عن ثورة الجياع..ومليارات العرب!

خالد وليد محمود

تشكل الأزمات الاقتصادية مصدراً حقيقياً للتوتّر السياسي والحروب.
ولأنها كذلك تبدو المرحلة المقبلة عالمياً مشحونة بكلّ عوامل الاضطراب السياسي، سيما إذ ما أخذنا بعين الاعتبار أن خارطة الجوع في العالم نتيجة أزمة الغذاء تتسع اليوم لأكثر من 36 دولة، معظمها في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، وأن خفض عدد الجياع لن يكون مهمّة سهلة في المدى القريب إذا ما أخذ بعين الاعتبار ازدياد الأزمة سوءاً بالنسبة للدول الفقيرة بسبب ترجيحات منظمة الفاو بتراجع مخزونات العالم من الحبوب إلى أدنى مستوى له منذ 25 سنة.
المجاعات التي عرفها العالم خلال فترات محددة تتمثل في نقص الغذاء، إما بسبب الحروب أو الكوارث الطبيعية، لكن خصوصية الأزمة التي تعاني منها بعض البلدان اليوم خاصة العربية ممثلة بتوفر الغذاء ولكن بأسعار لا يقدر على دفعها عدد كبير من الناس. وربما هذا ما دفع الناطقة باسم برنامج الغذاء العالمي في جنيف كريستيان بيرتيوم إلى القول :”إن المجاعة اليوم اتخذت وجها آخر”.
لا شك أن الأزمة الناجمة عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والتي قادت إلى اندلاع انتفاضات الجوع في العديد من الدول العربية بدأت تثير القلق؛ فأزمة الغذاء الراهنة لم تكن بالأمر اليسير الذي يمر مرور الكرام، فقد خرجت العديد من الشعوب منددة بارتفاع الأسعار ولم تطالب إلا بأبسط حقوقها وهو الحق في الغذاء.
البداية في تونس ثم انتقلت إلى الجزائر ولاشك أنها قادمة إلى دول عربية أخرى .. إنها مظاهرات الجوع وانتفاضات العاطلين التي انطلقت للتعبير عن احتجاج قطاعات من الشعب العربي ضد الاستغلال والنهب والفساد و…رغيف الخبز!
هذه الاحتجاجات الشعبية، والتي تضم في الغالبية العظمى، الشباب العاطلين عن العمل، من سن 15 إلى 24 ، تؤشر إلى فشل خطط التنمية والتشغيل ، وفشل وصفة البنك الدولي التي اعتمدتها هذه الدول، وتؤشر أيضا، إلى أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية محكومة بالفشل، ما دامت تقوم على تغييب القوى السياسية والإصلاح.
تقرير صادر عن الأمم المتحدة يتوقع أن الأسوأ لم يأت بعد وأن هذا مجرد جرس إنذار دقه الجائعون لتنبيه حكوماتهم. فالمطروح من الغذاء قليل إضافة إلى ارتفاع ثمنه. علماً أنه يموت ألف إنسان من الجوع في كل ساعة، وقرع الأجراس لم يتوقف منذ زمن طويل، كي يتنبه العالم إلى هذه الكارثة وما ينجم عنها من أعاصير قد تعصف باستقراره المزعوم!
المعطيات تقول إنه يقدّر عدد الأشخاص في العالم العربي الذين يعيشون بأقلّ من دولار واحد في اليوم بـ8 ملايين شخص، وإجمالي الذين يعانون سوء التغذية بـ43 مليون شخص، كما أن الأطفال الذين هم دون الخامسة الذين يموتون سنوياً من سوء التغذية هم مليون طفل، والمحرومون من فرص الحصول على مصادر مياه صحّيّة 42 مليوناً، والمحرومون من خدمات صرف صحّي 52 مليوناً.
برنامج الغذاء العالمي يعتبر أن الهمّ الأكبر لديه هو أولئك الأشخاص الذين يعيشون على مصروف يومي يبلغ 50 سنتا فقط، ولا مصدر آخر لديهم يسدون به رمقهم.
لذا فإن أول من سيعاني من هذه الأزمة ، هم أشد الناس فقراً على وجه المعمورة، هم أولئك الذي يعيش أغلبهم في البلدان النامية “العالم الثالث”.
إن أعمال الشغب التي نتابعها اليوم إنما تزيد من شدة مخاوف عدم الاستقرار السياسي، الذي لن يؤدي في الغالب إلى تفاقم الوضع في ظل نظام عالمي يسيطر فيه 20% من السكان على أكثر من 80% من المصادر الغذائية الرئيسية!
أو بعبارة أخرى يمتلك أغنى 200 شخص في العالم ثروة تقدر بدخل %40 من سكان العالم الذي لا يزال فيه 850 مليون شخص يأوون إلى مضاجعهم كل ليلة وهم جوعى.
وتعتبر هذه الأوضاع واحدة من أسوأ الانتهاكات لكرامة الإنسان بحسب وصف كوفي أنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة…و هذا يعني أيضاً أنه لن تكون هناك عدالة وأمن حيث يكون الجوع سائداً، لأن تحقيق عالم عادل وآمن لن يكون ممكناً إلا إذا تمكّن كل رجل أو امرأة أو طفل أو طفلة من العيش بكرامة من دون حيرة حول كيفية تأمين لقمة العيش!
لذا لا مناص أمام الدول العربية خاصة تلك التي تشهد احتجاجات شعبية، في ظل ارتفاع معدلات البطالة والفقر والأسعار، إلا إحداث ثورة ثقافية، تقوم على تحقيق العدالة الاجتماعية لأن غيابها هو الذي فجر الاحتجاجات في مصر وتونس والجزائر والمغرب واليمن…الخ ، وغياب العدالة الاجتماعية هو السبب الحقيقي لكافة الثورات في العالم، فغياب العدالة الاجتماعية، سيبقى السبب الرئيس في حالة الاحتقان والتوتر الاجتماعي ، وارتفاع وتيرة العنف ، وأرقام الجريمة، واهتزاز النسيج الاجتماعي، وغياب الأمن والاستقرار.
إن المهمشين في الوطن العربي يشكلون كتلة اجتماعية خطيرة، وبالتالي فإن غياب الديمقراطية السياسية والحرمان من ديمقراطية فرص العمل وكرامة رغيف الخبز من الطبيعي أن تتفجر أزمات مناطقية أو طائفية أو ينمو التطرف ويزدهر..
باختصار شديد، إن أنصاف الحلول، أو ما تسمى سياسة الترقيع ، لم تعد مجدية، فلا بديل أمام الأنظمة العربية عن الديمقراطية الحقيقية وإحداث التفافة واضحة بإرادة قوية نحو السياسات الإصلاحية والخطط التنموية ودون ذلك ستشتعل النار بالهشيم!

فلسطين أون لاين 20 يناير 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*