قبل أن يطبق الجوعى أجفانهم للمرة الأخيرة


بلغ تعداد سكان العالم سبعة مليارات، حيث يُولد يومياً نحو 219 ألف إنسان، كما يقول صندوق السكان الدولي ويقول برنامج الغذاء العالمي: إن (سُبع) هذا العدد سيعيشون في فقر مدقع.
وإذا كانت نعمتا العلم والوعي الصحي قد أسهمتا في ارتفاع معدل عمر الإنسان بقرابة 20 عاماً منذ منتصف القرن الماضي، فإن هذا أيضاً عكس دوره على تفاقم الاكتظاظ السكاني، خصوصاً في دول العالم الثالث.
اليوم تحذر المنظمة الدولية للغذاء والزراعة (فاو)، من أن 70 مليون إنسان دخلوا تحت خط الفقر هذا العام؛ ما يعني أن مُجمل المساعدات وأعمال الهيئات الإنسانية العاملة في مجال محاربة الجوع غير قادرة على مواجهة أزمة توفير الغذاء لهم، فكيف بالحياة الكريمة. يلعب دوراً في هذا العجز التلكؤ عن التمويل من الدولة المانحة أو حتى قدرة التبرعات الخاصة التي تحتل المرتبة السابعة في حجم الإيراد من ناحية، ومن ناحية أخرى عدم فعالية آليات مواجهة الجوع نفسه مثلما أن قدراً من الأموال التي يتم توفيرها لإطعام الجوعى يذهب ما يقارب نصفه في نفقات تُُصرف على العاملين في هذه البرامج كرواتب وبدلات نقل بالدرجة الأولى في الطيران وإسكان مرفه.
على أن المصدر الرئيس وعلته الكامنة تكمن في السياسات التنموية في بلدان العالم والفساد في إدارة الاقتصاد والخلل في توجيه الثروة بما لا يصب في مصلحة التنمية الاجتماعية وزيادة فرص العمل والبرامج والمشاريع الإنتاجية أو الخدمية القادرة على توفير الغذاء والدخل الذي يمكّن الفقراء من حيازته باستمرار.
إن العالم في حقيقته ليس في مواجهة مع تعذر إنتاج المواد الغذائية، فثمة مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة في مختلف القارات لا يتم استثمارها بالأساس، بل هناك وفرة من الإنتاج تسعى بعض الدول إلى إتلافها حفاظاً على مستوى الأسعار في حد معلوم أو احتكارها في بورصة المزايدات السياسية.
الحروب والكوارث الطبيعية والنزاعات العرفية والدينية تسهم بدورها في انزلاق أعداد كبيرة من البشر إلى حياة التشرُّد والجوع، في مسعى للفِرار بأنفسها إلى ملاذات آمنة، كثيراً ما تتحول إلى وبال عليهم في انتظار غوث لا يأتي إلا بمقدار، يفقد بعضهم فيه حياته جائعاً وشريداً.
وإذا كان من المثالية التعويل على أن الأمم المتحدة بمنظماتها الإنسانية تملك القدرة على حشد توجه حكومي عالمي لإنتاج الغذاء وتوفيره للأفواه الجائعة التي بلغت في الوقت الراهن ملياري جائع، فإن هذا بالتأكيد ليس مدعاة للتشاؤم في أنها لا يمكن أن تنجح بتاتاً، إنما يتطلب الموقف منظوراً جديداً يملك قابليته حشد الجهود الحكومية ولو بنسبة تتفوق على هذه الالتزامات المتقطعة والشحيحة أو هذا الموقف شبه اللامبالي وطويل النفس إزاء قضية لا تحتمل أي تقاعس أو تأخير بقدر ما تطلق نذرا تهدّد البشرية برمتها.
وطالما أن الأمم المتحدة بمنظماتها الإنسانية تتكئ حالياً في هذا المجال على موظفين بياقات منشاة وأزياء فخمة وتنقلات وإسكان مكلفين، فهي إما عليها أن تجرب حيال موظفيها قبول المقابل المادي الرشيد كشرط لمن شاء أن يعمل في هذا المجال أو أن تجرب فئة من البشر موجودة في كل بقاع الدنيا لديها الاستعداد الدائم لتنذر نفسها للقيام بهذه المهام الإنسانية دون مقابل.
ما نقوله مجرد حرث في بحر حلول ممكنة قد لا تكون مما يغرب عن بال المشتغلين في هذا المجال الإنساني، غير أنها تظل تطرح نفسها هنا من باب الرغبة في استصراخ الضمير الإنساني في زمن بلغ فيه الجشع حداً أفقد الناس أرزاقهم ومنازلهم وجعل قسماً كبيراً منهم يتضورون جوعاً وأحياناً يلفظون أنفاسهم في نزاع أخير على صورة لكسرة من الخبز تلمع في خيالهم ليطبقوا عليها أجفانهم للمرة الأخيرة.
(الاقتصادية 10 نوفمبر 2011)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*