أزمة الغذاء .. زوبعة خارج الفنجان!

الاقتصادية 18 سبتمبر 2010

تتشكل في الأجواء، مقدمات أزمة غذائية عالمية، تبدو التحركات الدولية لمواجهتها أقل من عنفها الذي يتجمع يوماً بعد يوم، وأدنى من أن تتعاطى مع مستجداتها، وحرائقها المتوقعة. وقد لا تكون هذه الأزمة بزخم تلك التي اندلعت قبل ثلاث سنوات، إلا أن الأدوات الراهنة للتعاطي معها، لن تصمد أمام تداعياتها، ليس فقط، بسبب تراكم المشكلات الخاصة بالغذاء العالمي منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، وليس بسبب ”أثقال” ارتفاع تكاليف الإنتاج، بل أيضاً من جراء ”الاستحقاقات” المناخية، التي بدأت بفرض معاييرها وحقائقها ومصائبها، مما دفع عديدا من الدول المنتجة للغذاء (وفي مقدمتها روسيا المنتجة للقمح)، إلى اتخاذ تدابير وقائية بتقليص حجم صادراتها. ماذا نتج عن هذه التدابير؟ ارتفاع كبير في أسعار الخبز في البلدان الفقيرة على وجه التحديد، الذي أدى بدوره إلى مجموعة من الاضطرابات، أسفرت عن قتلى وجرحى ومعتقلين، وهددت وجود عدد من الحكومات المهزوزة أصلاً. دون أن ننسى أنها أسقطت حكومتي هاييتي ومدغشقر. والذي يزيد من حدة مخاطر أزمة الغذاء، أنها وصلت إلى بلدان، لم تكن تعاني في السابق أزمات غذائية عنيفة، بما في ذلك أزمة الخبز!
تتكون أزمة الغذاء الجديدة، بعد أن فشل العالم في الوصول إلى مشروع، يضمن على الأقل الإمدادات الغذائية السلسة، في أوقات المحن والقحط. لكيلا نقول: مشروع يضمن احتياطياً غذائياً، يصمد أمام المشكلات المتوقعة ـــ بل المؤكدة ـــ في هذا المجال. فالسياسات التي اتُبعت في العقود الماضية، لم توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي، بل لم تحم الاحتياطي المتواضع جداً الذي كان موجوداً على الساحة العالمية. وماذا فعلت أيضاً؟ ركزت على العون الغذائي للدول الفقيرة، وتجاهلت (أو لم تهتم) بالعون الذي كان ينبغي أن يذهب إلى التنمية. وعلى الرغم من هذه الحقيقة الماثلة أمام الجميع، ظلت الدول المانحة تمارس السياسات نفسها لعقود طويلة، ولم تغيرها حتى في ظل عنفوان أزمة الغذاء السابقة. يضاف إلى ذلك، أن الجهات والهيئات العالمية المعنية بمواجهة أزمة الغذاء، لم تحصل على ما يكفي من إمدادات مالية واستثمارية، لاستكمال مواجهتها بصورة مُرْضية! ومع تراجع حجم موازنات الدول المانحة، في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية، ارتفع عدد الجياع في العالم في غضون عام واحد فقط من 800 مليون نسمة إلى مليار و200 ألف، وارتفع بالتالي عدد الموتى من الجوع إلى 35 ألف شخص، ومعهم عشرة آلاف طفل يومياً، في حين بلغت فاتورة سوء التغذية في الدول الفقيرة ـــ طبقاً لتقرير منظمة ”آكشن إيد” الأمريكية ـــ 450 مليار دولار أمريكي سنوياً!
فلا مشروعات للإنتاج الغذائي أُقيمت، ولا أخرى استُكملت، ولا استثمارات ضُخت. وهذا ينسحب على ”أهداف الألفية للتنمية”، التي أطلقتها الأمم المتحدة في عام 2000، والتي تهدف إلى تقليص عدد الأشخاص الذين يعانون الفقر المدقع إلى النصف بحلول عام 2015. وهؤلاء في الواقع هم الذين يعانون مصائب جمة في الوصول إلى الخبز! وفي الوقت الذي كانت فيه بعض الدول تحقق بعض النتائج الإيجابية في هذا المجال، انفجرت الأزمة الاقتصادية العالمية، لـ ”تفرمل” التقدم فيها، ولتعيد ناقل السرعة إلى الوراء في غيرها من الدول. وفي خضم هذه الأجواء، عادت أسعار الغذاء إلى الارتفاع، لتوفر طاقة جديدة أخرى، تضاف إلى الطاقة التي تتشكل حالياً، في نطاق تَكون أزمة غذاء، سيقف العالم أمامها، حائراً، عاجزاً، نادماً. إنها أزمة ستكون أمامها محنة المصارف والمؤسسات التي تحطمت أمام الأزمة الاقتصادية، مجرد زوبعة في الفنجان. فالمصيبة التي تتشكل الآن ليست إلا زوبعة خارج الفنجان!

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*