مليار إنسان جائع


الجوع مشكلة إنسانية وهي تواجه الإنسان، تحدّ من قدرته اليوم في أكثر من مكان في العالم وفي أكثر من قارة تنثر إنسانية البشر، تضيع القدرة، تدمي الكرامة، وتسحق الوجود . “الفقر رأس كل بلاء” كلمة صدّرها الحكماء عبر الأجيال، وقد قال لقمان لولده: “يا بني أكلت الحنظل، وذقت الصبر، فلم أرى شيئا أمّر من الفقر” . الفقر والجوع يحاصران الإنسان في كل مكان، خصوصاً بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية، وهذا ما جنته العولمة، والرأسمالية الجشعة التي يزداد توحشها يوماً بعد يوم، خصوصاً في الدول الغربية، في حين بلغت النفقات العسكرية لدول العالم للعام الماضي ألفاً وستمائة وثلاثين مليار دولار، حسب التقرير الصادر عن معهد “ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام” . وتعادل هذه النفقات ما نسبته 7 .2% من الناتج القومي العالمي، وتبلغ حصة كل فرد في العالم منها 224 دولاراً . وقد سجل مؤشر النفقات العسكرية ارتفاعا قدره 2 .54% خلال عام 2011 . وعلى نحو يمكن القول إن العالم يشهد اليوم واحدة من أكثر فترات الإنفاق العسكري في تاريخه المعاصر، بينما يزداد الفقراء والجوعى في العالم أغلبهم من النساء والأطفال، حيث ينتهي المآل بالأغلبية العظمى منهم إلى الموت جوعاً .
هناك 02 .1 مليار شخص في العالم يعانون في الوقت الحالي نقص التغذية . وهذا يعني أن واحداً من بين كل ستة أشخاص تقريباً لا يحصل على ما يكفي من الغذاء، للتمتع بصحة جيدة وحياة نشطة . والجوع وسوء التغذية هما في واقع الأمر الخطر الأول الذي يهدد صحة الإنسان في جميع أنحاء العالم، وهو أشد خطراً من أمراض الملاريا والسل مجتمعة، كذلك من المسببات الرئيسية للجوع الكوارث الطبيعية، والصراعات، والفقر، وضعف البنية التحتية الزراعية، والاستغلال المفرط للبيئة . وفي الآونة الأخيرة، دفعت الأزمات المالية والاقتصادية المزيد من الأشخاص إلى الوقوع في شرك الجوع . وإضافة إلى الجوع الذي يتمثل في معدة فارغة، هناك أيضاً جوع من نوع آخر هو الجوع الخفي الناتج عن نقص بعض العناصر الغذائية الأساسية (المغذيات الدقيقة)، ويؤدي ذلك إلى جعل الشخص عرضة للأمراض المعدية ويتأثر نموه الجسدي والعقلي، كما يقلل من إنتاجية العمل ويزيد من خطر الوفاة المبكرة . ولا يؤثر الجوع فقط في الفرد، بل يفرض أيضاً عبئاً اقتصادياً هائلاً على العالم النامي، حيث يقدر الاقتصاديون أن كل طفل يعاني ضعف النمو الجسدي والعقلي، بسبب الجوع، وسوء التغذية يتعرض لخسارة ما بين 5-10% من دخله المكتسب على مدى عمره . ولهذا اجتمع في روما قادة وممثلو 150 دولة في العالم في قمة الغذاء، لتجديد الالتزام بالعمل على استئصال الجوع، وما يترتب عليه من كوارث وفواجع .
وبالرغم من تعدد المؤتمرات واللقاءات التي التزم فيها هؤلاء القادة والممثلون للدول بعلاج مشكلة الجوع، إلا أن الأوضاع لم تتحسن في عام ،2011 بل إنها تزداد سوءاً، وتقول الأرقام التي نشرتها الأمم المتحدة بمناسبة انعقاد القمة: “إن في العالم اليوم أكثر من مليارين من الجوعى . وهذا يعني أن الجائعين يمثلون نسبة 35% من سكان العالم، ومن المتوقع أن يصبحوا 3 مليارات خلال فترة قد لا تزيد على ربع قرن . أغلبهم يقبعون في قارة إفريقيا، حيث تعاني أكثر من 41 دولة إفريقية شبح الجوع، خاصة منطقة القرن الإفريقي، ولكن مشكلة الجوع ليست مقتصرة على الدول النامية، وليست ظاهرة إفريقية فحسب، فهناك دولٌ “كبرى” عدة تعاني تلك المشكلة أيضاً . فشبح الجوع يطارد 60 مليون شخص في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا . أما في الدول العربية فيعيش 95 مليون شخص تحت خط الفقر، لا يجدون الحد الأدنى من غذاء وكساء ورعاية صحية، بينهم 10 ملايين شخص يعيشون أو يتعايشون مع سوء التغذية، وحالات الأنيميا الحادة، ومنهم  مليونا طفل دون سن الخامسة .
هذه الأرقام التي ذكرتها إحصاءات الأمم المتحدة تعطي صورة قاتمة، تكشف مدى ما يعيشه عالمنا المعاصر من بؤس إنساني . ففي الوقت الذي نزعم فيه أن عصرنا هو عصر التقدم والرخاء، يصدمنا الواقع المؤلم، الذي يكذّب هذا الزعم أو يشكك في مصداقيته على الأقل، لأن جوهر المشكلة ليست في نقص الغذاء، بل في نقص الضمير، فهناك في بعض المجتمعات -التي تمثل الرأسمالية الجشعة – سعي متعمد لإجاعة الآخرين من أجل التحكم في أسعار الغذاء . وهناك إهانة وإهدار للنعم – بإعدام فوائض الحاصلات الزراعية حفاظاً على أسعار الأسواق- بسبب الأنانية، واللامبالاة بالآخرين .
على العقلاء أن يتفهموا الأخطار الناجمة عن تزايد أعداد الفقراء والجوعى في العالم النامي، خصوصاً الدول الصناعية التي عليها أن تقوم بدورها في مكافحة الفقر في العالم، فعليها أن تفتح أسواقها أمام الدول الفقيرة، كما يقول مدير الوكالة الألمانية للتعاون الفني GTZ، هانز- يؤاخيم برويس، مضيفاً أن ذلك سيتيح “الفرصة أمام المنتجين من الدول النامية، لتوريد منتجات أخرى كالقطن إلى الأسواق الأوروبية” . ويوضح برويس في السياق ذاته أن “تسويق هذه المنتجات يوفر لمنتجيها مدخولات تقوي بدورها الطلب على الشراء، الذي يؤدي بالتالي إلى زيادة إنتاج المواد الغذائية . كما ينبغي على الدول الغنية أن تفتح أسواقها أمام المنتجات الزراعية من الدول النامية بوجه خاص، إذ إن الكثير من الدول الفقيرة لا تستطيع المنافسة إلا بمثل هذه المنتجات” .
– محمد خليفة
(الخليج 22 يناير 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*