أزمة الغذاء الكبرى

أزمة الغذاء الكبرى
باتريك سيل
المركز الدولي لدراسات أمريكا والغرب (2008)

في مصر والفلبين، يشكل ارتفاع أسعار الغذاء، والنقص الخطير في كمياته المخزونة، تهديدات خطيرة للنظامين الحاكمين في كلا البلدين. ففي مصر، أعادت طوابير الخبز المصطفة أمام المخابز، والزيادات الحادة في أسعار المواد الغذائية إلى الأذهان ذكرى مظاهرات الخبز عام 1977. وبالفلبين، أدى النقص الشديد في المخزون من الأرز، إلى إجبار المطاعم الكبرى في البلاد، على الاكتفاء بتقديم نصف الكمية المطلوبة من وجبات الأرز التي يطلبها الزبائن.
وقد بدأ الخبراء يدقون أجراس الإنذار، بعد أن انخفضت الكميات المخزونة من الأرز إلى أدنى مستوى لها منذ سبعينيات القرن الماضي، وانخفضت كميات القمح إلى أدنى مستوى لها منذ خمسين عاماً.
في الوقت الراهن، تكافح الفلبين، وهي أكبر دولة مستوردة للأرز على مستوى العالم، للحصول على كميات تتراوح ما بين 1.8 مليون إلى 2.1 مليون طن من الأرز من السوق العالمية لتغطية النقص في محصولها هذا العام. وكما هو الحال في مانيلا، فإن القاهرة أيضاً، تخشى أن يجبر الجوع الفقراء على الخروج إلى الشوارع في مظاهرات غير منظمة، ويحتمل أن تكون خطيرة.
تستورد بريطانيا 37 % من موادها الغذائية و95 % مما تستهلكه من فواكه، أي أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية يطال الدول النامية والمتقدمة أيضاً.
عندما سيطر الكولونيل جمال عبدالناصر، وزملاؤه من الضباط الأحرار على السلطة في مصر عام 1952، كان تعداد السكان يتجاوز بالكاد 18 مليون نسمة، أما الآن، فإن هذا التعداد بلغ 80 مليون نسمة منهم 15 مليونا يعيشون تحت مستوى خط الفقر، أي على أقل من دولارين في اليوم.
وفي إندونيسيا، كان من المتوقع على نطاق واسع، أن يُعاد انتخاب الرئيس “سوسيلو بامبانج يودويونو” العام المقبل بأغلبية كبيرة، ولكن فرصه السياسية المستقبلية لا تبدو جيدة للغاية اليوم، بسبب ارتفاع مستوى الفقر، وأسعار المواد الغذائية في تلك الدولة.
في الأسبوع الماضي، استيقظ العالم على صوت جرس إنذار مدوٍ عندما ارتفعت أسعار الأرز بنسبة 30 في المئة في يوم واحد فقط، بعد أن كانت قد تضاعفت خلال أقل من شهرين من 380 دولاراً للطن في يناير الماضي إلى 760 دولاراً للطن في نهاية مارس الماضي. ويمثل هذا في الحقيقة أخباراً في غاية السوء لقارة آسيا، كونها تعتبر الأرز غذاءً رئيسياً لما يقرب من 2.5 مليار شخص فيها.
وأزمة الغذاء التي تطل برأسها، أصبحت تهدد بإثارة اضطرابات وقلاقل، قد تمتد عبر معظم آسيا، بحيث يمكننا من الآن أن نضيف أزمة الغذاء إلى قائمة الأزمات المألوفة التي يواجهها العالم مثل الإرهاب، والدول الفاشلة، والاحتباس الحراري، والحاجة الماسة إلى قيام العالم الغربي الذي هيمن طويلاً على شؤون العالم، بإفساح مساحة سياسية واقتصادية واستراتيجية متزايدة للقوى الصاعدة، مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل.
ومن بين المشكلات الرئيسية التي يواجهها العالم أيضاً، أن العديد من دول العالم لا تتمتع بالأمن الغذائي، أي أنها غير قادرة على تغذية شعوبها، وتعتمد في ذلك اعتماداً كلياً على الواردات التي تدفع من أجلها أموالاً طائلة. فمصر على سبيل المثال تستورد 50 في المئة من القمح الذي تستهلكه، وتدفع قيمة وارداتها من هذه المادة الغذائية الأساسية، من عائداتها بالعملات الصعبة من قطاعي السياحة وقناة السويس، ومن صادراتها من السلع المختلفة. وقد أرغمت أزمة الأرز العالمية مصر على إصدار قرار بحظر تصدير الأرز لمدة 6 شهور، تبدأ في الأول من إبريل في محاولة لإبقاء أسعار الأرز المحلية عند مستوى منخفض.
علاوة على ذلك، لجأت كبريات الدول المستوردة للأرز مثل فيتنام، وتايلاند، وأستراليا، إلى الحد من صادراتها من هذه المادة كي تحافظ هي الأخرى، على وجود كميات كافية منها في الأسواق، وهو ما أدى بالتالي إلى مفاقمة المشكلات التي تعاني منها الرئيسة” أورويو” في الفلبين.
ولكن مصر والفلبين ليستا الحالتين الأسوأ على الإطلاق.
فهناك نقص هائل في التغذية في وسط وغرب أفريقيا، وفي أفغانستان، وفي شبه القارة الهندية، وفي بوليفيا. وقد دفعت تلك الأزمة الغذائية الطاحنة برنامج الغذاء العالمي، التابع للأمم المتحدة إلى إصدار نداء عاجل من أجل الحصول على 500 مليون دولار إضافي لتقديمها إلى الدول المحتاجة حتى تتمكن من تغطية نفقات الغذاء المتزايدة.
وارتفاع أسعار الغذاء يرتبط بارتفاع أسعار البترول، الذي يحتل أهمية مركزية في إنتاج الغذاء بالوسائل الآلية، وفي إنتاج الأسمدة والمخصبات، وفي نقل، وتغليف الأطعمة كذلك.
والمشكلات التي ستترتب على ارتفاع أسعار الغذاء لا تقتصر فقط على الدول النامية، وإنما ستمتد إلى الدول المتقدمة كبريطانيا على سبيل المثال لا الحصر، التي يتوقع لها أن تواجه مشكلات غذائية في المستقبل. فبريطانيا تستورد ما قيمته 22 مليار جنيه أسترليني ( 44 ملياردولار) من الأغذية والمشروبات سنوياً 70 في المئة منها من الاتحاد الأوروبي. وتسعى بريطانيا عادة إلى شراء حاجياتها الغذائية من أرخص الأسواق، وهو ما يرجع إلى أنها لم تصل أبداً إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي في الطعام منذ القرن الثامن عشر.
فبحسب صحيفة “الجارديان”، تستورد بريطانيا في الوقت الراهن 37 في المئة من موادها الغذائية، وكذلك نصف كميات الخضروات و95 في المئة من كميات الفاكهة التي تستهلكها من وراء البحار. كما تعتمد العاصمة لندن على الخارج في استيراد 80 في المئة من حاجتها من الغذاء. فحتى في عالم اليوم المتعولم، أصبحنا نجد أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية، لا يعتبر بالوضع الصحي ليس في عواصم الدول النامية في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية فقط، وإنما بالنسبة لعاصمة كبرى من عواصم العالم أيضاً .

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*