التعاون الحتمي لأمن غذائي عربي


لا تزال قضية الأمن الغذائي العربي ـــ على أهميتها ـــ دون مستوى الاهتمام الرسمي العربي. ولا تزال مسألة الاحتياطي الغذائي الواجب وجوده في كل الأوقات، يتم التعاطي معها موسمياً، أو حسب المتغيرات. أي كلما شهدت أسعار الغذاء ارتفاعاً على المستوى العالمي، انصب الاهتمام الرسمي عليها، وهذا الاهتمام يفتر إذا ما تراجعت الأسعار، أو شهدت الأسواق وفرة من المواد الغذائية. لكن الأمور لا تتجه (على المستوى العالمي) إلى الوفرة، وبالتأكيد لا تسير الأسعار نحو الانخفاض. بل على العكس، هناك شح في المواد، وارتفاع تاريخي في الأسعار. ففي الشهر الأخير من العام الماضي ارتفعت أسعار الغذاء عالمياً إلى مستوى فاق الحد الذي وصلت إليه في عام 2008، عندما كان المراقبون يقولون: إنها وصلت إلى معدلات تاريخية لم يكن يتوقعها أحد! ولمزيد من المصائب المتجددة، فقد كشفت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ”فاو”، في تقرير خطير لها، أن التنوع الوراثي للنباتات الزراعية والغذائية والبرية، يواجه خطر الفقد والضياع بلا رجعة، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي لأجيال المستقبل ما لم تُبذل جهود خاصة، لا لصونها فحسب, بل لتعميم استخدامها، خصوصا لدى الدول النامية. وعموما فقضية الغذاء ترتبط بكيفية الحد من ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية برمتها على المستوى العالمي، والوصول إلى حالة من الأمن الغذائي العالمي، ولا سيما في البلدان الفقيرة، التي لا تعاني فقط ارتفاع الأسعار، بل تعاني أيضاً شح المياه، وتراجع الاستثمارات الزراعية فيها ونقص في الدعم الزراعي المادي والإرشادي أيضاً. يضاف إلى ذلك ـــ وهذه نقطة خطيرة للغاية ـــ أن إجراءات الحمائية الزراعية تُسهم إلى حد بعيد في ارتفاع الأسعار. فقد ثبت أن الأسواق الحرة الخاضعة للضوابط (لا المفتوحة على الغارب)، هي وحدها التي يمكن أن توفر مواد غذائية أساسية، بأسعار ”ممكنة” لا تعجيزية.

لقد حققت بعض الدول تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، إلا أن الدول العربية، لم تتقدم بالخطوات الكافية للوصول إلى حل أو شبه حل لهذه الكارثة المؤجلة دائماً! فلا يزال هناك عدم تناغم في الإنتاج والتبادل الزراعي بينها، ولا تزال الاستثمارات الزراعية ضئيلة قياساً بالاحتياجات والقدرات الزراعية العربية. فنحن نعلم أن المساحات المخصصة للزراعة لا تتجاوز 5 في المائة من مجمل مساحة العالم العربي، ونسبة الاستثمارات في القطاع تصل إلى 9 في المائة من إجمالي الاستثمارات العربية في القطاعات الإنتاجية الأخرى. علماً بأن الزراعة تسهم بنحو 13 في المائة من الإنتاج المحلي للوطن العربي، على رغم اشتغال معظم الأيدي العاملة في هذا المجال. ويستورد العالم العربي أكثر من 50 في المائة من احتياجاته الغذائية. وهي نسبة كبيرة وخطيرة في آن معاً. وهناك بعض الدول العربية التي اعترفت أخيرا بأن الاحتياطي الغذائي لديها لا يتجاوز أكثر من أسبوعين فقط!

لا يمكن الاقتراب من الأمن الغذائي العربي إلا بتعاون عربي شامل. وهذا ليس شعاراً، لكنه حقيقة واقعة. لا يمكن تحقيق تقدم في هذا المجال إلا برفع مستوى الاستثمارات الزراعية، بما في ذلك الإنفاق على حماية التنوع الوراثي للنباتات الزراعية والغذائية والبرية، وتوزيع الأدوار في عملية الإنتاج. فعلى سبيل المثال لا يزيد حجم الاستثمارات العربية الزراعية في بلد كمصر على 2 في المائة، والأمر كذلك في بلد كالسودان، يتمتع بأعلى مستويات الخصوبة في أراضيه. صحيح أن هناك أزمة غذاء عالمية، لكن العرب يستطيعون بتخطيط استراتيجي وتعاون ضروري، أن يُخرجوا أنفسهم من الأزمة، وينتقلوا بعدها إلى مرحلة الأمن الغذائي، الذي يكفل بدوره احتياطياً غذائياً تسعى إليه كل دول العالم.

الاقتصادية 17 مارس 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*