شبح الجوع يُهدِّد سكان العالم حاضرا ومستقبلا

توم بورجيس

كان الوقت قريبا شهر أيار (مايو) من العام الماضي حينما بدأت ألوان الأطفال في السهول الجنوبية الغربية لجمهورية إفريقيا الوسطى تتغير.
قالت بعض الأمهات في هذه الزاوية النائية من بلد منسي: إن سبب وجود البقع الحمراء والبيضاء على أجساد أولادهن هو السمك الصغير الذي يكمل نظامهم الغذائي الضعيف، وشككت الأخريات بوجود لعنة. ولم يكن أي من التفسيرين بعيدا للغاية عما قيل. وحينما انتقل الأطباء من قرية صغيرة إلى أخرى مبنية من طوب الطين، قاموا بتشخيص انتشار خطير لبلاء قديم: الجوع.
أسهم حدوث انهيار في الطلب الأجنبي على الخشب والألماس، الدعائم الأساسية للاقتصاد المحلي، في نقل المنطقة من مستوى الفقر، إلى الفقر المدقع، وحرم الأسر من وسائل إعالة أنفسها. وفي المناطق المتأثرة على نحو أسوأ، كان يعاني طفل واحد من بين كل خمسة أطفال سوء تغذية حادا أدى إلى انتفاخ بطونهم، وذبول أطرافهم، وتلطيخ بشرتهم.
بحلول الوقت الذي ارتفع فيه مستوى الخطر، انضمت أعداد لا تحصى من الأطفال إلى الرقم المقدر بنحو 3.5 مليون طفل عبر أرجاء العالم ممن يموتون سنويا لأسباب تتعلق بسوء التغذية – رقم يتجاوز عدد الأطفال الذين يولدون سنويا في المملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا. وفي أكثر العصور ثراءً التي عرفتها الإنسانية، تظهر أرقام الأمم المتحدة أن قرابة مليار شخص يعانون الجوع.
يقول جان – ميشل جراند، المدير التنفيذي للمؤسسة الخيرية التي تدعمها ”فاينانشال تايمز” في موسم النداء لهذا العام، ”أكشن أجينست هانجر/ أيه سي إف إنترناشيونال” Action Against Hunger/ACF International: ”إطعام عدد متنامٍ من السكان كان يمثل تحديا للبشرية منذ قرون. وفي أيامنا هذه، لدينا المعارف، والتكنولوجيا، والمهارات لإطعام الجميع. وعلى أية حال، فإن الحصول على الغذاء والموارد اللازمة لزراعة الأغذية يبقى مصدرا من مصادر عدم المساواة التي تؤدي إلى التوترات والصراعات”.
أثناء عملها في أكثر من 40 دولة، من جواتيمالا إلى جورجيا، تساعد مؤسسة أيه سي إف في المعالجة الطارئة، حيث ينتشر سوء التغذية. وتسعى برامجها الأطول أجلا إلى معالجة الأسباب الأساسية للجوع، بتحسين الأساليب الزراعية، وتوفير المياه النظيفة، وتزويد أولئك المعرضين إلى خطر الموت جوعا بأساليب تمكنهم من الحصول على سبل العيش.
من حين إلى آخر، تستولي مشكلة الجوع على العالم. واجتذبت الفيضانات التي حدثت هذا العام في باكستان، والهزة الأرضية في هايتي، ردودا هائلة. وهزت أعمال الشغب ذات الصلة بالغذاء عددا من البلدان، من المكسيك إلى الكاميرون، بعد أن ارتفعت الأسعار بشكل صاروخي عام 2007. وانبعثت القلاقل بشكل مهلك في موزامبيق خلال أيلول (سبتمبر) من هذا العام. ويقول ألكسندر مولر، مساعد المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة: ”يمكن أن يكون صوت الجوع عاليا، وفي بعض الأحيان قد يكون الجوع عنيفا”.
على الرغم من ذلك، قد لا يسمع أحد عن الجوع في أغلب الأحيان. وحتى حينما تتوقع الأمم المتحدة أنه ينبغي أن يزداد إنتاج الغذاء العالمي بنحو 70 في المائة لإطعام السكان الذين يتوقع أن يصل عددهم إلى تسعة مليارات نسمة بحلول عام 2050، فإن إنفاق المساعدات على الزراعة انخفض إلى أكثر من النصف بالأسعار الفعلية خلال الأعوام العشرين الماضية. وتنفق الحكومات في إفريقيا، حيث شخص واحد من كل ثلاثة أشخاص لا يتلقى الغذاء الكافي، ما متوسطه 4.5 في المائة فقط من ميزانياتها على قطاع الزراعة. وبإمكان المنظمات الإنسانية أن تمد يد العون إلى جزء بسيط فقط من الجياع في العالم.
فوق كل شيء، فإن مهمة ”أيه سي إف” هي المحافظة على الحياة. وتأتي النساء، والأطفال، الأكثر ضعفا في العادة، في المقام الأول. وبالنسبة للأطفال، فإن للوقت معنى أساسيا. وبعد مرور ألف يوم، بين الولادة ووصول الطفل إلى سن الثانية، فإن الآثار العقلية والجسدية لقلة التغذية تصبح دائمة.
تبلغ كريستيلا نيامكوي بلايسي الثالثة من العمر، ولكن يبلغ وزنها أكثر بقليل من طفل حديث الولادة. وفي المستشفى رث المظهر، وقليل الإضاءة في نهاية طريق أحمر قذر في نولا، المدينة المتداعية التي تقع في أعلى قوس الجوع الذي يمر خلال المنطقة الجنوبية الغربية لجمهورية إفريقيا الوسطى، تبدو كريستيلا مجرد عينين لا يسبر غورهما تبحلقان من إطار هيكلي، كما أنها ضعيفة للغاية لتضيف إلى الأصوات المتألمة التي تصدر من جناح الأطفال المزدحم.
جاءت منظمات الإغاثة وذهبت من نولا خلال الأشهر الـ 18 منذ أن ضربت أزمة سوء التغذية، يعيقها النقص في التمويل. وتبدأ أعراض سوء التغذية حينما يبدأ الجسم، لدى حرمانه من الغذاء والفيتامينات، باستهلاك أنسجته الخاصة. ولم يتم بعد كسر دائرة الجوع. وفي الشهر الماضي، وصل فريق من ”أيه سي إف” لدعم جهود الكادر الطبي المحلي الذي غمره التدفق الثابت من الأطفال شبه المشردين.
مثل أولئك الذين يسعون إلى المساعدة، فإن للمشاريع الخيرية وجودا كفافيا، لا يكاد يفي بحاجات العيش الضرورية. وتطلب الأمر برنامجا مدعوما عبر فرنسا لجمع مبلغ 250 ألف يورو (340 ألف دولار) اللازم لتمديد برنامج نولا إلى العام المقبل.
على أية حال، يكمن خلف إلحاح كل أزمة غذاء هدف آخر: منع الأزمة التالية. وتحصل ”أيه سي إف” على الجانب الأكبر من تمويلها من حكومات أوروبية وأمريكية شمالية، فضلا عن الوكالات التابعة للأمم المتحدة. غير أن المانحين العامين يشدون الأحزمة على البطون، وتسعى المؤسسة الخيرية إلى زيادة نسبة ميزانيتها التي تأتي من القطاع الخاص إلى 35 في المائة، من النسبة الحالية البالغة 25 في المائة.
تتيح مثل هذه الأموال للمؤسسة إطلاق مشاريع طويلة الأجل تهدف في النهاية إلى جعل وجودها غير ضروري. وحين يشرب كل مواطن هايتي يسكن الأحياء القذرة مياها نظيفة، ويحصل كل مزارع في الكونغو على مزايا التخلص من الأعشاب الضارة، تتراجع مخاطر النوبة التالية من الجوع.
تطورت الاستراتيجية منذ عام 1979 حين تم تشكيل المؤسسة الخيرية خلال فترة ساخنة من الطوارئ. وحين تدفقت القوات السوفياتية إلى أفغانستان، ودفعت بملايين اللاجئين إلى الحدود نحو باكستان، قررت مجموعة من المفكرين الفرنسيين العمل. وقال في ذلك الوقت فرانسوا جيرود، وهو كاتب، وسياسي، والعضو المؤسس لما أصبح يسمى العمل لمحاربة الجوع Action Contre la Faim: ”ما زال الأمر برمته مجرد مناقشة الجوع والبؤس في العالم من كراسينا المريحة. وسيكون الأمر أكثر فعالية بكثير لو أننا فعلنا شيئا حياله في واقع الأمر”.
حين نمت المؤسسة الخيرية، أحدثت الحروب المزيد من الجوع، من العراق إلى سيراليون. وضربت الأعاصير بورما، واستهلكت الصحراء الأراضي الزراعية التشادية. ونمت ميزانية ”أيه سي إف” من مبلغ يعادل 1.2 مليون يورو في عام 1984، إلى 132 مليون يورو في العام الماضي. وفضلا عن السيولة والخبرة، اقتضى الأمر توافر الشجاعة في عام 2006 حين قتل 17 شخصا من كادرها في سريلانكا.
على مر السنوات، تحدى المفكرون مثل أمارتيا سن، الاقتصادي الحائز جائزة نوبل، الأفكار البسيطة للجوع، ووثقوا المجاعات حتى في الأماكن التي يتوافر فيها الغذاء بكثرة. وتعطي أعمال الشغب المتعلقة بالغذاء الأخيرة الدرس ذاته: أن الأسواق، مثل المحاصيل إلى حد كبير، هي التي تحدد من يأكل.
أدرك صانعو السياسة أن توفير وسائل الحصول على سبل العيش – أو حينما يكون لازما، توفير السيولة – مهم على أقل تقدير للأمن الغذائي، مثل الإنتاج. وعبر خط الاستواء من نولا في شرق الكونغو التي تمزقها الحرب، يتلقى مصففو الشعر، والخياطون الذين فقدوا كل شيء حينما أجبروا على الخروج من بيوتهم، مشابك الشعر، وآلات الخياطة من مؤسسة ”أيه سي إف”، لكي يعيلوا أنفسهم على نحو أفضل.
في غضون ذلك، فإن ملء البطون يصبح أكثر كلفة. وتضاعفت أسعار المواد الغذائية منذ عام 2002 وفقا لمنظمة الأغذية والزراعة، وتضخمت أعداد الأشخاص الذين يحصلون على القليل من التغذية بنسبة تقدر بنحو 10 في المائة. ويسهم الاندفاع إلى منع الصادرات، أو ضبط الأسعار، بتشويه سوق الغذاء العالمية التي عانت من الخلل فعليا.
انخفض سعر بعض السلع من مستوياتها القياسية في عام 2008 – حتى لو بقي العديد منها أعلى بكثير من اتجاهاتها طويلة الأجل – غير أن الانكماش الذي أسهم في انخفاض أسعارها قضى كذلك على الدخول في البلدان الفقيرة التي تعتمد بقوة على تصدير الموارد.
أحدث الهبوط العالمي صدمة عنيفة لأجولي دانيال بلايسي، والد كريستيلا الصغيرة، ليس مرة واحدة وإنما مرتين. فقد تفادى جنوب غرب جمهورية إفريقيا الوسطى الصراع الذي ابتلى باقي البلاد. ولكن في أرض تقع عند أسفل درجات المستويات المعيشية، فإن السقوط من مجرد البقاء إلى الفقر المدقع سريع للغاية. وحين ضرب الانكماش قام الزبائن الأوروبيون بتخفيض طلباتهم على الخشب، وكان بلايسي من بين الآلاف الذين تم تسريحهم في العام الماضي حينما أوقفت المصانع عمليات نشر وترزيم الأغصان الكبيرة من غابات المنطقة الوفيرة.
حين لم يعد يتمكن من إعالة كريستيلا وأشقائها الثلاثة، تحول بلايسي إلى البحث عن الألماس في الأنهار، وهي صناعة غير رسمية تقدم الدعم لنحو خُمس سكان البلاد البالغ عددهم 4.4 مليون نسمة. وحتى لو كان قادرا على الحصول على الأدوات التي تمنحه فرصة الحظ، انهار الطلب على هذه الأحجار وسط الأزمة المالية. ويقول: ”حينما كنت أعمل، كانت العائلة تأكل جيدا. كنا نأكل كل شيء – اللحم والأرز. وكانت الحالة جيدة”.
غير أن الأوقات الجيدة كانت قصيرة. وفي هذه الأيام فإن نبات الكاسافا، السلعة الرئيسة اللطيفة، هي أفضل ما يمكن الحصول عليه، إضافة إلى حفنة من الأوراق ودودة اليسروع في بعض الأحيان. وتراجع بلايسي ليحمل ملعقة بدت كبيرة للغاية لفم ابنته الصغير، ويلاطفها لتأخذ رشفات من الحليب المعزز.
أحدثت منتجات الأغذية المتخصصة – وتحديدا أكياس معجون زبدة الفستق الغنية بالمواد الغذائية – ثورة في معالجة سوء التغذية خلال السنوات الأخيرة، وأتاحت لمؤسسات مثل ”أيه سي إف” الوصول إلى الملايين الذين ليس بإمكانهم الوصول إلى المستشفيات. وتتجاوز معدلات البقاء في الغالب نسبة 90 في المائة – ولكن من بين كل 100 طفل في حاجة إلى العلاج، فإن ثلاثة فقط يتلقونه.
كان النمو في معدل الجوع أقل سرعة من النمو في معدل السكان، حسبما يشير البعض: الدليل في النجاح في إطعام المزيد من الأفواه. ومع ذلك يتفق معظمهم على أن الآفاق غير مؤكدة في الحد الأقصى. ويقول مولر من منظمة الأغذية والزراعة، وهو يشير إلى الرقم الرسمي لهذا العام: ”لدينا نحو 925 مليون شخص يعانون الجوع. وحول الزاوية لدينا التغير المناخي، أحوال الطقس القصوى، وندرة المياه، وندرة الموارد. غير أن الجوع هو أكبر تحدٍ نواجهه”.
لأجل هذا كله، فإن اليأس ليس خيارا – على أقل تقدير، ليس لبروسبر مبانج، رئيس التمريض في وحدة سوء التغذية في مستشفى نولا. ومضت ثلاث سنوات منذ أن تلقى راتبا. وتوشك عائلته على الغرق إلى حد الكفاف، وتجمع المحصول من أرض صغيرة. ولكنه يرفض رغم ذلك التخلي عن كريستيلا وباقي مسؤولياته إزاء الضعفاء.
يقول مبانج أثناء قيامه بجولاته، بتعبير لطيف لرجل يجعل المعالجة وظيفته شخصيا: ”هناك أشياء كثيرة لا نملكها. ولكن شيئا فشيئا، سنقف على أقدامنا مرة أخرى”.

الاقتصادية 5 ديسمبر 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*