وقفات جادة مع الأمن الغذائي في ظل أزمة القمح العالمية الحالية


د. عبدالرحمن عبدالله الصقير*
الرياض 29 اغسطس 2010
يعد القمح الغذاء الرئيس لمعظم سكان الكرة الأرضية، ويتزايد الطلب عليه عالمياً سنة بعد أخرى لأسباب عديدة أهمها الزيادة المستمرة في عدد سكان الأرض وزيادة الطلب على الوقود الحيوي وارتفاع مستوى المعيشة في بعض المناطق. وتحرص معظم دول العالم على توفير الأمن الغذائي لسكانها حيث يعد الأمن الغذائي جزاً مهماً من الأمن الاستراتيجي وأحد وسائل ضمان حرية البلدان في اتخاذ قراراتها. ويقصد عادة بالأمن الغذائي قدرة الدولة على توفير السلع الغذائية الأساسية للسكان بأسعار معقولة. يأتي القمح على رأس السلع الغذائية الضرورية لكثير من المجتمعات وبات تأمينه بأسعار مناسبة يشكل هاجساً مزعجاً لصناع القرار في كثير من الدول. وفي هذه الأيام عادت قضية الأمن الغذائي إلى دائرة الضوء عالمياً من جديد وبشكل ملفت نتيجة ارتفاع سعر القمح المفاجئ وبنسبة قاربت ال 50% في الأسواق العالمية بسبب بعض الكوارث الطبيعية التي حلت ببعض مناطق الإنتاج الرئيسية مثل موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة و الحرائق في روسيا, والأمطار الغزيرة والفيضانات في كندا ومناطق أخرى من العالم, مما أحدث هلعاً كبيراً في الأسواق العالمية حيث أوقفت روسيا تصدير القمح نظراً لانخفاض إنتاجها هذا العام, بل إنها تفكر بالاستيراد وذلك لأول مرة منذ ما يزيد عن عشر سنوات ( يتوقع أن تنتج روسيا هذا العام 60 مليون طن فقط مقابل 97 مليون طن أنتجت العام الماضي), كما أن تفشي مرض صدأ القمح في شرق أفريقيا والقلق من انتشاره إلى مناطق أخرى من العالم يشكل عامل ضغط إضافي يدفع أسعار القمح للمزيد من الارتفاع. و تحفظت كل من الصين والهند اللتين تمتلكان نحو 44% من الإنتاج العالمي على احتياطياتهما من القمح, في حين ازدادت مخاوف الدول المستورة (مصر على سبيل المثال) من حصول أزمة غذائية خطيرة, كما أن ارتفاع سعر القمح سيزيد من الضغط على الدول المستوردة وهي غالباً دول فقيرة وسيرهق ميزانيتها نظرا لتخصيص مبالغ طائلة لدعم هذه السلعة الإستراتجية ، كما قد يؤدي إلى حدوث اضطرابات سياسية واجتماعية في مناطق كثيرة. ويبلغ الاستهلاك السنوي من القمح في المملكة ما يقارب 3 ملايين طن, وبحسب السياسة الزراعية الجديدة سيتم بحلول سنة 2016 توفير كافة احتياجات المملكة عن طريق الاستيراد نظراً للتخلي التدرجي عن دعم إنتاج القمح ضمن إستراتيجية جديدة تعتمد على الحد من إنتاج المحاصيل الحقلية محلياً وتشجيع الاستثمار الزراعي في الخارج لتوفير المنتجات والسلع الزراعية للمواطنين, وهي سياسة انقسم حولها المجتمع الزراعي بين مؤيد ومعارض, و ستعزز الأزمة الحالية وتداعياتها الرأي المتحفظ على سياسة وقف إنتاج القمح والاعتماد كلياً على استيراده من الخارج ، وربما تكون بمثابة جرس إنذار مبكر لخطورة التخلي الكلي عن زراعة وإنتاج القمح محليا.

أصل المشكلة:
شهدت المملكة توسعا كبيرا وقفزة نوعية في المجال الزراعي كنتيجة طبيعية لاهتمام الدولة بهذا القطاع وإدراكها لأهمية الأمن الغذائي حيث تبنت المملكة سياسة دعم المنتجات الزراعية وخصوصا القمح بعد أن لوحت بعض الشخصيات الغربية بإمكانية حظر تصديره للمملكة، وكان الهدف من هذه التلميحات على ما يبدو ممارسة ضغوط على سياسة المملكة النفطية والقومية، ثم توسعت الزراعة وازدهرت حيث دعمت الحكومة القطاع الزراعي عن طريق دعم مدخلات الإنتاج و شراء المنتجات بأسعار تشجيعية وكذلك دعم بعض المحاصيل والتوسع في إنتاجها لأهميتها الغذائية والإستراتيجية.
كان من نتائج سياسات الدعم المتواصل للقطاع الزراعي أن ارتفعت المساحة المحصولية من نحو (15) ألف هكتار فقط عام 1975م لتصل إلى نحو (1.1) مليون هكتار عام 2005م، مما نتج عنه تحقيق الاكتفاء الذاتي من كثير من المنتجات الزراعية كالقمح والتمور وبيض المائدة والألبان الطازجة، كما وصلت في إنتاجها من السلع الزراعية الغذائية الأخرى إلى مراحل متقدمة من الاكتفاء الذاتي، حيث بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي عام 2005م نحو 85% من منتجات الخضار، ونحو 65% من الفواكه، و 48% من اللحوم الحمراء، و 36% من الأسماك، و 55% من لحوم الدواجن , وبالرغم من ذلك فإن المملكة لا تزال تعتمد بشكل كبير على الواردات الغذائية لسكانها. وتعد المملكة من أكبر الدول المستوردة للأغذية في منطقة الشرق الأوسط وعلى مستوى دول العالم، حيث من المتوقع أن تكون وارداتها الغذائية قد تجاوزت 40 مليار ريال في عام 2007م.
وقد أدى القلق من استنزاف المخزون المائي إلى انتهاج سياسة زراعية جديدة تقضي بالتخلي التدريجي عن دعم مزارعي القمح والاعتماد كلياً على الاستيراد لتوفير الكميات المطلوبة منه . وقد عززت الأزمة العالمية الحالية المخاوف من خطورة الاعتماد الكلي على الاستيراد لتوفير حاجة المستهلك المحلي من هذه السلعة الإستراتيجية، وتعالت الأصوات المطالبة بإعادة التفكير بهذا القرار بطريقة عقلانيه غير متشنجة تأخذ في الاعتبار الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والأمن الغذائي والمائي على حد سواء. وقد أدى القرار المفاجئ إلى تكبد مزارعي القمح خسائر فادحة حيث اقترض أغلبهم لشراء المعدات والأجهزة وحفر الآبار واستصلاح الأرض, كما أدى ذلك القرار إلى التفريط في خبرات زراعية مهمة استغرق تكوينها ما يقارب ربع قرن . ولم يكن الجانب الاجتماعي أقل ضرراً؛ فقد تأثرت المجتمعات الزراعية في القرى والهجر سلبياً نتيجة تقلص فرص العمل للمزارعين مما أثر على استقرار تلك المجتمعات وتوطنها وتدهور الخدمات المختلفة الداعمة للمجتمعات الزراعية وهذا أدى بدوره إلى تزايد الهجرة من القرى والأرياف إلى المدن وما لذلك من سلبيات كثيرة . أما ما يتعلق بقضية الأمن المائي ودوره في التخلي عن زراعة وإنتاج القمح فهو موضوع على درجة كبيرة من الأهمية ويحتاج إلى مناقشة مستفيضة مبنية على أسس علمية تأخذ بعين الاعتبار المحافظة على الثروة المائية وتراعي كذالك الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والأمن الغذائي. وفي هذا الصدد لابد من الإشارة إلى أن سياسة المحافظة على المخزون المائي عن طريق وقف زراعة القمح فشلت حتى الآن في تحقيق هدفها حيث اتجه كثير من مزارعي القمح إلى بدائل أكثر استهلاكا ً للماء كالأعلاف والنخيل ما أدى إلى تضاعف استهلاك المياه أربع مرات منذ صدور قرار التخلي عن زراعة القمح ، بالإضافة إلى أن القمح محصول يزرع في فصل الشتاء حيث يقل فقد الماء بالتبخر من التربة والنباتات، وحيث تهطل كميات لا بأس بها من الأمطار خلال هذا الفصل، كما أن دورة حياة القمح قصيرة نسبيا, وبالإمكان زراعة أصناف دورة حياتها اقصر وأكثر تحملا ً للجفاف والملوحة، كما يمكن الاستفادة من المياه الجوفية المتجددة وكذلك المياه السطحية وانتهاج الأساليب الزراعية الملائمة، وإعطاء الأولوية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة والزراعة في المناطق الأقل تأثراً بنقص المخزون المائي، وتناوب الزراعة في المناطق الزراعية المختلفة وغير ذلك من الأساليب والممارسات الزراعية المختلفة. وهذه ليست دعوة للعودة إلى نمط الزراعة العبثية التي كانت سائدة في الثمانينيات الميلادية بل هي لفتة للتعاطي الواقعي مع الشأن الزراعي بجوانبه المختلفة وبخاصة ما يتعلق بزراعة القمح .
إن غياب المعلومة الصحيحة والدقيقة المبنية على أسس علمية راسخة فيما يتعلق بالوضع المائي في المملكة سابقا ً وحاليا من حيث الكم والنوع هو أصل المشكلة التي نعاني منها حاليا ، فعندما تبنت الحكومة في الثمانينات الميلادية دعم الإنتاج الزراعي والتوسع فيه بلا حدود قيل إن ذلك كان مبنيا على أسس علمية دقيقة وموثوقة فيما يخص المخزون المائي، وان شبه الجزيرة العربية تحتوي على كميات هائلة من المياه الجوفية المتاحة الصالحة للزراعة تزيد عن إضعاف ما يحتويه نهر النيل، وأن لا خوف من التوسع في زراعة المحاصيل الحقلية ومضاعفة الرقعة الزراعية، فشهدت المملكة نهضة زراعية غير مسبوقة وتحقق الاكتفاء الذاتي من كثير من الحاصلات الزراعية بل تعدى ذلك إلى تصدير بعض المنتجات الزراعية والحيوانية لبعض الدول المجاورة، غير انه بعد عدة سنوات من ذلك لوحظ بوضوح تأثر المخزون المائي بسبب الاستهلاك المفرط وغير المدروس فغارت مياه الآبار وجف كثير من العيون وتعالت الأصوات بضرورة التوقف عن هدر المياه واستنزافها، واتهمت الزراعة والمزارعون بالتسبب بتعريض البلد لكارثة مائية خطيرة إذا استمر استنزاف المخزون المائي بنفس المعدل، فبدأت رحلة العودة وتقليص النشاط الزراعي بشكل سريع وغير مدروس، وتوج ذلك بالقرار المفاجئ بالتخلي التدريجي عن دعم القمح المحصول الاستراتيجي الأول وهو ما قوبل باستغراب شديد ولا تزال أصداؤه تتردد حتى الآن، وعززت الأزمة الأخيرة المخاوف من تأثر المخزون المحلي من هذه السلعة الإستراتيجية. والواقع أنه ليس من الإنصاف تحميل القطاع الزراعي المسؤولية الكاملة عن استنزاف المخزون المائي (هذا إذا افترضنا صحة المعلومات المتعلقة بالوضع المائي) فهناك سلسلة من الأخطاء ارتكبت منذ البداية و أدت إلى الوصول إلى الوضع الراهن وسأتعرض لها بشكل موجز حيث يمكن إجمالها بما يلي:
غياب الدراسات الهيدرولوجية والهيدروجيولوجية التفصيلية اللازمة لتدعيم وتحديث قاعدة بيانات المياه. وهذه خطوة إستراتيجية كان من الضروري القيام بها منذ البداية وقبل التوسع الكبير في النشاط الزراعي الذي بدأ في الثمانينيات، وهذا أدى إلى تخبط شديد في الخطط الزراعية القديمة واللاحقة.
عدم وجود خطة وطنية واضحة للمياه تأخذ في الاعتبار أن المياه في المملكة – بحكم ظروفها المناخية والبيئية – تعد أكثر الموارد أهمية بين الموارد الطبيعية كافة حيث تعتبر ندرة المياه العذبة بالمملكة من بين أهم المعوقات التي تواجه التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
نقص الكوادر الفنية الوطنية المدربة في مجال موارد المياه و التقنيات الحديثة للمياه، وهذا خطأ جسيم في بلد صحراوي يتميز بشح الموارد المائية مما يتطلب التعامل مع هذا المورد الطبيعي الذي لا يقدر بثمن وفق أسس علمية راسخة بعيدا عن المبالغة والتهويل.
عدم وجود إستراتيجية زراعية واضحة وواقعية تأخذ في الاعتبار الظروف البيئية والمناخية التي تتصف بها المملكة وتؤسس لنهضة زراعية تتلاءم وظروف المملكة ومواردها الطبيعية.
إغفال الجانب العلمي وغياب الأبحاث العلمية المتعلقة بموارد المياه والتقنيات الحديثة المستخدمة في دراسة مصادر المياه وطرق ترشيد استخدامها في المجالات المدنية والزراعية ووسائل وأساليب الزراعة الملائمة للبيئة المحلية.
التأخر والبطء الشديد في استغلال المصادر الأخرى للمياه خصوصا مياه الصرف الصحي المعالجة مما أدى إلى هدر كميات هائلة من المياه كان من الممكن أن توجه للاستخدام المدني والزراعي وبالتالي تقلل الضغط على المياه الجوفية.
أخيرا.. إن تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار الخارجي في شتى المجالات بما في ذلك المجال الزراعي، وتسهيل الإجراءات وتذليل المصاعب التي تواجه المستثمر المحلي في الخارج لهو مطلب رئيسي وأمر في غاية الأهمية، ويشكل رافدا ً مهما ً للاقتصاد الوطني، كما أن تحقيق الأمن الغذائي قضية في غاية الأهمية ولا تقل في أهميتها عن الأمن المائي إذ ليس بالماء وحده يعيش الإنسان فهاهي بعض الأقطار الإفريقية تتضور جوعا ً في حين أنها تمتلك الكثير من الأنهار والبحيرات العذبة. إن أزمة القمح العالمية الحالية ( وهي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة) تسلط الضوء على هشاشة الوضع الغذائي العالمي وتدق ناقوس الخطر من الاعتماد الكلي على استيراد القمح، وهذا يتطلب إعادة النظر في سياسة التخلي الكلي عن زراعة وإنتاج القمح، وتستدعي التفكير بأساليب وخطط ملائمة لإنتاج كميات تحقق قدرا ً معقولاً من احتياجات السوق المحلي وتوفر نسبة من الأمن الغذائي لهذه السلعة الإستراتيجية مع الأخذ بعين الاعتبار المحافظة على مصادر المياه.

كلية الزراعة والطب البيطري – جامعة القصيم*

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*