العالم وفقاعة أسعار الغذاء


في أوائل شهر يناير الماضي، أفاد تقرير لمنظمة الزراعة والأغذية التابعة للأمم المتحدة «فاو»، أن مؤشر أسعار الغذاء بلغ أعلى مستوى له في تاريخ المنظمة، خلال شهر ديسمبر ‬2010، متجاوزاً الرقم القياسي السابق في ارتفاع سعر الغذاء خلال عامي ‬2007 ؟ ‬2008. والأمر الأكثر إثارة للقلق، أنه في الثالث من فبراير الجاري، أعلنت «فاو» أن الرقم القياسي لأسعار الغذاء في ديسمبر الماضي، تم تجاوزه في يناير ‬2011، حيث قفزت الأسعار بمعدل ‬3٪ أخرى.

هل سيستمر هذا الارتفاع في أسعار الغذاء خلال الشهور المقبلة؟ في الغالب، سوف نرى المزيد من الارتفاعات التي سوف تودي بالعالم إلى منطقة مجهولة في العلاقة بين أسعار الغذاء والاستقرار السياسي.

يعتمد كل شيء الآن على حصاد العام الحالي، إذ سوف يتطلب تخفيض أسعار الغذاء إلى مستوى مريح بصورة أكبر، حصاداً وفيراً من الحبوب، بكميات أكثر من الحصاد القياسي لعام ‬2008 الذي صاحب حالة الركود الاقتصادي، لكي يُنهي القفزة في أسعار الحبوب في موسم ‬2007 ؟ ‬2008.

فإذا كان العالم لديه حصاد ضعيف هذا العام، فسوف ترتفع أسعار الغذاء إلى مستويات لم تكن متصورة في السابق، بل سوف تتضاعف، وتنتشر حالة من عدم الاستقرار السياسي، وتسقط الحكومات، فالعالم الآن يفصله موسم حصاد واحد، عن الفوضى في أسواق الحبوب العالمية.

على المدى الأبعد، سوف يصبح التوسع في إنتاج الغذاء بشكل متسارع، أكثر صعوبة، في الوقت الذي تنفجر فقاعات الغذاء المعتمدة على الإفراط في ضخ المياه الجوفية، وتقلص محاصيل الحبوب في الكثير من الدول، في الوقت نفسه، فإن ارتفاع وتيرة التقلبات في الأحوال المناخية، بما في ذلك المزيد من الظروف الجوية والأكثر تطرفاً وتكراراً، من شأنه أن يجعل مسألة التوسع في الإنتاج الغذائي أكثر اضطراباً.

لقد عمدت ‬18 دولة إلى مضاعفة حجم إنتاجها من الغذاء على مدار العقود الماضية، من خلال الإفراط في ضخ المياه الجوفية لري محاصيلها، ومن بين هذه الدول؛ الصين والهند والولايات المتحدة، وهي الدول التي تعتبر أكبر المنتجين للحبوب في العالم.

وعندما تنفجر فقاعات الغذاء المعتمد على زيادة ضخ المياه في بعض الدول، فسوف يؤدي ذلك إلى تقليل الإنتاج بشكل مأساوي، وفي دول أخرى ربما يؤدي ذلك إلى تباطؤ النمو في الانتاج، ففي السعودية، التي كان لديها اكتفاء ذاتي من القمح لما يزيد على عشرين عاماً، ينهار إنتاج القمح، ويحتمل أن يتلاشى كليةً في غضون عام أو نحو ذلك، في الوقت الذي تنضب موارد البلاد من المياه الجوفية.

ففي سوريا والعراق، مثلا، تتقلص محاصيل الحبوب بشكل بطيء حيث تجف آبار الري، وتعتبر اليمن حالة سلة مائية، حيث تنخفض مستويات المياه الجوفية على امتداد البلاد، وتوشك آبار المياه على الجفاف، هذه الفقاعات الغذائية، تجعل الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط، أول منطقة جغرافية يدفع نضوب المياه الجوفية فيها إلى انكماش محاصيل الحبوب.

وفي الوقت الذي تعتبر هذه التراجعات في إنتاج الحبوب في منطقة الشرق الأوسط مأساوية، فإن أكبر فقاعات الغذاء نتيجة المياه توجد في الهند والصين، وتشير دراسة من البنك الدولي، إلى أن ‬175 مليون شخص في الهند يتغذون على الحبوب التي تتم زراعتها بالضخ الجائر للمياه، وفي الصين يغذي الضخ الجائر ‬130 مليون شخص، فانتشار مشكلة نقص المياه في كلتا الدولتين العملاقتين من حيث عدد السكان، يصعب من مسألة التوسع في إمداداتهما من الغذاء.

بعيداً عن مشكلة جفاف آبار الري، يضطر المزارعون إلى أن يكافحوا مع التغير المناخي، ويشير تقدير تقييمي لخبراء المحاصيل، إلى أنه مع كل درجة مئوية ارتفاعاً في درجة الحرارة خلال موسم النمو، ينخفض إنتاج الحبوب بمقدار ‬10٪، لذلك فليس من المستغرب أن درجات الحرارة المحرقة في مناطق غرب روسيا خلال الصيف الماضي، أدت إلى انكماش حصاد الحبوب بنحو ‬40٪.

من ناحية الطلب في المعادلة الغذائية، هناك الآن ثلاثة مصادر للنمو، المصدر الأول هو النمو السكاني، إذ سوف يحضر إلى مائدة العشاء كل ليلة، ‬219 ألف شخص لم يكونوا موجودين منذ ليلة سابقة، والكثيرون منهم يحملون أطباقاً فارغة، المصدر الثاني هو ارتفاع الوفرة من الأغذية، فهناك ما يقرب من ثلاثة مليارات شخص الآن يحاولون ارتقاء سلم السلسلة الغذائية، من خلال استهلاك اللحوم والألبان والبيض ذات التركيز العالي من الحبوب، أما المصدر الثالث، فيتمثل في المقادير الهائلة من الحبوب التي يتم تحويلها إلى زيوت، وأهمها الإيثانول، لاستخدامها كوقود للسيارات، هناك ما يقرب من ‬120 مليون طن من حصاد الولايات المتحدة من الحبوب البالغ ‬400 مليون طن خلال ‬2010، يتم توريدها إلى معامل تقطير الإيثانول.

وفي عالم يعاني من الجوع بصورة متزايدة، فإن تحويل الحبوب إلى الوقود ليس بالطريق الذي ينبغي السير فيه، لقد آن الأوان لإلغاء الدعم الذي يقدم لعملية تحويل الحبوب وغيرها من المحاصيل، إلى وقود للسيارات، وإذا استطاع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي دفع مجموعة العشرين إلى التركيز على أسعار الغذاء، وليس فقط أعراضه، فإن أسعار الغذاء يمكن تثبيتها عند مستوى أكثر مدعاة للارتياح.

ليستر براون
مفكر أميركي ومؤسس «معهد سياسة الأرض»

البيان 14 فبراير 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*