أزمة الغذاء العالمي

د. عبد الرضا عبدالعزيز الخفاجي – أكاديمي عراقي مقيم في مسقط

تناول الخبراء أزمة الغذاء العالمي في تقاريرهم محذرين من أزمة غذاء عالمية قادمة ويستند الخبراء في تحليلاتهم على معادلة العرض والطلب العالميين على الغذاء. فاذا زاد العرض عن الطلب عاش الناس في وفرة غذائية واذا زاد الطلب عن العرض عاش البشر في ظل أزمة غذائية عالمية.ومن أهم الأسباب التي تؤدي إلى زيادة الطلب عن العرض هو بلا شك ازدياد عدد السكان ونقص المنتوجات الغذائية وهذه اسبابها كثيرة اهمها استنزاف المصادر الطبيعية (مثل الأراضي والمياه) والزراعة ونقصان الطاقة مع عدم اسقاط التغيرات المناخية وكذلك استعمال المنتجات الزراعية كوقود حيوي بديل
ان مجموع سكان المدن اليوم يقارب 60 % من مجموع سكان العالم حسب احصائيات الامم المتحدة وترتفع هذه النسبة الى نحو 80 % في بعض الدول. فجميع سكان المدن لا ينتجون الغذاء بشكل مباشر إلآ ما ندر. فالمدينة باتت تأكل بشراهة ما ينتجه من تبقى من سكان الريف الذين يحلمون ليل نهار بترك الأرض والتوجه نحو أضواء المدينة.
فأزمة الغذاء العالمي الراهنة هي أزمة توازن عمراني. فلا بد ان نضع حدا» لتفاقم نمو المدينة أولا ومن ثم ندعم الحياة الريفية. فجزء من حل الأزمة الغذائية يتم بإحياء الزراعة التقليدية وكذلك بدعم الحياة الريفية واستقرارها وإنعاشها عن طريق تأمين الخدمات الضرورية الى الريف والتجمعات الزراعية الصغيرة.
هذا وإن رجعنا الى الوراء حوالي ثلاثين عاما سنجد ان المخزون العالمي من الحبوب كان منخفضا، ففي الولايات المتحدة الامريكية (البلد الأول المنتج والمصدر للقمح في العالم) قد تراجع منتوجه عام 2008 الى مستواه عام 1950 اي ما يزيد قليلا» عن 600 مليون طن. قد يقول البعض ان العالم يحتاج عموما والبلدان الصناعية الكبرى خصوصا، الى المزيد من الانتاج والتصدير خاصة في القمح نظرا للكثافة السكانية التي ازدادت بل تضاعفت عما هو متوقع عند علماء الاقتصاد والسكان حسب الاحصائيات والتنبؤات المعلنة. فبالنسبة للاقتصاديين، فإن المشكلة تتلخص في انخفاض في العرض وزيادة في الطلب ويتعلق الأمر بتكرار الحوادث المناخية من جهة ومن جهة أخرى بكوكب الأرض الذى هو اليوم اكثر شراهة ونهما من أي وقت مضى.كما تحولت البلدان النامية الى سوق ضخمة تبتلع كل شيء في طريقها ناهيك عن المنافسة في مجال الوقود الحيوي الايثانول (وهو وقود بيولوجي يمكن مزجه في البنزين). ففي عام 2007 تم استهلاك 65 مليون طن من الذرة في الولايات المتحدة الأمريكية (أي خمس الانتاج العالمي) وهذه هي البداية. فالحبوب مثل القمح والأرز والذرة هي مواد غذائية ضرورية للبشرية إلا ان اسعارها تضاعفت خلال عام واحد تقريبا مماأدى الى ارتفاع الاسعار العالمية للمنتجات الغذائية وهو على ما يبدو بادرة ظهور أولى لأزمة الغذاء العالمية. اضافة الى ذلك، ان اسعار معظم المواد الخام الزراعية ارتفعت بصورة كبيرة في الاسواق العالمية في الفترة الممتدة من عام 2006 وعامي 2007 و2008.
هذا وفي تصريح لجان زيجلر: المقرر الخاص للأمم المتحدة،أوضح انه قبل ارتفاع الأسعار كان يموت طفل دون العشر سنوات كل خمس ثوان اما الآن فهناك 854 مليون شخص يعانون من سوء التغذية كما شدد جان على الخطر الذي يهدد الدول الفقيرة والمحتاجة ذات الكثافة السكانية العالية اذا لم يكن هناك تدخل سريع للقوى والمنظمات الدولية المؤثرة. فالأسر في الدول الغربية تخصص من 10 الى 20 من ميزانيتها للغذاء في حين تخصص الأسر في الدول الفقيرة من 60 إلى 90%.
ما هي أسباب الأزمة؟ الجواب هو عدة أسباب تتلخص فيما يلي:
أولا: العامل الديموغرافي وهو السبب الرئيسي، فعدد سكان العالم في نمو مطرد وسوف يتجاوز تسعة مليارات نسمة بحلول عام. 2050 وهذا يعني جهدا عظيما لاطعام الأفواه الجائعة على كوكب تم استنزاف موارده. كما ان الزيادة الحادة في ارتفاع اسعار المواد الغذائية ادى في النهاية الى النقص الحاصل في المخزونات الاستراتيجية لبعض المواد الغذائية وخاصة الحبوب التي تشكل المصدر الرئيسي للغذاء.
ثانيا: الارتفاع الحاد في درجات الحرارة في العالم وتزايد مخاطر ظاهرة الاحتباس الحراري الأمر الذي أدى الى اضطرابات في احوال المناخ العالمي وقاد الى موجات حر وجفاف وصقيع في قطاعات واسعة من الأراضي الزراعية عبر قارات العالم الجنوبي في أمريكا اللاتينية مثل البرازيل والارجنتين اللذين يعتبران من اكبر مخازن انتاج الأغذية في العالم بالإضافة الى إفريقيا وآسيا والذي انعكس سلبا على كميات انتاج الحبوب خاصة القمح والأرز والذرة وفول الصويا.
ثالثا: ان الارتفاع الحاد في اسعار النفط والطاقة أدى الى اعادة التفكير في بدائل للنفط حيث تم الاتجاه الى زيادة معدلات انتاج ما يسمى بالوقود الحيوي كالطاقة المستخرجة من المواد الزراعية مثل الذرة والأرز على حساب غذاء الانسان وحياته وقد اتهم جان زيجلر من خلال صحيفة ليبراسيون الفرنسية الصادرة في 14 ابريل من عام 2008 بعدم مبالاة العالم بأزمة الغذاء العالمية حيث قال «حين تقوم الولايات المتحدة بضخ ستة مليارات دولار للاستثمار في سياسة الوقود الحيوي، فإنها
تستنزف 138 مليون طن من الذرة من السوق الغذائية واضاف « قد نفهم رغبة التخلص من سيطرة الطاقة النفطية المستوردة، لكن تحقيق هذه الرغبة يوشك ان يهدد بقية العالم».
رابعا: أشارت تقارير الى ان المضاربين والمحتكرين تسببوا في الارتفاع الكبير لأسعار المحاصيل الاستراتيجية مما ادى الى الارتفاع المشهود لكثير من الأغذية المتعلقة بالاستهلاك اليومي الضروري للإنسان. كما حذرت وكالات المعونات الدولية المجتمع الدولي بشأن الحاجة الى دعم انتاج الغذاء في البلدان النامية حيث وصلت حصة هامشية من المعونات الدولية الى المزارعين. لكن البنك الدولي أكد انه سيضاعف دعمه للزراعة الإفريقية. وفي مؤتمر لللأمم المتحدة للتجارة والتنمية الذي ضم 192 دولة عضو في الامم المتحدة والذي عقد في غانا في ابريل 2008 احتلت مسألة الغذاء مكانة مركزية في المؤتمر حيث.صرح الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ان المنظمة بدأت تعبئة مورادها لمحاربة أزمة الغذاء العالمية وتخطط حاليا» لاقتراح حلول طويلة الأجل للتعامل مع أسبابها الأساسية. كما قال للصحفيين (عقب عودته من جولة في افريقيا واوروبا حيث كان ارتفاع اسعار السلع الغذائية الموضوع الرئيسي لاجتماعاته مع كبار المسؤولين هناك. قال بنك التنمية الآسيوي ان اكثر من مليار آسيوي ربما ينزلقون الى الفقر الشديد اذا لم تقدم لهم مساعدات اضافية لموجة اسعار الغذاء المرتفعة وحث إن الدول على التركيز على أزمة الغذاء والتفكير في التعامل مع أسبابهاالأصلية مثل الممارسات التجارية التي ترفع الاسعار بشكل مصطنع واضاف إنه يتعين على الدول ان تعزز التنمية الزراعية خاصة في افريقيا والمناطق الأخرى الأشد تضررا» حيث من الضروري أن يحصل صغار المزارعين في العالم على البذور والأسمدة وغيرها من الحاجيات الزراعية وأن هذه الأزمة لم تظهر فجأة وإنما تمت خلال أكثر من عقد من الأهمال وعلى هذا الاساس، فنحن بحاجة الى بداية جديدة.
الغذاء الرخيص مثل النفط الرخيص ربما يصبح شيئا من الماضي هذه العبارة التي تتردد على لسان الاقتصاديين العالميين الذين يتابعون أزمة الغذاء العالمي وأزمة النفط العالمي فكليهما يؤشران كما تقول مسؤولة الأمم المتحدة الى (تسونامي ) غذائي يجتاح البشرية ويهدد الفقراء بالجوع ويجرف المزيد منهم الى هوة الفقر كل يوم وما حذر منه البنك الدولي بان مائة مليون شخص مهدد بالانحدار دون خط الفقر نتيجة لهذه الأزمة. رئيس البنك الدولي روبرت زوليك اعلن ان هناك 33 دولة في العالم معرضة لهزات اجتماعية نتيجة لنقص الغذاء وهي الدول التي تنفق على الغذاء من 50 – 75 من دخلها ـ والجديد الذي يهدد الاستقرار الاجتماعي هو هذا التحول من الفقراء في العالم من الأرياف الى المدن كما تقول رئيسة هيئة المعونة الأمريكية وانشئت مدن جديدة بشكل عشوائي حول المدن الكبرى في معظم دول العالم تقريبا». حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونسيف من ان ارتفاع اسعار الغذاء يهدد بإحجام كثير من الاسر الفقيرة من ارسال اطفالها للمدارس كما حذرت منظمة الامم المتحدة من ان هناك خطرا متزايدا ينذر بحدوث عدم استقرار اجتماعي في البلدان التي تنفق فيها الأسر على الطعام اكثر من نصف دخلها.
السؤال المطروح الآن ما هي الأسباب وراء تفاقم ازمة الغذاء في العالم؟
هناك من يرى ان السبب الرئيسي هو ارتفاع اسعار النفط كما يقول وزير الزراعة الأمريكي فارتفاع اسعار النفط هو اكبر عامل لغلاء الاسعار. فالنفط ليس سلعة عادية وانما وقود حيوي يدخل في كافة الانشطة ومنها النشاط الزراعي في كل الدول التي تعتمد بشكل اساسي على الميكنة الزراعية.كما ان ارتفاع اسعار النفط هو الذي ادى الى انتاج الطاقة من الايثانول، اي استعمال الذرة في انتاج الطاقة ففي امريكا وحدها تم تحويل 10% من انتاجها الى الوقود العضوي حيث قيل إن كل كيلوجرام من اللحوم الحيوانية يحتاج الى 70 كيلوجراما من الأعلاف والحبوب من اجل انتاجه. كما ان هناك من يقول إن الطقس السيئ في استراليا قد اثر على انتاج القمح.
ان الهم الاكبر لدى برنامج الغذاء العالمي هو أولئك الاشخاص الذين يعيشون على مصروف يومي يبلغ 50 سنتا» ولا مصدر آخر لهم ليسدون رمقهم به. ومن بين 70 مليون نسمة الذين يقدم لهم البرنامج المساعدات الغذائيه في الوقت الحاضر فقد ارتفعت كلفة المعونات الغذائية بشكل حاد جدا».
السؤال الآن لماذا ارتفعت اسعار المواد الغذائية؟ الخبراء يعزون ذلك الى عدة عوامل منها الكلفة العالية للوقود والطقس السيئ في البلدان المنتجة للغذاء وزيادة الاراضي المخصصة للحصول على الوقود الحيوي والارتفاع في الطلب على الغذاء ومعظمه من الطبقات الوسطى المتنامية في كل من الهند والصين. رحب البنك الدولي بادراج ازمة الغذاء العالمي على جدول اعمال قمة مجموعة الثماني التي عقدت في يوليو 2008 واضاف ان الارتفاع في اسعار الغذاء والآثار المترتبة عليه في عملية التنمية، كذلك الجهود الرامية الى القضاء على الجوع وسوء التغذية يهدد بدفع 100 مليون شخص الى براثن الفقر (المشكلة التي يكتوي بلهيبها حاليا الملايين من البشر) الأمر الذي سيؤدي إلى الحاق الضرر ليس بالجيل الحالي فقط ولكن بالأجيال المقبلة ايضا.

صحيفة عمان 24 أكتوبر 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*