الجوع ‮.. ‬قادم

إيمان الجندي

حال الزراعة في مصر لا يسر عدواً ولا حبيباً.. يكفي أن نعلم أن فاتورة استيراد الغذاء بلغت 17 مليار جنيه.. ويكفي أن نعلم أنه تم تجريف 70 ألف فدان سنوياً وفقاً لأحدث تقارير مركز الأرض لحقوق الإنسان..
ناهيك عن تحذيرات منظمة الفاو من استمرار ارتفاع أسعار الغذاء خلال العقد القادم، مع ما تشهده السنوات القادمة من موجات من الحر وندرة المياه وارتفاع منسوبها في بعض المناطق دون غيرها.
المشكلة الحقيقية أن الارتفاع الجنوني الذي طال مختلف المحاصيل الزراعية والغذائية، خصوصاً الخضراوات والفواكه والقمح والأرز والسكر، جاء نتيجة طبيعية للتغيرات المناخية التي تجتاح العالم، مما جعل مصر وغيرها من الدول النامية – كما يؤكد الخبراء والمسئولون – تواجه تحديات عديدة بعد التخلي عن تنمية قطاع الزراعة كما وكيفاً بما يناسب الزيادة السكانية المطردة، وكل هذا جعلنا نستورد الغذاء بين حين وآخر وآخرها استيراد القمح من روسيا والأزمة التي صاحبت ذلك ثم انفراجها بعدها.
التغير المناخي إذن أصبح حقيقة واقعة لابد أن نهنيء أنفسنا للتعامل معها، فهل استعدت مراكز البحوث الزراعية وكليات الزراعة لاستخدام سلاسات وأصناف جديدة قادرة علي مواجهة هذا التغير المناخي.. أم أننا مازلنا في البدايات الأولي التي تتوقف عند التفكير فقط في استنباط أصناف جديدة.. هل يقع لوبي المستوردين حجر عثرة أمام إنتاج وتسجيل الأصناف والسلالات الجديدة.. وكيف يمكن الخروج من المأزق الزراعي الراهن؟!
أهمية الزراعة تكمن في توفير الغذاء الضروري والذي يحقق الأمن الغذائي دون الوصول لشريطة الاكتفاء الذاتي، وبالأخص من خلال توفير حد معين من سلع الحبوب مثل القمح والذرة والشعير، ومن البقول مثل العدس والفول وكذلك السكر والزيوت، وهذا – كما قال الخبراء – يعظم دور السياسة الزراعية للعمل علي زيادة إنتاجية تلك المحاصيل، ولكن مع عدم إهمال باقي أهداف القطاع الزراعي مثل السلع الصناعية والواردات الزراعية وغيرها.
وحسب الدراسات، فإن الزراعة في مصر ترتكز علي محاصيل من حيث المساحة هي 1.5 مليون فدان للقمح و1.5 مليون فدان للقطن و2 مليون للبرسيم، وكذلك 2 مليون للذرة ومليون ونصف المليون للأرز، وبمرور الوقت ووفقاً للاحتياجات والزيادة السكانية وعوامل أخري متنوعة، وبالتحديد منذ التسعينيات تبدل الترتيب لتصبح مساحة القمح 2.4 مليون فدان والبرسيم حوالي 2.3 مليون و1.9 للذرة و1.5 للأرز ثم 0.6 مليون فدان للقطن.

زيادات.. ولكن
يذكر أن حجم المساحة المزروعة، ارتفع من نحو 5 ملايين و605 آلاف فدان عام 1961 إلي 8 ملايين و432 ألف فدان عام 2008، أي بنسبة زيادة بلغت 50.4٪ خلال 47 عاماً، لكنها في الأساس لا تتعدي الـ1٪ كنسبة زيادة سنوياً في مقابل زيادة عدد السكان من 26 مليون نسمة عام 1960 إلي نحو 72.8 مليون نسمة، وفقاً لتعداد 2006، وبنسبة زيادة تقدر بنحو 179٪ عام 1960، مما يوضح انخفاض نصيب الفرد من المساحة المزروعة من 0.214 فدان عام 1961 إلي نحو 0.115 فدان، وبالتالي انخفاض معدل الاكتفاء الذاتي لأهم المنتجات الزراعية، كالقمح والذرة الشامية والأرز والفول والعدس، وفقاً لنشرة شهر مارس الماضي، للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مما ترتب عليه زيادة الواردات الزراعية.
ولأن الأمن الزراعي يعتمد علي توفير أكبر قدر ممكن من السلع الغذائية الزراعية، وأولها القمح والذرة الشامية والعدس لأهميتها الشعبية قبل السكر والزيوت، فمن غير المقبول تدني معدل الاكتفاء الذاتي منها اليوم، والذي بلغ 55٪ للقمح و59٪ للذرة الشامية و29٪ للفول وحوالي 2٪ للعدس و30٪ للسكر و90٪ للزيوت، هذا بخلاف التدهور الذي حدث في مساحة وإنتاج محصول القطن وتأثر صادراته بسبب أخطاء السياسات الزراعية لحكومات الحزب الوطني للدرجة التي تجعلنا نقترب من استيراده، مثل غيره من السلع الاستراتيجية.

تعديل التركيب المحصولي
التغيرات المناخية والزيادة السكانية والسياسات الزراعية الفاشلة والأسعار الجنونية، كلها عوامل تدفع إلي ضرورة أن يكون هناك تعديل للتركيب المحصولي وعدم تركه لأهواء المزارعين وأصحاب المصالح من رجال المال والأعمال المستوردين.
ومحصول القمح يشكل الآن ما يقرب من الـ3 ملايين فدان، ومفترض وصولها إلي 3.5٪ مليون فدان سنوياً، يليه محصول الذرة الشامية والمزروع منه حوالي 2 مليون فدان، والمطلوب زراعة 3 ملايين فدان، وهو ما يؤدي لتخفيف فجوة محاصيل الحبوب، خاصة أنه محصول يتساوي مع القمح في أهميته الغذائية للكثير من المواطنين، أما الذرة الرفيعة فيجب زيادة مساحتها المزروعة من 300 ألف فدان إلي 500 ألف فدان، وأيضاً الشعير، وهو من أهم محاصيل الحبوب لكونه مصدراً للخبز الرئيسي في مناطق الساحل الشمالي الغربي وسيناء، وفي بعض المدن لإمكانية خلطه بالحبوب الأخري كالذرة والقمح، حيث يزرع في 110 آلاف فدان من الممكن أن تصل إلي مليون فدان سنوياً علي مياه الأمطار في المناطق الساحلية، وهناك أيضاً الأرز والذي يعد من أكبر المحاصيل واستهلاكاً لمياه الري، والذي يزرع في متوسط مساحة تبلغ 1.67 مليون فدان سنوياً، ومقترح الوصول به إلي نحو مليون فدان فقط، ليأتي بعد ذلك المحصول الشعبي »الفول«، والذي انخفضت المساحة المزروعة منه لنحو 215 ألف فدان سنوياً، مما أدي لزيادة وإرادته وارتفاع أسعاره، والمقترح زيادة المساحة المزروعة منه لنحو 500 ألف فدان سنوياً قابلة للزيادة، كذلك العدس وهو بالضبط مثل الفول بالنسبة لجموع المواطنين والذي يزرع في مساحة لا تتعدي الـ1500 فدان سنوياً، مقترن وصولها لنحو 500 ألف فدان، نفس الوضع لمحصول قصب السكر، والذي يفترض تقليل المساحة المزروعة منه من نحو 325 ألف فدان إلي 150 ألف فدان سنوياً، والعمل علي إحلال بنجر السكر محله مما يتطلب التوسع في إنشاء مصانع للسكر من البنجر.

أصناف جديدة
لأن الزيادة في الثروة الحيوانية تتطلب النهوض بإنتاجية محاصيل الأعلاف، فقد تم استنباط صنفين من البرسيم البلدي، هما خضراوي وفحل وتحديد بعض السلالات القادرة علي تثبيت الأوزون الجوي من البرسيم المصري والبرسم الحجازي، كما تم اختيار أكثر من 50 سلالة من الذرة الرفيعة العقيمة أي الذكر.

إنتاج وفير
أما البقوليات فقد تم استنباط وتسجيل أصناف جديدة عالية الإنتاج، وذات صفات اقتصادية مهمة مثل جيزة محسن وسخا -1، وهي مقاومة للتبقع البني بالوجه البحري، وكذلك الصنف “نوبارية – 1” والذي يوجد بالأراضي الجديدة بمنطقة النوبارية.. أما الصنفان “جيزة 843” و”مصر – 1″، فهما مقاومان للهالسول، والصنفان “جيزة -2″ و”جيزة -4” يصلحان لأراضي مصر الوسطي والعليا، وكذلك “سخا – 1″ و”جيزة -2″ و”جيزة -4” لتبكيرها في النضج، وصلاحية زراعتها في دورة القطن، كما استنبطت الأصناف “جيزة -111 و35 و22 و83” المقاومة لدودة القطن.

كما تم تسجيل 3 أصناف جديدة من العدس “جيزة -4″ و”جيزة -51″ و”سيناء -1” وهي تتفوق علي “جيزة -9” القديم، من حيث المحصول لأنها تقاوم مرض عفن الجذري والذبول.

نوعية البذور
بالنسبة لتكنولوجيا البذور، فقد تم تحديد البصمة الوراثية من خلال الخطة الخمسية الرابعة لجميع أصناف المحاصيل الحقلية المستنبطة بواسطة معهد بحوث المحاصيل الحقلية، ومنها 9 أصناف قمح “جيزة-1” وصنف قمح مكرونة، وصنف سمسم، و5 أصناف فول بلدي و3 أصناف فول سوداني وصنفان ذرة رفيعة و11 تركيباً وراثياً من الشعير، لذا يعتبر تغيير التركيب المحصولي وتعديله ضرورة قومية وأمنية خاصة بعد نجاح مراكز البحوث في رفع مستويات الاستعداد للتغييرات المناخية والاحتياجات المحلية، ولكن لايزال البعض يفتقد أن الدور يقتصر فقط علي إعداد سياسة زراعية والرعاية لها، اعتماداً علي أن 95٪ من القطاع الزراعي هو قطاع خاص، ودون التفكير في أن الزراعة صمام الأمان للغذاء، وأن الأمن الغذائي هو الأمن القومي للوطن، وأن من لا يملك قوته لا يملك قراره ولا سيادته، وإنما يملكها من يصدر لهم هذا الغذاء، حيث يملك حق المنع وحق العطاء، ولأن الدولة جعلت نفسها مسئولة عن وضع السياسات الزراعية خاصة السعرية منها، فقد حدث الفشل للقطاع الزراعي الذي لا يستطيع مواجهة أي تغييرات عالمية وطبيعية ومناخية، وأصبحنا أمام مسلسل مستمر من انخفاض الإنتاج الزراعي، مقابل زيادة في الواردات ونقص في الصادرات الزراعية، ومن ثم عجز في الميزان التجاري الزراعي وارتفاع جنوني في أسعار السلع الغذائية، وما ينجم عن هذه الارتفاعات من آثار سلبية ونتائج اقتصادية واجتماعية وسياسية.
والغريب أن خبراء الزراعة والبحوث يؤكدون قدرتنا علي استحداث الأصناف والسلالات ذات الإنتاجية العالية والمواجهة لتحديات المناخ، ولكن التمويل والتطبيق ومصالح المستوردين تقف أمام تحقيق الحلم.

الوفد المصرية 15 ديسمبر 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*