قنبلة التكنولوجيا “الخضراء” تقتل، لا تُطعم


انتهت جميع المحاولات الدولية لتوقيع اتفاقات حول تجارة المواد الزراعية الى الفشل، ببساطة لأن الدول الغربية تمسكت بسياساتها لدعم فلاحيها الأغنياء على حساب ملايين الفلاحين الفقراء في الدول النامية.
ولم يقتصر الأمر على دعم المنتجات الزراعية للفلاحين الأغنياء، إذ أضافت الدول الغربية الى قدراتهم الانتاجية وسائل بيولوجية توفر لهم انتاجا أكثر وفرة. الأمر الذي يجعل فلاحي الدول الفقيرة في وضع تنافسي ميئوس منه.
ويرى السيد كلود بورغينيون المختص في الفلاحة البيو- دينامية أنه قد حان الوقت للقطع مع الفلاحة الموجّهة والموظّفة لصالح فلاحة أكثر ديمقراطية وعلمية.
فللتخلّص من العقلية السائدة لابدّ من تغيير موقف كلّ الفاعلين بدءا من المزارعين وصولا إلى قطاع الصناعة الغذائيّة. قائلا إنّ تلوّث الموادّ الغذائيّة وبروز مرض جنون البقر وتفشّي ظاهرة السمنة الناتج عن التغذية الصناعية، كلّها تدفعنا إلى التفكير في مقاربات أخرى لفلاحة غير موجّهة ولا تهدف فقط لزيادة الإنتاج والإنتاجية.
لا تحتوي سياسات دعم الإنتاج الفلاحي فقط على عناصر إيجابية لحساب الفلاحين الأغنياء، بل هي تؤدّي في الواقع إلى نتائج خطيرة ومضرّة لعلّ أهمّها:
تراجع نسبة سكّان الريف وتعميق أزمة البطالة. فعلى سبيل المثال أدّت السياسة الفلاحيّة للسوق الأوروبية المشتركة إلى القضاء على 200 ألف مزارع وإحالتهم على البطالة والتهميش. نفس الشيء يمكن قوله بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية.
استحالة وجود فلاحة في البلدان الصناعية دون دعم حكومي وهذا ناتج عن فوائض الإنتاج الذي أدّى إلى تراجع مهول في الأسعار.
تدهور مذاق المواد الفلاحيّة: فهذه المواد بدأت تفقد طعمها (نباتا كانت أم لحوما) وذلك ناتج دعم النوعيات الأكثر إنتاجية واندثار ما يقارب من 90 % من نوعيات الغلال والخضر و40 % من أنواع الأبقار والأغنام والماعز و90 % من نوعيات الخنزير. أصبحت التغذية في البلدان الغربية واحدة وفقيرة وتتسبب في ظاهرة السمنة.
التدهور الفظيع والمريع للبيئة الفلاحيّة وذلك باندثار أنواع من الأعشاب والحيوانات البريّة. فبلدان كهولاندا وبلجيكيا وإنجلترا فقدت 60% من نوعيات نباتاتها.
لا يمثّل دعم الفلاحة وتوجيهها الحلّ الأمثل. فزراعة العنب في أوروبا لا تحظى بهذا الدعم وهي في حالة جيّدة وتطوّر وتنوّع منتوجاتها. تجربة بلدان Cairns (تضم 19 بلدا: البرازيل والارجنتين واستراليا وبوليفيا وجنوب افريقيا وباكستان وماليزيا وتايلند وغواتيمالا وكوستاريكا وكندا وتشيلي وكولومبيا واوروغواي وباراغواي وبيرو ونيوزيلند واندونيسيا والفلبين) وزراعة العنب في أوروبا خير مثال ودليل على ذلك. ففي بلدان ال Cairns أدّى التخلّي عن الدعم الحكومي للإنتاج الفلاحي إلى مراجعة الفلاحين لاختياراتهم التقنية والتخفيض من استعمال الأسمدة والمبيدات وبالتالي تكاليف الإنتاج. وقد دفع ذلك الصناعات الغذائيّة للتأقلم مع الوضع الجديد. في أوروبا استعيض عن الدعم لزراعة العنب بدعم آخر يهدف إلى تحسين النوعية والجودة وكان لذلك الإجراء أثرا إيجابيا واضحا.
الخطأ الذي وقع فيه رجال الاقتصاد هو في إدماج الفلاحة في القطاع الأوّل كالصيد البحري والمناجم وبذلك استعيض عن المُزَارِعِ الذي يدير ضيعته ويسيّرها بالمستثمر الفلاحيّ الذي يستغلّ الأرض وقد أذّى ذلك إلى تدهور حالة التربة. فالغرب يخسر سنويّا 40 طنّا من التربة في الهكتار الواحد أي ما يقابله بالعملة ب 30 أورو في الهكتار. لقد خسرت المساحات الزراعيّة 90% من نشاطها البيولوجي. في الغرب هناك ثلاث مدارس اقتصادية تتنافس لفرض وجهات نظرها حول قطاع الفلاحة وهي:
المدرسة النيوليبرالية: في أوروبا تدعو هذه المدرسة إلى التخلّي عن دعم الفلاحة وتوفير هذا المال لدعم التكنولوجيا المتقدّمة وذلك لضمان القدرة التنافسيّة، بينما يعتبر السياسيون في الولايات المتحدة الأميركية الفلاحة “قنبلة خضراء” يمكن اللجوء إليها لتهديد البلدان المورّدة للمواد الفلاحيّة كبلدان الخليج ولذلك فهي تدمج الفلاحة في القطاع الأوّل.
المدرسة الطبيعيّة الألمانيّة: تدعو هذه المدرسة إلى زراعة بيولوجية نظيفة ونقيّة وديناميكيّة وهي تغلّب الجانب الصحّي للفلاحة وتقف وراءها حركات الخضر.
المدرسة الاقتصادية لحوض البحر الأبيض المتوسّط: تنادي بالحفاظ على العادات الغذائيّة، وتعتبر الأكل ضربا من الفنون ويستدعي مهارة وخبرة المزارعين والطبّاخين وهي تدعو إلى استغلال ثقافتها الغذائيّة والمتاجرة بها في السّوق الدوليّة.
يعتقد السيد كلود بورغينيون أن الحلّ يكمن في تداخل هذه المدارس ورفض الفصل بين قطاعي الفلاحة والصناعة. كما يجب من ناحية أخرى ملاءمة الإنتاج الفلاحي مع الكثافة السكانية والبيئة والتخلّي عن العقلية الإنتاجوية وعن البحث عن المراكمة وإعادة الاعتبار للمزارع. فلا يمكن لنا أن نساوي بين أثر فنّي رائع وبين منتوج صناعيّ يعدّ بالملايين.
لا مجال لنا من تجزئة قطاع الفلاحة حتّى يستجيب المنتج للمستهلك ويطوّر نوعيات حسب الطلب والميول وذلك بدءا من الإنتاج في الضيعة مرورا بتجميعه ووصولا إلى تحويله. فمنتج العنب يرعى إنتاجه كما يرعى ابنه.
يمكن أن نتصوّر على سبيل المثال مزارعا في قطاع الحبوب يطوّر نوعيات من الخبز فتنشأ علاقة متبادلة مع المستهلك وهي من صميم الديمقراطية التي تناستها الفلاحة المعاصرة والمدعّمة. في غالبية الأحيان لا يعلم المستهلك شيئا عن المنتوج الفلاحي الذي يشتريه. كما أنّ الفلاحة الموجّهة قد فرضت على المزارعين التخلّي عن نماذج إنتاج كالزراعة البيولوجية والبيو- دينامية أو الزراعات الخاصة والمميّزة لكلّ مزارع وكلّ منطقة.
الفلاحة في الغرب لها أهداف اقتصادية وسياسية لا تتلاءم مع عولمة حقيقيّة إذ أنّ غايتها أبعد من أن تكون ضمان الغذاء فهي ترتكز على الصناعات الغذائيّة على حساب المزارع والجودة. إنها “سلاح أخضر” في وجه المتمرّدين.
حققت أوروبا اكتفاءها الذاتي من الغذاء منذ سنة 1954 وكان بإمكانها تطوير نماذج إنتاج جديدة لكنها فضّلت المراكمة وزيادة الإنتاج وهي اليوم تنتج أسوأ أنواع الحبوب في العالم. فأوروبا تضطرّ إلى استيراد القموح لتخصيصها للغذاء البشري لأنّ 40% من قموحها لا تصلح إلاّ للغذاء الحيوانيّ، أمّا ال60% الباقية فهي ذات جودة متدنّية ولا يمكن تحويلها إلى خبز فيقع اللجوء إلى دعمها بقموح مستوردة من بلدان Cairns.
هذه الأخيرة ابتكرت نموذجا تقنيا يوفّر إنتاجا أرفع جودة وبأقلّ تكلفة. المزارعون هناك يكوّنون جمعيات ومؤسسات ويتعاقدون مع باحثين زراعيين لتطوير إنتاجهم ولا يخضعون لضغوط الصناعات الغذائيّة التي تفضل النوعيات التي تتطلب أكثر كميات من المبيدات والأسمدة. النماذج التقنية الأنجع هي تلك تحافظ على خصوبة التربة وتتلاءم مع التربة والمناخ وتحافظ على الجودة وهذا عكس الفلاحة المدعّمة والموجّهة.
إنّ تنوّع الزراعات والحيوانات حصيلة لمجهود وخبرات المزارعين على مدى الدهور وليس نتاجا لنشاط المهندسين الزراعيين. لا بدّ من احترام الخصوصيات الغذائيّة والزراعيّة والإرث الفلاحيّ لكلّ منطقة وجهة. لقد كانت “الثورة الخضراء” المزعومة وبالا على الفلاحة. فنحن في حاجة إلى “تطوّر أخضر” لا يتعسّف على البيئة والتربة وذلك يستوجب منّا:
تحديث البحوث الوراثيّة: منذ 4 آلاف سنة والإنسان يزرع نفس النوعيات والحال أنّ هناك تنوّع بيولوجي هائل. الفلاحة عاجزة على تدجين نوعيات جديدة. فمن بين250 ألف نوعا من النبات لا نستهلك سوى 250 نوعا و10 نوعيات من هذه الأخيرة تمثّل 90 % من الإنتاج الفلاحيّ. لابدّ من انتقاء نوعيات جديدة من الزراعات وذلك باعتماد مقاييس غذائيّة وبيئيّة. فهناك نوعيات من الزراعات المهملة التي يمكن أن تلبّي الحاجيات الغذائيّة وخصوصا منها تلك التي تساهم في حماية التربة والحفاظ على البيئة ولا تستدعي كميات كبيرة من الأسمدة والمبيدات أو تلك التي تمُّل ملجأ للطيور أو القموح المقاومة للحرارة. الإنتاج الحيواني هو الأكثر تضررا من تراجع التنوّع البيولوجي فمن بين مليون نوعيّة لا يستغلّ الإنسان سوى مائة نوع. فإفريقيا التي تحتوي على أكثر هذه النوعيات تعاني من نقص في البروتينات. فهناك أنواع من الحيوانات لا تشرب الماء ويبلغ وزنها بين 30 إلى 200 كغ وهي مهددة بالاندثار. لا يساعد تفشّي الأمراض والأوبئة على تطوير البحوث في هذا المجال ويعيق عملية الرعي.
تحديث أساليب استغلال التربة: منذ 4 آلاف سنة نشأت الفلاحة الحضريّة واضطرّ الإنسان إلى مقاومة الأعشاب الطفيليّة. منذ 1857 ظلّت التقنيات على حالها إذا ما استثنينا التغييرات التي طرأت على حجم الآلات وقدرتها. في سنة 1964 ظهرت تقنيات الحرث المخصّصة لاجتثاث الأعشاب الطفيليّة ولكنّ المزارع فضّل الحرث العميق واستعمال المبيدات. مزارعو منطقة Cairns استعاضوا على ذلك بالزراعات الفاصلة، وهذه الأخيرة تغذّي التربة وتهيّئها لزراعات لاحقة وتحميها من أشعّة الشمس وتمكّن من رسكلة (إعادة استعمال) الأسمدة وخزن الفحم في التربة (أي الطاقة) بمعدّل أربعة أطنان في الهكتار بينما لا يوفّر الحرث سوى طنا واحدا في الهكتار. يقع التخلّص من النباتات الفاصلة ثمّ يقع جني المنتوج باللجوء إلى جرّار صغير ذي دوائر مصفحّة وفي أقصى الحالات يستعمل قضيب مخصص لغرس النباتات العازلة وهذا يحدّ من عدد ساعات العمل من 140 ساعة في الهكتار إلى 30 ساعة فقط. على عكس ما يعتقد الغالبية يُعَدُ ّالجني المباشر تقنية عصرية تجعلنا نتخلّى عن نموذج الزراعة المنجميّة لصالح زراعة تخضع لإرادة عقلانية ومنهجية.
تعصير استعمال الأسمدة: منذ قرن انحصرت الأسمدة في فواضل الصناعة والمناجم وهذه الأسمدة غير قادرة على حماية التربة من الطفيليات وعلى الحفاظ على خصوبتها بل هي تلوّث الطبقات المائيّة والغدران. تمكّن طرق الجني المباشر المحميّ بالزراعات الفاصلة من استعمال أسمدة غير سامّة تدمج في البذور فقط فلا تنتفع بها الأعشاب الطفيلية.
تعصير الصناعات الغذائيّة: تتسبب الصناعات الغذائية مثلها مثل صناعات التبغ في انتشار أوبئة لعلّ أخطرها تفشّي ظاهرة السمنة وتلوّث الغذاء. رجال الصناعة الغذائيّة يريدون إقناعنا بأنّه لولا الأسمدة والمبيدات لتعرضنا للمجاعة والحال أن إفريقيا قد خسرت 20 % من إنتاجها الزراعي بفعل هذه المواد وذلك منذ سنة 1970 بينما لم تعرف أوروبا المجاعة منذ القرن الثامن عشر وذلك سنوات عديدة قبل ظهور الأسمدة والمبيدات. أمّا الوهم الآخر الذي تروّج له فهو أنّ الزراعة المكثّفة وشديدة التصنيع توفّر إنتاجا فائقا والحقيقة هي أنّ الفلاحة التقليدية توفّر ضعف الأولى. استعمال الأسمدة والمبيدات يخلّ بالتوازن البيئي ويعرّض التربة للأمراض والطفيليات. لقد آن الأوان لفرض الشفافية على منتوجات الصناعات الغذائيّة وذلك بوضع ملصقات تمكّن المستهلك من معرفة طبيعة هذا المنتوج إن كان بيولوجيا أو متأتي من الفلاحة المكثّفة وشديدة التصنيع.
الفلاحة ليست بحاجة لمزيد من المبيدات والأسمدة والكائنات المحوّرة جينيّا لتؤقلمها مع العولمة. هي بحاجة لديمقراطية ولشيء من العلم وبالخصوص لتغيير موقفنا منها. لا يمكن للفلاحة أن تتطوّر إلاّ بالتخلّص من الدعم والتوجيه والتوظيف.
أن يتحوّل المستثمر الفلاحي إلى مزارع حقيقي وأن يسمح لمزارع القموح أن يوفّر أنواعا من الخبز ولمربّي الحيوانات أن يصنع الأجبان ويصبح جزارا. لابدّ من التخلّي عن تخطيط النشاط الزراعي وعن ضغوط الصناعات الغذائيّة ومن القطع مع الأسواق الموحّدة وذلك باكتشاف أسواق جديدة تسمح بمنافسة حقيقيّة. أخيرا لابدّ للنشاط الفلاحيّ أن يدمج العامل البيئي واحترام تنوّع الأطعمة والخصوصيات الغذائيّة لكل جهة ومنطقة. فالعولمة الحقيقية والإنسانيّة لا تستقيم مع توجيه وفرض الإنتاج وتوحيده استجابة لرغبة الصناعة الغذائيّة بل تستوجب احترام التنوّع الزراعي والعادات الغذائيّة. بذلك فقط سيرتكز التنافس الحقيقي على الجودة والنوعية والتميّز.

المتوسط اونلاين 4 نوفمبر 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*