كيف نهزم الجوع العالمي؟

كيف نهزم الجوع العالمي؟
باتريك سيل -9\6\2008

يكاد لا يمر يوم واحد، إلا وينضم إلى جيش الجياع ملايين الأشخاص في مختلف أنحاء العالم. يحدث هذا ببساطة لعدم قدرة الكثيرين على الحصول على الطعام، أو لعدم قدرتهم على شرائه حين توفره. وليس من إدانة أقوى للنظام الدولي القائم حالياً، أكثر من هذا التناقض الحاد الصارخ بين طاولات موائد الأغنياء التي تئن من فرط اكتنازها بشتى أنواع الطعام والملذات، والصراع اليومي البطولي الذي تخوضه العائلات الفقيرة من أجل إطعام أطفالها فتات الطعام سداً لمسغبتهم،
وإن كان ذلك بتوفير وجبة واحدة لهم في اليوم لا تسمن ولا تغني من جوع! فهل من سبيل لحل هذه المعضلة والتغلب على المأساة؟
فيما يبدو ومما تشير إليه كل المؤشرات الواقعية الراهنة، فإنه ليس من أفق للتغلب عليها في أي وقت في المستقبل المنظور. والحقيقة أن أزمة الغذاء الحالية، التي تسببت في نشوب أحداث شغب وعنف، من هايتي إلى مصر مروراً ببنجلاديش، ودفعت دولاً عديدة إلى حظر تصدير المنتجات الغذائية، منشؤها عاملان رئيسيان متعارضان. أولهما انخفاض حجم إنتاج الغذاء العالمي في توازٍ مع ارتفاع حاد للطلب العالمي عليه، وهو ما دفع أسعار الغذاء إلى تصاعد جنوني. ويعتقد الكثيرون أن ارتفاع الطلب على الغذاء مصحوباً بالارتفاع الحاد في أسعار السلع والمنتجات الغذائية، هما نتيجة واحدة للتوسع الهائل الذي طرأ على الكثافة السكانية العالمية.
ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، قد يوفر فرصاً للاستثمار في إنتاج الغذاء، وربما كان الشره المالي سبيلاً إلى حشو أفواه الجياع في العالم بما يحتاجونه من طعام.
ولكي نسوق مثالاً واحداً فحسب على هذه الحقيقة من منطقة الشرق الأوسط، فقد كان تعداد سكان مصر عند تولي تنظيم “الضباط الأحرار” الذي قاده الزعيم الراحل جمال عبد الناصر لسدة الحكم في القاهرة في عام 1952 يقدر بنحو 18 مليون نسمة. أما اليوم، فيقارب تعداد المصريين الـ80 مليوناً.
وهكذا لم تعد المشكلة تقتصر على زيادة عدد الأفواه الواجب إطعامها في شتى أنحاء المعمورة فحسب، بل تزامنت مع تغيرات سلوكية غذائية أخرى، منها على سبيل المثال أن دولة كالصين تشهد نمو طبقة اجتماعية متوسطة جديدة، لم تعد راضية عن بساطة وتواضع الوجبات الغذائية الصينية التقليدية. فهي تريد أن تستهلك كميات أكبر من البروتينات مثل اللحوم والألبان، ويتطلع أفرادها لتناول وجبات غنية متنوعة شبيهة بتلك التي يتناولها الأميركيون.
أما العامل الثاني وراء الأزمة الغذائية الحالية، فيتمثل في ما يشهده العالم من تقلب مناخي غريب الأطوار خلال السنوات الأخيرة الماضية، نشأت عنه موجات جفاف مدمرة ضربت أجزاء مختلفة من العالم، وتسبب في حدوث فيضانات وكوارث طبيعية مماثلة في أنحاء كثيرة أخرى. ومع نشوء هذه الأزمات الإنسانية الطارئة، التي أدت بدورها إلى ارتفاع الطلب على المنتجات الغذائية، فقد كان طبيعياً أن ترتفع الأسعار طالما سجلت المنتجات الغذائية أدنى معدلات إنتاجها خلال الفترة نفسها.
وإلى جانب هذين العاملين هناك سبب ثالث وراء الأزمة الحالية، يتلخص في تحويل مساحات شاسعة كانت تستغل سابقاً للإنتاج الغذائي، لا سيما في الولايات المتحدة الأميركية والبرازيل، إلى أراض لإنتاج المواد الغذائية الخام الصالحة لإنتاج الوقود البيولوجي البديل للنفط. وخلال العام الحالي تشير التقديرات إلى أن هذه المنتجات قد التهمت نحو ثلث الأراضي الأميركية التي كانت تستغل لزراعة محصول الذرة الشامية. أما البرازيل فتستغل الآن مساحات شاسعة من أراضيها لإنتاج قصب السكر المستخدم في استخراج وقود الإيثانول. وبالنتيجة أصبحت البرازيل ثاني أكبر دولة منتجة للإيثانول عالمياً بعد الولايات المتحدة الأميركية.
وفي وقت مبكر من الشهر الجاري، شارك 40 من رؤساء الدول والحكومات في قمة روما التي عقدتها منظمة “الفاو” التابعة للأمم المتحدة، بغرض البحث عن حل لأزمة الغذاء العالمية. وقد اتفق المشاركون فيها على آنية المشكلة وإلحاحها، إلا أنهم لم يتوصلوا إلى أي حلول عملية لها. بل إن من المشاركين من دافع عن إنتاج الوقود البيولوجي بدلاً من الغذاء، على نحو ما فعل الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، وكذلك “إيد شافر” وزير الزراعة الأميركي. إلى ذلك ربط عدد من المتحدثين المشكلة بالارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمي، ما أدى في رأيهم إلى ارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات الحشرية، إضافة إلى ارتفاع تكلفة نقل المنتجات الغذائية عالمياً.
وعلى سبيل المثال، فقد ارتفع سعر الفوسفات من 365 دولارا للطن في العام الماضي إلى 1000 دولار حالياً، بينما قفز سعر البوتاسيوم من 230 إلى 700 دولار للطن. إلى ذلك قالت “هنريتا فور” رئيسة وكالة التنمية الأميركية إن الارتفاع الحاد في أسعار نقل المساعدات الغذائية، قد نتج عنه انخفاض بنسبة 50 في المئة في المساعدات الإنسانية التي تقدمها الوكالة.
وهناك من الخبراء من يعتقد أن منشأ أزمة الغذاء هذه ندرة الموارد المائية المستخدمة لأغراض الري الزراعي، نتيجة لتأثيرات التغير المناخي، وكذلك بسبب التوسع الهائل للمدن والمراكز الحضرية في الدول النامية. ويرى هؤلاء أن الحاجة قد أصبحت ملحة لتطبيق تقنيات جديدة متطورة في مجال الري، إلا أنها باهظة التكلفة. إلى ذلك رأت فئة ثالثة أن السبيل الوحيد للتغلب على أزمة الغذاء العالمي، هو إحداث ثورة تكنولوجية شاملة في إنتاج الغذاء يسلط الاهتمام فيها على إنتاج المواد الغذائية المعدلة وراثياً، بصرف النظر عن المخاوف المثارة بشأن تأثيراتها الصحية التي لم يتم تحديدها بعد.
ويُشار إلى أن رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ثاباتيرو، دعا حكومات العالم ودوله إلى الاتفاق على وضع “ميثاق للأمن الغذائي” العالمي. والذي يبدو واضحاً من خلال كل هذه الاتجاهات في المناقشات التي شهدتها قمة روما، أن شيئاً ما يجب فعله من أجل تنسيق جهود الكثير من المنظمات والوكالات الدولية المعنية بأزمة الغذاء، بما فيها الأمم المتحدة نفسها، ومنظمة الفاو والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية.
وأياً تكن تعقيدات العوامل والأسباب المؤدية لهذه الأزمة، فقد استيقظ قادة العالم على حين غرة أمام حقيقة مفادها أن أيام “بحبوحة” العيش التي شهدتها الثلاثون أو الأربعون عاماً الماضية قد ولت. وبالنتيجة اتجهت أنظار المستثمرين -بمن فيهم مستثمرون من منطقة الخليج العربي- أكثر من ذي قبل وعلى نحو مفاجئ صوب القارة الأفريقية، حيث تمتد الأراضي الشاسعة القابلة لزراعتها بالمحاصيل الغذائية على امتداد عشرات آلاف من الهكتارات. وبقدر ما تواصل أسعار الغذاء العالمي ارتفاعها الجنوني، بقدر ما تنشأ الفرص الاستثمارية الجديدة في إنتاج الغذاء سواء من قبل الشركات الاستثمارية الخاصة، أم من قبل الصناديق الاستثمارية التابعة للحكومات. ومن يدري فربما كان هذا الشره المالي نفسه، السبيل المفضي إلى حشو أفواه المليارات من جياع العالم بما يحتاجونه من طعام لسد رمقهم!
** نقلاً عن صحيفة “الاتحاد” الإماراتية
المصدر: موقع قناة العربية

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*