“إمبراطوريات الغذاء” انتجت مليار جائع

فرانك مولدر

رغم خطورتهما، “إنسي المضاربات وإنسى المحروقات الزراعية. السبب الحقيقي وراء الأزمة الغذائية والزراعية العالمية الدائمة هو النظام الغذائي الإمبراطوري” المهمين على حياة البشر.
بهذه الكلمات تناول يان دوي فون دير بلويغ، أستاذ علوم الإجتماع الريفي بجامعة فاغينينغين الهولندية، قضايا الأزمة الغذائية في العالم وأسبابها، في حديث مع وكالة انتر بريس سيرفس.
وكانت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة قد دعت في الشهر الماضي عددا من الخبراء لمناقشة قضية إرتفاع أسعار القمح. فخلصوا إلي أن هناك في الظاهر توزانا بين الطلب العالمي على الحبوب وبين إنتاجها، وأنه لا توجد مؤشرات على قرب وقوع أزمة غذاء عالمية.
فعلق العالم الهولندي على هذا الخلاصة قائلا أنها “تفكير خامل. فهناك ما يقرب من مليار شخصا يعانون من الجوع، وثمة مليار آخر من البشر يقاسون من سوء التغذية المزمن، في حين أن هناك مليار فردا يعانون من السمنة المفرطة. أليست هذه أزمة غذائية؟”.
وأضاف أن “الجوع كان موجودا دائما، لكن ظاهرته قد أصبحت عالمية ودائمة على مدى الخمسين سنة الأخيرة”.
وأكد أن هناك أزمة زراعية حادة وراء أزمة الغذاء، “فيضطر المزارعون إلي بذل المزيد من النضال الشاق يوما بعد يوم من أجل البقاء على قيد الحياة بسبب الأسعار المنخفضة والأسواق المضطربة. وهنا يكمن التناقض: الأسعار مرتفعة بالنسبة للمستهلكين ومنخفضة للغاية بالنسبة للمزارعين بل وبدرجة تحول دون إستردادهم حتي ما أنفقوه”… “أين يذهب الفرق؟ إلى إمبراطوريات الغذاء”.
وشرح العالم فون دير بلويغ أن “الأسواق تقع أكثر فأكثر تحت هيمنة التكتلات التجارية الصناعية، مثل أهولد، نستله، كارجيل والكثير من غيرها التي تتحكم في إنتاج الأغذية وتصنيعها وإستهلاكها”.
“هذه الإمبراطوريات قادرة على التلاعب بالأسواق وإستنزاف الثروة الزراعية. وفي ظل هذا النظام السائد، يتسبب أدني إختلال في الأسواق في تقلبات كبيرة في الأسعار”.
وذّكر بأن الإمبراطوريات عادة ما لا تملك موارد ذاتية وإنما تتحكم في الشبكات. “المزارعون والمستهلكون يعتمدون على نقاط الدخول ونقاط الخروج” التي تسيطر عليها هذه الإمبراطوريات “التي في مقدورها تحديد المعايير والأسعار”.
وأضاف أن الحكومات مطالبة بعدم تشويه الاسواق وبتحرير التجارة، لكن هذه الامبراطوريات هي نفسها التي تشوه الأسواق. “فإذا كان في مصلحتها المالية زراعة الهليون والفاصوليا الخضراء والزهور أو تربية الدجاج في البلدان الفقيرة لبيعها إلى الدول الغنية، فهي تفعل ذلك حتى ولو كان السكان يتضورون جوعا”.
لكن أنويسيكا أسببيساغ، المتحدث بإسم شعبة سوبر ماركت الهولندية “أهولد” التابعة لشبكة “أهولد” المتعددة الجنسيات، يعترض قائلا أن هذا ليس بالضرورة أمرا سيئا بالنسبة للبلدان الفقيرة.
ويقول أن “طلباتنا تخلق الآلاف من فرص العمل والدخل للناس في البلدان المصدرة، خاصة وأننا نتعاون تعاونا وثيقا جدا مع المنتجين من أجل تحسين ظروف العمل ومستويات المعيشة”.
وهنا يشير فون دير بلويغ إلى الآثار الجانبية لهيمنة الإمبراطوريات التجارية، فيقول أن “بيرو، على سبيل المثال، تحولت إلى أكبر مصدر للهليون في العالم. ومع ذلك، يُحرم المزارعين المحليين من المياه التي يحتاجون إليها أشد الحاجة، إضافة إلى معاناتهم من عدم الإستقرار. فبالفعل، يتجه إنتاج الهليون إلى الصين الآن”.
ويشرح أن “قوة الامبراطوريات الغذاء مثيرة للقلق لأن إهتمامها الوحيد هو التدفق النقدي، فعليها أن تسدد ديونها التي إكتسبتها لشراء شركات أخرى وإحتكار قطاعات واسعة من شبكة إمدادات الغذاء العالمية”.
ثم أكد أن “كلمة السر هي التوسع. هذه الديون تجعل بعض الشركات تتعثر على أرجلها كما حدث لشركة “بارمالات”، إمبراطورية الطعام الإيطالية التي تركت ديونا قدرها 14 مليار يور”.
لكن أنويسيكا أسببيساغ يعترض مجددا. “لسنا بمثل هذه القوة كما يعتقد الناس في كثير من الأحيان. نحن لا نحدد الأسعار والمعايير، وإنما نخضع للسوق والقواعد الحكومية شأننا في هذا شأن غيرنا. ولهذا فمن مصلحتنا ومصلحة المنتجين بناء علاقات مستقرة والاتفاق على الأسعار. فإذا أصبحت الصين أرخص، فنحن لا نتحرك تجاهها بصورة مفاجئة، فليست هذه هي الطريقة التي نعمل بها “.
وعن هذا تقول الباحثة بمركز البحوث عن الشركات المتعددة الجنسيات في أمستردام، ميريام فاندر ستيتشيلي، “ومع ذلك، أصبحت شبكات السوبر ماركت أقوى اللاعبين بين إمبراطوريات الغذاء”.
وتضيف أن شبكات السوبر ماركت “قد إكتسبت دورا قويا للغاية كبوابة بين المستهلكين والصناعة التحويلية. فعلى سبيل المثال، تضطر حتى كبري شركات الموز متعددة الجنسيات الآن إلي قبول أسعار مخفضة وعقود قصيرة الأجل. كما أصبحت العديد من محلات السوبر ماركت منتجة أيضا الآن، ما يجعلها أكثر قوة. ”
وتؤكد الباحثة أن قوة شبكات السوبر ماركت ليست اقتصادية فقط، بل وسياسية أيضا. “إنها تضغط بقسوة ضد تشديد فرض القيود. وهناك إنعدام حقيقي في مجال تنظيم العقود التي تبرم بين شبكات السوبر ماركت وغيرها من الشركات”.

المتوسط أون لاين 20 اكتوبر 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*