي المتين على إحداث هذا التغيير الجذري في الدعم المقدم كفيل بان يحول دون نشوء إدارة عالمية فعلية للأمن الغذائي.
في العام 2050 سيضحى سكان العالم تسعة مليارات وسيزداد الطلب على الغذاء بنسبة 70% عما هو عليه اليوم ترى ماذا يتوجب على البشر فعله لمواجهة تلك اللعنة المعروفة بالجوع ؟ وكيف للتعاون الإنساني ان يبدد مخاطرها ؟ أسئلة عددية وغيرها الكثير في حاجة الى قمة دولية طارئة وإلا فان الهلاك يبقى واقفا يحصد البشر حصدا وراء الأبواب.
إميل أمين – كاتب مصري
صحيفة عمان 2 اغسطس 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*