حروب زراعية عالمية لتحقيق الأمن الغذائي تشعلها الأسمدة

خافيير بلاس ولزلي هوك

لا يعرف جيانج وين، ”بي إتش بي بيليتون”، أو ”بوتاسكورب”، لكنه يعرف تماما أن المنجم الذي تتنازع بشأنه الشركتان من خلال استحواذ بقيمة 39 مليار دولار مهم للغاية للمزارعين في دوزهوانج، القرية التي تقع بالقرب من بكين.
يسأل جيانج على نحو متكرر، وهو يجلس في متجره للأسمدة: ”لم أسمع بشركة بي إتش بي على الإطلاق ـــ فهل يعني هذا أن سعر البوتاس سيرتفع؟”. ويقول آخرون في المناطق الزراعية من الصين إنهم لم يسمعوا على الإطلاق بعرض الاستحواذ على شركة الأسمدة الكندية من قِبل أكبر شركة تنقيب عن المعادن في العالم. غير أن اهتمامهم بالأسعار، وتوفر البوتاس، المعدن المستخدم في صنع الأسمدة، شديد للغاية.
تصل أهمية العرض الذي يعتبر الأكبر في موجة من الاندماجات والاستحواذات في القطاع، إلى أبعد من نطاق المصرفيين الاستثماريين ومجالس الإدارة. وتغلف قلق جيانج أمور مثل التفاعل المتزايد بين العولمة، والعوامل الديموغرافية، والزراعة، والأمن الغذائي.
في أعقاب الحرب العالمية الثانية ـــ وتحديدا الزيادة السريعة في الإنتاجية التي أحدثتها الثورة الخضراء خلال ستينيات القرن الماضي، التي اعتمدت على استخدام الأسمدة والبذور عالية المحاصيل ـــ اختفى تهديد ندرة الغذاء إلى حد كبير من العالم.
يتعقب صعود البوتاس ـــ والأسمدة الأخرى مثل الفوسفات والنيتروجين ـــ في محافظ المستثمرين انبعاث الزراعة في الألفية الجديدة. وتكمن خلف هذا الأمر نهضة البلدان الناشئة مثل الصين، وصعود المليارات من السكان إلى الطبقة الوسطى الذين يطلبون في الوقت الراهن نظاما غذائيا أكثر غنى من الأنواع التقليدية من الأرز والقمح. أدهش هذا التحول صناعة طالما اعتادت أن يتم تجاهلها. وفي صباح يوم بارد من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1989، بدأت حكومة المقاطعة الكندية الريفية، ساسكاتشوان، بخصخصة ”بوتاسكورب” من خلال اكتتاب عام أولي ـــ وجمعت 231 مليون دولار فقط. وباعت السهم الواحد بسعر 18 دولارا، لكن مع نهاية أول يوم تداول، وحيث أبدى المستثمرون اهتماما قليلا بالشراء، انخفض السعر إلى 17.75 دولار.
ولَّت تلك الأيام التي كان المستثمرون خلالها يبدون اهتماما بسيطا في السلع الغامضة مثل البوتاس. ولم تكن الزراعة، والصناعات التي تدعمها، ”تحصل على التقدير الكامل”، حسبما يوضح جيم بروكوبانكو، الرئيس التنفيذي لمجموعة الأسمدة في الولايات المتحدة، ”موزاييك”. وإضافة إلى ذلك، كانت مشكلة إنتاج الأغذية في ذلك الوقت تتمثل بوجود فائض. وكان الحديث في أوروبا حول جبال من الحبوب والزبدة، وبحيرات من الحليب والنبيذ. ولم تكن الصين، والهند، والبرازيل، والبلدان الناشئة الأخرى، ناهضة بعد، وكانت روسيا لا تزال جزءا من الاتحاد السوفياتي. وتخيل عدد قليل من الناس انتهاء حقبة الوفرة في وقت قريب. بعد مرور عقدين، تغير الوضع. ويقول بروكوبانكو: ”بإمكانك أن ترى ذلك من خلال اهتمام شركة تنقيب بحجم ”بي إتش بي” بالاستحواذ بمليارات الدولارات على عملية بوتاس لم تكن تحظى قبل عشر سنوات بالكثير من الاهتمام.” وتحولت ”بوتاسكورب” بحد ذاتها إلى أكبر شركة أسمدة مدرجة في البورصة في العالم. وفي غضون ذلك، أصبح القطاع محط أنظار مصرفيي الاندماجات والاستحواذات في وول ستريت. وخلال الشهور الثمانية الأولى من العام، تم الإعلان عن صفقات بقيمة 61 مليار دولار من قبل شركات في الصناعة، وهي قيمة عالية ازدادت إلى أكثر من الضعف عن ذروتها التي وصلت إليها في عام 2008، وفقا لمزود البيانات، ”ديلوجيك”. وبشمول الاندماج الوشيك لمجموعتي الأسمدة الروسيتين، ”أورالكالي”، و”سيلفينيت”، يمكن أن يصل نشاط الاندماجات والاستحواذات إلى أكثر من 90 مليار دولار (71 مليار يورو، 58 مليار جنيه إسترليني) هذا العام.
تكمن خلف الثورة في صناعة الأسمدة الندرة المتزايدة لسلعة أخرى: الغذاء. ومنذ أزمة عامي 2007 – 2008، حين امتزجت الاتجاهات الاقتصادية والديموغرافية طويلة الأجل مع المشاكل قصيرة الأجل، مثل الطقس السيئ، والارتفاع الصاروخي في تكاليف النفط لإنتاج أسعار قياسية من المحاصيل، وأعمال الشغب في البلدان من هايتي إلى بنجلادش ـــ استعاد المستثمرون اهتمامهم بالصناعة. أسهم الحدث في ”إعلاء شأن قضية الزراعية على الأجندة العالمية”، حسبما يقول هاليجر ستورفيك، المسؤول المالي الأعلى في يارا النرويجية، أكبر منتج لإنتاج أسمدة النيتروجين في العالم. وتتم في أيامنا هذه مناقشة مسألة الأمن الغذائي على نحو محموم بين بلدان مجموعة الثمانية الصناعية المتقدمة.
وضعت الأزمة الأسمدة في دائرة ضوء الشركات، وارتفع سعر البوتاس من أقل من 150 دولارا في عام 2006 إلى قرابة ألف دولار للطن في عام 2008.
تعتمد الزراعة الحديثة بقوة على الأسمدة ـــ فضلا عن الحبوب الأفضل نوعية، بما فيها الحبوب المعدلة وراثيا ـــ لتحسين إنتاج المحاصيل، ومنع المجاعة العالمية التي توقعها النقاد في منتصف القرن الماضي. ويقول فينسنت أندروز، من بنك مورجان ستانلي في نيويورك: ”إن البوتاس، لجميع الأهداف والأغراض، هو الغذاء”.
يأمل العلماء في تحسين المحاصيل على نحو أكثر من خلال الاكتشافات، مثل نشر الخريطة الجينية للقمح خلال هذا الأسبوع، الأمر الذي من شأنه أن يساعد منتجي المحاصيل على تطوير أنواع محسنة.
لسنوات عدة، ازداد استهلاك الأسمدة ببطء، بالتوازي مع النمو في سكان العالم، لكن في أواخر تسعينيات القرن الماضي، وبداية الألفية الجديدة، أسهمت عوامل جديدة في تسارع الطلب ـــ بما في ذلك النمو الاقتصادي السريع للصين والبلدان الناشئة الأخرى، يرافقه طلب أكبر على البروتين مثل اللحم والحليب، وزيادة سريعة في الطلب على الحبوب لتسمين المواشي. وأسهم تطور صناعة الوقود الحيوي، على المستوى العالمي في زيادة الطلب على السلع الزراعية على نحو أكثر، وبالتالي على الأسمدة. وتتوقع منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن يقفز الطلب العالمي على الغذاء بنسبة 70 في المائة بين الوقت الحاضر، وعام 2050، حين يرتفع عدد سكان العالم بنحو ثلاثة مليارات نسمة، إلى أكثر من تسعة مليارات نسمة، الأمر الذي سيزيد الطلب على الأسمدة.
نتيجة لذلك، تبدأ البلدان في النظر إلى البوتاس مثلما تنظر إلى النفط الخام إلى حد كبير: كسلعة استراتيجية تتم مطاردتها.
لكن، مثلما هي الحال مع النفط، فإن مكامن البوتاس ليست منتشرة على نحو مستوٍ. وهناك عدد قليل من البلدان ـــ بقيادة كندا، وروسيا، وبيلاروسيا، وإسرائيل ـــ لديه القسم الأكبر من الاحتياطيات. وتسيطر ثماني شركات على أكثر من نسبة 80 في المائة من الإمدادات العالمية. وتهيمن مجموعتا تسويق على التجارة العالمية –ـــ ”كانبوتكس” لمنتجي أمريكا الشمالية، و”بي بي سي” للمجموعات الروسية والبيلاروسية. إن تركيز الإمدادت يثير القلق بشأن السوق المحكمة، والمشحونة سياسيا. ويقول عنوان رئيس لاهث الأنفاس على الموقع الإلكتروني لصحيفة تشانيا بزنس جورنال الصين: ”إذا اشترت شركة بي إتش بي شركة بوتاسكورب، فهل هي نهاية الزراعة الصينية؟.” ويجادل المقال المرافق للعنوان بالقول: إن من شأن السيطرة الصينية على الصناعة أن تحسن زراعة البلاد ”وقضاياها العظيمة” ـــ ولكن إذا اشترت شركة التنقيب شركة الإنتاج الكندية، فستسيطر على سوق البوتاس ونظام التسعير الخاص بها.
هناك بلدان أخرى تراقب المعركة عن كثب، من الهند، ثاني أكبر مستورد للمعدن، إلى البرازيل، المصدر الرئيس للسلع الزراعية التي تعتمد على إمدادات الأسمدة من الخارج. غير أنه في الصين، حيث تتم إدارة أسواق الحبوب عن كثب لضمان استمرار المزارعين في إنتاج كميات كافية لتغذية العدد المتنامي من السكان، يبدو ذلك القلق أعظم ما يكون. وتنظر بلدان قليلة إلى مسألة الاكتفاء الذاتي في غاية الجدية ـــ في واقع الأمر، كان ذلك أحد الوعود التي أوصلت الحزب الشيوعي إلى السلطة في عام 1949.
يعتمد الوفاء بذلك الوعد على البوتاس جزئيا، السماد الوحيد الذي تفتقر إليه الصين بشدة. وهذا البلد الذي يغذي نسبة 20 في المائة من عدد سكان العالم باستغلال نسبة 7 في المائة فقط من الأراضي الصالحة للزراعة عالميا، في حاجة هائلة إلى السماد.
تضطر الصين، رغم أنها تنتج كمية بسيطة من البوتاس، إلى استيراد نحو نصف احتياجاتها، وهذا اعتماد ”ربما يصبح بمثابة تهديد رئيس على الاقتصاد الوطني المتنامي بسرعة في الصين، والاحتياجات الاستراتيجية طويلة الأجل”، وفقا للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، المؤسسة الفكرية التي تقدم المشورة إلى الحكومة. فلا عجب، بناءً على ذلك، من أن موردها الرئيس للمعدن، ”سينوتشم”، يقول إنها ”تراقب عن كثب” معركة ”بوتاسكورب”، وتشير إلى أن بإمكان المجموعة أن تطلق عرضا معاكسا.
على النقيض من الاندفاع إلى تنفيذ استحواذات في مجال الطاقة والمعادن في إفريقيا، وآسيا، وأماكن أخرى من العالم، فإن قطاع الزراعة في البلاد بقي بعيدا عن دائرة الضوء العالمية على الصعيد التاريخي. لكن حيث تصارع الصين لتحقيق أهدافها من الاكتفاء الغذائي، وفي الوقت الذي تتشدد فيه أسواق الأسمدة، فإنها تتغير. وعملت الحكومة سرا على تشجيع شركات الزراعة التي تملكها الدولة على التوجه إلى الخارج. وكانت ”كوفكو”، شركة تجارة الحبوب، و”سينوتشم”، مجموعة الكيماويات، تطاردان الصفقات الزراعية في الخارج، رغم أنهما تحققان نجاحات مختلفة.
يعتبر عرض ”بوتاسكورب” بمثابة اختبار للكيفية التي تنظر بها الشركات ـــ والبلدان ـــ إلى آفاق عالم لديه إمدادات أكثر شحا من الغذاء. وفي القرن الماضي، كان يتم الرد على القلق بشأن من سيقدم الغذاء إلى العالم من خلال إنجازات عملت على أكثر من مجرد تعويض عدد السكان المتنامي.
لكن إذا أرادت شركة صينية تملكها الدولة أن تزرع علمها في صناعة البوتاس، فمن شأن ذلك أن يشير إلى إدخال المزيد من الميزة التنافسية إلى جيوسياسات الزراعة.

الاقتصادية 17 سبتمبر 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*