الأمن الغذائي العربي .. استراتيجيات ذهبية غير قابلة للتنفيذ

عمر كوش

كثيرا ما نسمع عن خطط واستراتيجيات لمواجهة تحديات الأمن الغذائي تضعها الجهات المختصة في البلدان العربية، ويجري إعدادها وتبنّيها، في غالب الأحيان، بالتعاون مع البنك الدولي وسواه من المنظمات الدولية، وبمشاركة الجهات الحكومية المعنية كافة، إلى جانب ممثلين عن القطاع الخاص، لكن مع مرور الوقت نكتشف أن التحديات تزداد بهذا الخصوص، لتتفاقم معها مشكلة الأمن الغذائي حسب معظم التقارير الدولية، وتقارير مراكز الأبحاث الدولية المختصة. وترجع أسباب ذلك إلى أن تلك الخطط والاستراتيجيات تعاني بشكل أساسي كونها بعيدة عن واقع التطبيق، وغالب الظن أن المسؤولين الرسميين يرسمونها في أذهانهم، ويضعون فيها رؤيتهم وتمنياتهم، بعيداً عن الواقع المتعيّن في البلدان العربية، وبالتالي تتحول الاستراتيجيات إلى مجرد أفكار غير قابلة للتنفيذ، وتبقى المشكلة في انتظار استراتيجية وخطط جديدة.
غير أن السمة الذهنية ليست السمة الوحيدة لاستراتيجيات مواجهة تحديات الأمن الغذائي العربي، التي تحول دون تحققها على أرض الواقع المعاش، بل هناك عدم وجود تكامل غذائي عربي، والأهم هو وجود قوى معوقة وممانعة لحل المشكلة والوصول إلى النجاعة المطلوبة، وهي قوى متنفذة وقوية، ترى أن من مصلحتها استمرار تفاقم المشكلة، كونه يصب في إطار الفساد الذي تستفيد منه، كي تراكم مزيداً من الأموال والثروات، إضافة إلى عدم اتخاذ وتنفيذ خطوات جادة في الإصلاح الاقتصادي والسياسي المطلوبين في البلدان العربية.

الأسباب والمحددات
يعتبر ”الأمن الغذائي” أحد أهم التحديات التي تواجه الدول الفقيرة، خصوصاً البلدان ذات الكثافة السكانية المرتفعة، كونه يتعلق بإمكانية حصول أفراد المجتمع كافة، وفي جميع الأوقات، على الغذاء الكافي الذي يتطلبه عملهم ونشاطهم وصحتهم. وهذا التحدي يواجه معظم بلداننا العربية، نظراً لوجود عدة أسباب، أهمها: السياسات الاقتصادية المعتمدة المنحازة في معظم البلدان إلى جانب الأغنياء، وعدم كفاءتها الاجتماعية، وانخفاض إنتاجية الموارد الزراعية، وارتفاع التقلبات في إنتاجية المحاصيل الزراعية، وتدني الإمكانات المادية التي تطلبها التنمية الإنسانية، وعدم كفاءة الأداء الاقتصادي والزراعي، والأزمات الطارئة التي تضرب الاقتصادات الزراعية المحلية، الأمر الذي ينتج عنه فقدان شبكة أمان المخزون الغذائي في البلدان العربية.
ومع دخول الألفية الثالثة، ارتبطت محددات الأمن الغذائي، في غالبية بلداننا العربية، باتجاهات ومسارات ”العولمة” وتأثيراتها وإرهاصاتها، خاصة في تلك الجوانب المتعلقة بسياسات إدارة الطلب المؤثر في القدرة الشرائية للأفراد ذوي الدخل المحدود والمنخفض، خصوصا أولئك الذين يرزحون تحت ”خط الفقر”. فيما ارتبطت متضمنات العولمة بحرية التجارة الخارجية، والانحياز إلى متطلبات الليبرالية الاقتصادية واقتصاد السوق، والانفتاح الاقتصادي غير المدروس على الأسواق العالمية.
غير أنه من الصعب فهم إشكالية الأمن الغذائي دون التعرف على آليات تحليل مسألة العجز الغذائي، والآثار التي يمكن أن تولدها سياسات الدعم، حيث يتم معالجة جزء من العجز عن طريق الواردات الغذائية في المدى القصير، إذ تفرض أجواء الليبرالية الجديدة تحرير الأسعار، وهو ما يقود إلى ارتفاعها باستمرار، ويترتب على الارتفاع تزايد العجز الغذائي بين أوساط الفئات الوسطى والفقراء من أفراد المجتمع. وغالباً ما يكون وضع منحنى المتطلبات الغذائية على يمين منحنى العرض والطلب للسلع الغذائية، حيث تتحدد الأسعار من خلال تفاعل قوى العرض والطلب في سوق الغذاء. وعندما يسود الاضطراب أحد طرفي ثنائية العرض والطلب على الغذاء، أو كليهما، تنشأ الأزمة الغذائية، حيث من الممكن التحكم في الأزمات الاقتصادية، من جهة الطلب، تجاه الأمن الغذائي إلى حد ما، إلا أن التحكم في الأزمات الطبيعية المتحكمة بالعرض يعد مسألة أكثر تعقيداً، كونها ترتبط بعوامل ومتغيرات يصعب التحكم فيها، مثل الجفاف، وتراجع العمل الزراعي، أو تلك التي تنشأ مع الحروب، كونها تتطلب إعادة هيكلة الإنفاق العام لصالح متطلبات الحرب على حساب مسارات الإنفاق لما قبلها.
ويتطلب تحقيق الأمن الغذائي، بشكل أساسي، إنتاج غذاء أفضل وكاف للأجيال الحالية والقادمة، الأمر الذي يفرض تحدياً يتجسد في ضرورة العمل على تقليص الفجوة الغذائية الحاصلة في البلدان العربية، بين ما يُنتج من الغذاء وبين ما يُستهلك، ذلك أن الاستهلاك يفوق كثيراً الإنتاج، ويعمد إلى تعويض الفارق بواسط الاستيراد من دول العالم الأخرى، إضافة إلى أن على الدول العربية زيادة إنتاج الغذاء في بلدانها، بغية تلبية الاحتياجات المستقبلية، نظراً للتزايد المرتفع والمقلق لأعداد للسكان على المديين، المتوسط والبعيد، حيث إن عدد سكان البلاد العربية تضاعف – حسب الإحصائيات الرسمية – في فترة لا تقل عن ربع قرن من 122 مليون نسمة عام 1970 ليصل إلى 240 مليون نسمة عام 1993، أي بمعدل 97 في المائة، ومن المتوقع أن يتضاعف العدد ليصل إلى 480 مليون نسمة عام 2030.

الفجوة الغذائية
تنشأ الفجوة الغذائية نتيجة الفرق بين الكميات المنتجة محلياً ومجموع الكميات اللازمة للاستهلاك المحلي من السلع والمواد الغذائية، وبحسبما ورد في تقرير المنظمة العربية للتنمية الزراعية عام 2009، فإن مجموعة من العوامل والمحددات تتحكم في كميات الإنتاج الزراعي وحجم الفجوة الغذائية في الدول العربية، تتمثل في قلة المساحة المزروعة، وشح الموارد المائية، وتدني كفاءة الري، وقلة مساحة الأراضي المروية.
وتشير الأرقام المتعلقة بالعجز الغذائي العربي إلى أن قيمة الفجوة كانت في عام 1990 نحو 11.8 مليار دولار، وارتفعت إلى نحو 13.9 مليار دولار عام 2000، ثم ازدادت إلى نحو 18.1 مليار دولار عام 2005، وذلك قبل ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً. كما بلغت نحو 23.8 مليار دولار عام 2007، وازدادت بنحو 40 في المائة في عام 2008 مقارنة بعام 2005. وتظهر هذه الأرقام أن الفجوة ازدادت بمعدل سنوي بلغ 1.7 في المائة خلال الفترة 1990/2000، بينما ازدادت بمعدل سنوي بلغ 8 في المائة خلال الفترة من 2000 إلى 2007. ومن المتوقع أن تصل قيمة الفجوة إلى نحو 27 مليار دولار في عام 2010، وإلى نحو 44 مليار دولار في عام 2020.
وتتشكل هذه الفجوة الغذائية من العجز في مختلف المواد من حبوب وزيوت ولحوم وأسماك وغيرها.
وبالنسبة للحبوب، وهي المكون الرئيس للفجوة، فإن الواردات العربية منها مثلا تجاوزت 13.361 مليار دولار عام 2007، وبلغت نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح في السنة ذاتها 47.5 في المائة فقط، وهناك دولتان فقط حققتا فائضاً في إنتاج القمح هما السعودية وسورية. وعليه، تعيش البلدان العربية حالة من العجز الغذائي المتزايد، نظراً لأن ما ينتج من الغذاء لا يكفي لتغطية ما يقابله من استهلاك، وبالتالي تضطر الحكومات العربية إلى التوجه نحو الاستيراد من الخارج بمليارات الدولارات، الأمر الذي يفضي إلى إضعاف أرصدة الدول العربية من العملات الأجنبية ويزيد من مديونيتها، وبالتالي يزيد تبعيتها الاقتصادية والسياسية. ولا شك في أن ذلك يشكل ضغطاً على اقتصاديات البلاد العربية، لأن مليارات الدولارات تصرف كل عام لاستيراد المواد الغذائية لتغطية العجز بين ما ينتج وما يستهلك من غذاء، وعلى حساب خطط التنمية وسائر القطاعات الإنتاجية والخدمية، ويمنعها من استغلال الموارد البشرية والمالية والطبيعية، ويضعف الكفاءة الإنتاجية لهذه الموارد، ويفاقم الفجوة الغذائية فيها.
والمؤسف أنه في الوقت الذي تتجه فيه بلدان العالم نحو التكتلات، الاقتصادية الإقليمية والدولية، نجد أن بلداننا العربية ماضية نحو سياسة المعسكرات والأجندات المتباعدة على المستويات كافة. ولا شك في أن ذلك يرتبط بشكل وثيق بمشكلة العجز الغذائي، وعليه، فإن الاستراتيجيات والخطط التي توضع لمواجهة مشكلة العجز الغذائي لا تتحقق السبل الناجعة لاستغلال الموارد الاقتصادية والبشرية على المستويين، الوطني والقومي، فضلاً عن عدم امتلاك التكنولوجيا اللازمة في القطاعات الصناعية والزراعية، وغياب مراكز الأبحاث الفاعلة والمتطورة، وعدم التوسع في الاستثمار الزراعي المنتج، وافتقار الدعم المطلوب إلى التكامل الاقتصادي الصناعي والزراعي، وعدم التنسيق والترابط بين الخطط والسياسات التنموية للدول العربية. كل هذه العوامل تحدد بشكل دقيق تفاقم مشكلة العجز الغذائي.
وتستورد الدول العربية كميات هائلة من السلع والمنتجات الغذائية، حيث تشير الأرقام إلى أن مستوردات الدول العربية الغذائية من بعضها بعضا لا تشكل إلا نسبة غير ذات أهمية قياساً بنسبة وحجم مستورداتها الغذائية من دول العالم الأخرى، خاصة الدول الأوروبية والولايات المتحدة. ولا تستطيع منتوجات الصناعات الغذائية الصمود والمنافسة أمام مثيلتها من الدول الغربية، إضافة إلى أن أنماط الاستهلاك المتغيرة بشكل مطرد، والهجرة السلبية من الريف إلى المدينة، والنمو السكاني غير المتناسب مع حجم الإنتاج، أفضت كلها إلى ضعف الإنتاج الزراعي وإنتاج الغذاء في البلدان العربية.

أوضاع الأمن الغذائي
تعاني أوضاع الأمن الغذائي العربي – في أيامنا هذه – إشكاليات وصعوبات معقدة، نظراً لتراكم العديد من الظواهر السلبية، الاقتصادية، الاجتماعية، والبيئية، خلال النصف الثاني من القرن الـ 20 المنصرم، التي قيدت فاعلية خطط واستراتيجيات التنمية الهادفة إلى تقليص أعباء انعدام الأمن الغذائي، وأبطأت من سبل معالجة النقص الغذائي والعجز النسبي فيه، سواء على صعيد الفرد أو المجتمع. والأهم من ذلك هو أن أنماط السياسات الاقتصادية الزراعية التي اتبعت في البلدان العربية كانت متباينة، من جهة أسس نشأتها وتكوينها المعاصر، بشكل كان يصعب معه القيام بأي محاولة للتكامل الغذائي العربي، حيث تقاذفت تلك السياسات ما كان يسمى الخطط والتوجهات الاشتراكية، التي كانت تعني تدخل الدولة الشمولي في جميع القطاعات، وخاصة القطاع الزراعي، الأمر الذي أفضى إلى انعدام حرية استخدام الموارد، حسبما تقتضيه المفاهيم الاقتصادية. وقد تحدث تقرير المنظمة العربية للتنمية الزراعية، حول أوضاع الأمن الغذائي العربي للفترة ما بين عامي 2007 – 2009، عن عدد من التطورات الإيجابية في إنتاج وتجارة واستهلاك السلع الغذائية الرئيسة، لكن ما سجله التقرير لا يرقى إلى مصاف الطموحات المرجوة، فضلا عن اتسامه بالاستعراضية، ولا يسهم إلا في عملية المراكمة المستمرة للتقارير، كونه عجز عن تشخيص القصور، وعن طرح خطط ناجعة لمعالجة مشكلة المن الغذائي. ويشير تقرير المنظمة، المذكورة آنفاً، إلى أن إنتاج السلع الغذائية الرئيسة في البلدان العربية للفترة المذكورة فيه، ارتفع بنسب تراوح بين 4 و12 في المائة، حيث ارتفع إنتاج الحبوب من 49.7 مليون طن إلى 54.9 مليون طن، أي بنسبة زيادة بلغت نحو 10.5 في المائة، كما ارتفع إنتاج الخضراوات بنسبة 8 في المائة والفاكهة بـ 10 في المائة والأسماك بـ 11.4 في المائة. أما الصادرات العربية من مجموعات السلع الغذائية الرئيسة فقد ازدادت من 9.6 مليار دولار عام 2007 إلى 11.5 مليار دولار عام 2009، بنسبة زيادة بلغت 19.8 في المائة، لكن الواردات من المجموعة نفسها ارتفعت من 34.6 مليار دولار إلى 39 مليار دولار، أي بنسبة 12.7 في المائة. ولم يجهد واضعو التقرير أنفسهم في البحث عن برامج وقائية للأمن الغذائي، بل ضخموا الأرقام، كي يستعرضوا إنجازات على الورق، ولم تعنيهم متضمنات الأزمة الاقتصادية العالمية المؤثرة في أسعار الغذاء وفي مختلف أحوال المعيشة، على نمط السيولة الدولية، وأعباء المديونية الخارجية وخدمتها، فضلاً عن تقلبات أسعار الصرف والتشوهات التي تحصل في أسعار الفائدة، وما تقود إليه من تسرب رؤوس الأموال إلى خارج تلك الاقتصادات، وما تؤثره في قدرة الدولة على استيراد الغذاء.

الاقتصادية 1 اكتوبر 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*