أزمة غذاء تهدد العالم

يارمو كوتيلاين رئيس الاقتصاديين إن سي بي كابيتال

ينظر إلى نهضة الزراعة على أنها واحدة من تغيرات جمة مهمة طالت النظام الاقتصادي العالمي الجديد. فبعد أن أدرك المسؤولون أن قطاع الزراعة الحالي عفا عليه الزمن، ولم يعد يتمتع بالكفاءة الضرورية، على الرغم مما يحظى به من دعم عن طريق المنح القائمة على بواعث سياسية، عادت الزراعة لتكون نشاطاً يحظى باعتراف كبير كأحد الشروط الأساسية المسبقة لبقائنا في الحياة، إذ لا يمكن لأي مجتمع أن يعيش من دون أن تتاح له وسائل ملائمة للحصول على الغذاء والماء. ولا بد أن تذكرنا أزمة الغذاء الأخيرة التي حدثت خلال العامين 2007 و2008، وما صاحبها من أعمال شغب في الشوارع وإشعال الحروب التجارية، بمدى هشاشة النظام الاقتصادي العالمي في مواجهة الاضطرابات المناخية. أما ما يزيد الأمور تعقيداً فهو أن هذه الأزمة قد مرت في النهاية، بيد أن الكثيرين من الناس يرون فيها مجرد انحراف مؤقت.

إن قصر النظر الكامن في التساهل إزاء هذا الوضع يتكشف مرة أخرى بعد أن أصبحت أخبار السلع الزراعية تتصدر الصفحات الأولى نتيجة القلق المتزايد حيال حدوث تراجع كبير في المعروض من تلك السلع. وكان لزاماً علينا أن نتخلى عن التفاؤل السابق في بداية فصل الصيف بشأن الموسم الحالي المزدهر، بعد اختلال المعروض من السلع في روسيا وشرق أوروبا نتيجة الظروف المناخية القاسية. وفي الآونة الأخيرة، بات من الواضح أن هذه المشاكل لم تكن معزولة، لكنها أثرت في الحقيقة على عدد من السلع والمناطق الزراعية. ونتيجة لذلك، فإن التضخم السريع في أسعار الغذاء لايزال مستمراً، ومن المحتمل أن يتصاعد بشكل أكبر، خصوصاً بسبب المشاكل التي تعاني منها روسيا.

وحدث المشهد الدرامي الأخير، الذي يخشى أن يتحول حالياً إلى أزمة غذاء عالمية، في أعقاب التحذير الذي أطلقته وزارة الزراعة الأمريكية حول المعروض المتدني «للغاية» للسلع الرئيسة في الثاني من أكتوبر. وبعد أن توقعت تحقيق محصول قياسي للذرة خلال العام الجاري، اضطرت وزارة الزراعة الأمريكية إلى خفض توقعاتها بمعدل 4 بالمئة إلى 12.7 مليار بوشل (البوشل الواحد يعادل 27 كيلوغراماً). وعلى الرغم من ذلك، فإنه حتى لو تحقق هذا الرقم، لكان العام 2010/2011 أفضل موسم حصاد على الإطلاق، لكنه أثار حالة من التفاعل في السوق وصلت إلى حد الذعر، نتيجة الطلب المرتفع بشكل كبير جداً. لذلك، أطلقت وزارة الزراعة الأمريكية تحذيراً حول إمكان تراجع إنتاج محصول الذرة في الولايات المتحدة بمعدل النصف في ظل الظروف الراهنة، ليصل إلى أدنى مستوياته على مدى 14 عاماً، أي نحو 900 مليون بوشل. ونتيجة هذه التغيرات، ارتفعت أسعار الذرة بنحو 15 بالمئة خلال يومين فقط، وسجل مؤشر السلع «رويترز – جيفريز سي آر بي» أعلى ارتفاع له في عامين. وفضلاً عن ذلك، بات مستقبل القمح وفول الصويا يوحي بقليل من التفاؤل.

والصورة ذاتها تنطبق على عدد من السلع الزراعية مع اختلاف درجاتها. فقد ارتفعت أسعار القطن لمستويات غير مسبوقة، ناهيك عن الضرر الذي طال موسم الحصاد في الصين والهند، وهما السوقان الرائدان في القطن، ما أدى إلى زيادة واردات الصين وتحجيم صادرات الهند. كما تهدد الظروف المناخية في أمريكا اللاتينية محصول القهوة العالمي، في الوقت الذي انخفضت فيه المخزونات الأمريكية لتصل إلى أدنى مستوياتها في عشر سنوات.

ويؤدي ارتفاع أسعار الحبوب في المقابل إلى وضع الضغوط على قطاعات أخرى، ومن أبرزها الماشية، خصوصاً إذا ما علمنا أن الكثير من أصناف الحبوب تدخل في تصنيع أعلاف للماشية. وهنا يزداد الموقف تعقيداً، خصوصاً مع انخفاض عدد الموظفين نتيجة ارتفاع الأسعار بعد الطفرة التي حدثت في أسعار السلع الخفيفة خلال العامين 2007 و2008. مع تراكم العديد من الضغوط الهيكلية طويلة الأجل في قطاع السلع لبعض الوقت، بات من الواضح أن الضوء الأخير لتضخم أسعار الغذاء سيكون نتيجة الانخفاض المفاجئ وغير المتوقع في المعروض من السلع.

وكان للاضطرابات المتعلقة بالمناخ أهمية خاصة، علماً بأن أكبر بلدين منتجين للحبوب في العالم، وهما روسيا والولايات المتحدة، تضررتا بشكل كبير نتيجة المناخ الحار والجاف على نحو استثنائي، بينما غمرت الأمطار الغزيرة كندا ومناطق شاسعة من أوروبا. وتأثرت المحاصيل البرازيلية هي الأخرى سلباً بفعل الظروف المناخية السيئة، كما تعرض محصول القطن للدمار في الهند وباكستان نتيجة الفيضانات الجائحة خلال الرياح الموسمية.

وتؤكد هذه التطورات على تعرض سلسلة المعروض العالمي لاضطرابات لا تحمد عقباها. ومن المحال حدوث تعافٍ في الأمد القريب، وذلك نتيجة طول دورة النمو التي تستمر في حالة القطن لمدة 18 شهراً. ودفعت القيود المفروضة على الإمدادات الكثير من المشترين إلى اللجوء للتخزين وإجراء عمليات شراء استراتيجية قائمة على التكهنات المتعلقة بحجم الإنتاج المستقبلي، وهو ما ضاعف الضغوط التي تعاني منها الأسواق. ويتمثل الخوف الكبير في ظل هذه الظروف في أن المنتجين الأكثر تضرراً سيتعاملون مع الموقف من خلال فرض القيود على أنشطة التصدير، وقد حدث هذا بالفعل في بعض الدول الرئيسة المنتجة للقمح، ومنها روسيا وأوكرانيا.

ويعتقد أن فيتنام والبرازيل اللتين تنتجان نحو نصف إنتاج القهوة على مستوى العالم، تعتزمان فرض قيود على التصدير. ولا توجد هناك ضمانات أيضاً بأن الاستجابة للطلب في النهاية ستؤدي إلى حدوث انفراجة كبيرة لتلك الأزمة. وفي حقيقة الأمر، يمكن زيادة المساحة المزروعة من الحبوب، غير أن ذلك سيكون على حساب بعض المحاصيل الأخرى، وإنتاج الوقود الحيوي في الكثير من الدول يستفيد من الإعانات المالية الكبيرة. وفي الولايات المتحدة، وضعت خطط لزيادة كمية الإيثانول الذي يمكن خلطه مع البنزين من 10 إلى 15 بالمئة.

في الوقت الذي قد ينظر فيه إلى الاضطرابات في المعروض بأنها مؤقتة، إلا أن تأثيرها قد وصل إلى مستوى الدمار الكبير نتيجة الدوافع الهيكلية التي تدعم الطلب على المنتجات الزراعية. وتبدو سوق السلع الخفيفة مرتبطة الآن بطرق شتى بالاتجاهات السائدة في السلع الأخرى، ومنها زيادة «توظيف المدخرات» مع التقلب الذي يكون مصاحباً لذلك، والنمو السريع للطلب في الأسواق الناشئة. كما زاد اهتمام المستثمرين بالسلع الخفيفة، بدعم السيولة الواعدة وضعف إيرادات الأصول ذات الطابع التقليدي، مثل السندات.

ويبدو أن المحرك الأساسي هو النشاط الذي تتمتع به الاقتصادات الآسيوية الناشئة على وجه الخصوص، حيث يكون الطلب فيها مدعوماً بثنائية النمو السكاني السريع والازدهار الكبير. ويؤدي ذلك في المقابل إلى تحول الشهية، حيث تفسح الحبوب والخضراوات الطريق أمام اللحوم التي عادة ما تستحوذ على الكثير من الموارد على نطاق واسع. وعلى سبيل المثال، نجد أن الصين التي كانت مكتفية ذاتياً من الذرة حتى فترة قريبة، قد تحولت إلى مستورد أساسي لهذه السلعة، ولا يعزى ذلك فقط إلى الاستخدام المتزايد للذرة في تربية الماشية، بل إنه يرتبط أيضاً بتدني الحصاد. وأدى ذلك إلى قيام الولايات المتحدة بلعب دور محوري في هذا الشأن، لاسيما أنها تعد أكبر دولة منتجة للذرة في العالم، وتستأثر بنسبة قدرها 55 بالمئة من صادرات الذرة العالمية.

إن اضطرابات الأسعار المتجددة في سوق السلع الخفيفة تترك اقتصادات دول الخليج تحت تهديد الخطر المباشر. فهذه الدول تستورد بطبيعة الحالة ما بين 70 إلى 100 بالمئة من السلع الغذائية، الأمر الذي يحتمل أن يؤدي إلى تأثير كبير على فاتورة الاستيراد لتلك الدول. وما يزيد الأمر سوءاً، كما حدث في عامي 2007 و2008، أن هذه الدول واجهت خطورة كبيرة في كمية السلع المتوافرة لديها، بعد أن قررت الدول المصدرة الحد من مبيعاتها من هذه المواد. وكما حدث خلال طفرة السلع الماضية، فإن ذلك ينذر حتماً بحدوث اضطرابات تضخمية إضافية في المستقبل، حينما ستستعر تقلبات الأسعار في كل أنحاء المنطقة. وعلاوة على ذلك، سيكون لدى صناع السياسة النقدية الإقليمية القليل من الأدوات للتعامل مع هذا الموقف، ليس فقط نتيجة ربط هذه الدول عملتها بالدولار وأسعار الفائدة المخفضة التي تتطلبها، لكن نتيجة عدم فعالية سياسة التشديد النقدي في مواجهة اضطراب المعروض.

الرؤية 26 يناير 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*