زراعة الوهم


صالح الشيحي
ليس أسوأ من أن يكذب الإنسان الكذبة ويُصدّقها.. لأنه سيعيش أسيرا للوهم.. أحياناً يكتشف الحقيقة بعدما يكون دفع الثمن، وقد يكون باهظاً.. تنقل كتب التراث حكاية رجل بخيل زاحمه الصبية في أحد الطرقات فأراد أن يتخلص منهم فقال: «لماذا لا تذهبون لذلك البيت فإن عندهم وليمة». وعندما انطلق الصبية مهرولين نحو الدار استبد به الوهم: «وما يدريك لعل عندهم وليمة فعلا» فركض خلفهم!
لا أعلم من الذي أقنع أهل الخليج -في مرحلة ما بعد النفط- أن باستطاعتهم أن يحوّلوا الصحراء القاحلة إلى بيئة زراعية. من الذي أقنع حكومات الخليج أن باستطاعتها تحويل ملايين الهكتارات من الصحراء الجافة وشبه الجافة إلى واحات وبساتين مثمرة تغزو ثمارها كل بلدان وأسواق العالم، وتنافس الدول ذات الأراضي الصالحة للزراعة، أو ذات الغابات الاستوائية. من الذي أقنعها أن بوسعها منافسة الصين وأستراليا وأوكرانيا وكندا والبرازيل, بل حتى منافسة السودان التي يصفها الخبراء بأن أرضها ومناخها صالحان لزراعة جميع المحاصيل الزراعية صيفا وشتاء؟!
لا يمكن لك أن تقهر العوامل الطبيعية مهما حاولت.. قد تطوّعها بعض الوقت.. لكنك لا تستطيع ذلك كل الوقت.. نعم هناك في الخليج مناطق زراعية محدودة ذات طقس ملائم وتربة مناسبة، وهناك مناطق رعوية -لم تسلم من العبث- يتوفر فيها غطاء نباتي محدود نشأت بصورة طبيعية لا يد للإنسان فيها. لكن هذا كله لا يعني أن بوسعنا تحويل كامل المنطقة لمنطقة زراعية، لا يمكن إطلاقاً تحويل منطقة تعاني من زحف الرمال، والعواصف الترابية، وندرة المياه، إلى منطقة زراعية خصبة منتجة ومصدرة. هذا هو الوهم الحقيقي!
مناطق صحراوية تعتبر من المناطق الأكثر جفافا على مستوى العالم، تفتقد أهم مقومات الزراعة، وذات مصادر مائية محدودة، وشبه معدومة، وجود المناطق الجافة دليل على انعدام مصادر المياه الطبيعية. كيف يمكن تحويلها لمناطق زراعية تتحكم في غذاء العالم كما تتحكم في وقوده؟
إن كانت هذه الدول اليوم تجد معاناة حقيقية في تأمين مياه الشرب لمواطنيها -يتجاوز عددهم أربعين مليون مواطن- فكيف لها أن تسقي أراضي ومزروعات تستهلك ملايين الأمتار المكعبة من المياه؟
كل المؤشرات تؤكد أن دول الخليج ستعاني من فقر مائي حقيقي خلال السنوات القليلة القادمة.. ما يقرب من نصف استهلاك مواطني الخليج من المياه هو من محطات التحلية -والمؤلم أنه حتى الآن- وأرجو أن أكون مخطئاً، لم يتم توطين هذه التقنية، فأنا لا أعرف أن هناك مصنعا واحدا في أية دولة من دول الخليج يختص بصناعة محطات التحلية!
لا نريد أن نصبح مناطق زراعية لأننا ننشد المستحيل، وهنا لا بد لي من التوضيح أنني لست ضد التخلي عن الزراعة بالكامل، نحن معها بما يحقق الحد الأدنى جداً من الأمن الغذائي وذاك أمر ليس بالمستحيل، سجلت هذه المناطق منذ القدم نجاحا ملحوظاً في زراعة بعض المحاصيل كالتمور -واحة الأحساء أنموذجا- والنخيل من المزروعات التي لا تستهلك كميات هائلة من المياه قياسا بالمحاصيل ذات الاستهلاك العالي كالقمح والأعلاف، هذه الأخيرة بالذات يقول المختصون إنها تستهلك أضعاف استهلاك القمح، بالنظر لكونها لا ترتبط بموسم زراعي معين.. لكن هذه النجاحات في زراعة بعض المحاصيل لا تعني أن باستطاعة دول الخليج أن تتحول لسلة غذاء عالمي.. هذا ضرب من الوهم والجنون! بعد ثلاثة عقود من زراعة القمح تراجعت الحكومة السعودية عن ذلك، وأعادت رسم استراتيجيتها، والمحزن أن أكثر الذين تباكوا على هذا القرار كانوا يتحدثون عن الخسائر في المعدات الزراعية والصوامع، والأقساط التي ترتبت على المزارعين، وغيرها.. لا أحد منهم تحدث عن استنزاف الثروات المائية، وعمليات السحب المخيفة من باطن الأرض!
مشكلتنا في الخليج أننا صدرنا البترول والغاز للعالم، فاعتقدنا أن باستطاعتنا أن نضيف لسلة الصادرات قمحاً وفاكهة!
المفترض اليوم على الحكومات الخليجية أن تعزز مشاريعها الاستثمارية الزراعية في الخارج. أقول هنا على سبيل المثال: الإمارات تستثمر في السودان وباكستان وفيتنام، الكويت تستثمر في كمبوديا، قطر تستثمر في فيتنام، السعودية تستثمر في السودان ومصر، وتستهدف عددا من السلع والمحاصيل على رأسها القمح والأرز والشعي،, هذه هي الخطوات السليمة التي تستطيع دول الخليج أن تؤمن من خلالها حاجتها من الغذاء بأسعار مناسبة، بل تصدر الفائض، وتحمي -وهذا حجر الزاوية- ما تبقى من ثروة مائية لمستقبل الأجيال القادمة.. نلتقي السبت القادم بإذن الله.
(العرب 11 مايو 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*