في الطريق إلى عصر المجاعة

سمير التنير

يواجه العالم منذ سنوات أزمة غذاء حادة نتيجة الارتفاع المتواصل في أسعار المواد الغذائية. وانعكس ذلك على الدول كلها خصوصاً النامية منها، حيث يوجد 36 دولة تعاني من هذه الأزمة، بينها 21 دولة في افريقيا وحدها. وهي من الدول الأكثر فقراً أو ذات الدخل الفردي المنخفض. فبين عامي 2000 و2007 ارتفعت أسعار القمح بنسبة 200% وأسعار المواد الغذائية بنسبة 75%.
ويفاقم من حدة الأزمة تدني المداخيل بصورة مخيفة في كثير من الدول فعلى سبيل المثال هناك 30 مليون افريقي مهددون بالجوع، وأي زيادة في الأسعار بنسبة 20% تؤدي إلى انزلاق نحو مئة مليون شخص اضافي في العالم إلى الفقر المدقع. وهناك نحو مليار شخص يبلغ دخلهم اليومي دولاراً واحداً. وهذا يعني وجود عدد ضخم من الناس يتقاضون مداخيل متدنية للغاية ويعانون من الأزمة الغذائية، التي ازدادت حدة منذ شهر نيسان عام 2008، حين استمرت اسعار المواد الغذائية في الارتفاع وأصبحت تشكل خطراً كبيراً على العالم بأسره.
تستطيع الدول الغنية تحمل نتائج أزمة الغذاء، لان الغذاء لا يشكل سوى 20% من دخل العائلة فيها. الا ان تلك الأزمة لها آثار تدميرية خطيرة على الدول النامية، حيث تقدر تكاليف الغذاء بين 60% و80% من دخل العائلة. اما الفقراء في العالم فهم ينفقون ما بين 50% إلى 60% من دخلهم لتأمين حاجتهم من الغذاء الضروري لبقائهم على قيد الحياة. وأدت أزمة الغذاء خصوصاً في الدول النامية إلى زيادة الفقر والبؤس والتعاسة وسوء التغذية والجوع وإلى نشوء اضطرابات سياسية واجتماعية وأمنية. وانعكست الأزمة بصورة كارثية على الطبقة الدنيا. واثرت في الطبقة الوسطى، التي تدنت نسبتها العددية كثيراً، وأصبحت تتخلى عن شراء كثير من السلع والخدمات والمواد الغذائية.
ولمقاربة الموضوع بشكل أكبر ينبغي الإشارة إلى أن أسعار الأرز ارتفعت ثلاثة أضعاف في الدول الفقيرة وأصبح سعر الطن المتري أكثر من ألف دولار في الهند. كما ارتفعت أسعار القمح إلى أكثر من الضعف منذ بداية الأزمة. وارتفع سعره بنسبة 25% في يوم واحد، ما أدى إلى حدوث مظاهرات في افريقيا وجنوب آسيا، مطالبين حكوماتهم بالتدخل لمنع ارتفاع اسعار المواد الغذائية.
وترجع أزمة ارتفاع أسعار المواد الغذائية، إلى الارتفاع المستمر في أسعار الطاقة والأسمدة الكيماوية، وإلى زيادة الطلب على الوقود الحيوي، خصوصاً في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، وإلى انخفاض سعر الدولار بالنسبة إلى اليورو والعملات الأخرى، وإلى التقلبات المناخية نتيجة لظاهرة الاحتباس الحراري، التي تؤدي إلى الجفاف في بعض المناطق، وحدوث عواصف وأعاصير في مناطق أخرى. وإلى ظهور أمراض جديدة بسبب تلوث البيئة تؤدي إلى القضاء على المحاصيل الزراعية قبل نضوجها، وإلى انتشار المباني السكنية بصورة عشوائية في الدول النامية خصوصاً في الأراضي الخصبة. وإلى حظر تصدير المواد الغذائية من بعض الدول لحماية المستهلكين المحليين من الأزمة ومواجهة المشاكل الناتجة عنها، وإلى المضاربات على المواد الغذائية والمراهنات على ارتفاع الأسعار، وإلى السياسات الزراعية في الدول النامية أو عدم الاهتمام بالزراعة.. وإلى تزايد عدد سكان العالم، وإلى زيادة طلب الصين والهند على المواد الغذائية نتيجة ارتفاع مستوى المعيشة فيهما بسبب معدلات النمو المرتفعة، وإلى تدني حجم المخزون العالمي من القمح والحبوب، إضافة إلى سيطرة الشركات المتعددة الجنسيات والمؤسسات المالية وغيرها على الزراعة العالمية والموارد الطبيعية، وعلى نقلها وتوزيعها والتحكم بمصادر الطاقة.
تقوم الولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي بتقديم مساعدات كبيرة للقطاع الزراعي، وتؤثر على أسعار المنتجات الزراعية في السوق العالمية، وتسبب إضعاف القطاع الزراعي في البلدان النامية. وقد خفضت الدول الصناعية الغنية مساعدتها لتلك البلدان ما يجعل صعباً تطوير البنية التحتية للزراعة. كما ان الاستثمارات الأجنبية تبتعد من القطاع الزراعي في البلدان بسبب الفساد وإساءة الإدارة. ان رفع مستوى الانتاج الزراعي يحتاج إلى إعادة بناء شبكات المواصلات، وشبكات الري، وذلك من أجل ايصال المنتجات الزراعية بسرعة إلى الأسواق. وبدون الأسمدة الكيماوية واستعمال الأدوية للزراعات المعدلة جينياً لا يمكن زيادة المحاصيل الزراعية.
لمواجهة أزمة الغذاء العالمية يتبلور الآن وعي بضرورة دعم القطاع الزراعي في البلدان النامية، إذ يعاني ذلك القطاع من ارتفاع أسعار الأسمدة والأدوية والطاقة، علماً بأن 70% من الدول النامية تعتمد على استيراد المواد الغذائية. لذلك يجب دعم الري في الأرياف لتحسين الانتاج الزراعي، حيث ان 60% من الغذاء الاضافي لتلبية الطلب المتزايد سينتج من زراعة مروية تساهم أيضاً في زيادة دخل المزارعين وهذا الدعم يمكن ان يساعد القارة الافريقية على مضاعفة انتاجها الزراعي خلال سنوات قليلة.
وتبقى مساعدات المنظمات التابعة للأمم المتحدة غير فعالة، ولا تحل المشكلة، بل تخفف قليلاً من حدتها. ويقول مركز تطوير التنمية في بلدان ما وراء البحار البريطاني ومقره في لندن، ان تحسين مستوى معيشة المجموعات الكبيرة جداً التي تنفق أغلب مداخيلها على شراء المواد الغذائية، يقتضي تبني سياسات زراعية جديدة. إذ ان الخيار الآن هو بين البقاء أو الفناء.

السفير 25 سبتمبر 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*