هل ما زلنا قادرين على إنقاذ البشرية ؟

هل ما زلنا قادرين على إنقاذ البشرية ؟
كويشيرو ماتسورا*
النهار اللبنانية 2\2\2008
لقد ورثنا كوكباً واحداً. لكن ماذا فعلنا به؟ الأرض هي اليوم إرث في خطر، والجنس البشري نفسه في خطر أيضاً.

نشرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (الأونيسكو) منذ وقت قصير “لنوقّع السلام مع الأرض” (ألبين ميشال/ منشورات الأونيسكو)، مجموعة المختارات الثالثة من سلسلة “حوارات القرن الحادي والعشرين” التي تجمع تحت إشراف جيروم بيندي، نحو 15 عالماً وخبيراً من الطراز الأول مثل بول كروتزين ونيكولا هولو وخافيير بيريز دو كويلار وميشال سيريس ومصطفى طلبة ودومينيك فوينييه وإدوارد أو. ويلسون. فقد أجرينا بالتعاون معهم تصويراً إشعاعياً استشرافياً للأزمة البيئية العالمية مرفَقاً باقتراحات عملية للتحرّك نختصر أهمها في هذا المقال.
هل أدركنا، حتى بعد التقارير الموجزة الأخيرة لـ”مجموعة الخبراء الحكومية حول تطور المناخ” ومؤتمر بالي، حجم التحديات الهائلة التي سيتعيّن على البشرية أن ترفعها، في حين أن الوقت يداهمها؟ لن أتوقّف كثيراً عند التشخيص. التغيّر المناخي، التصحّر، أزمة المياه العالمية، انحسار الغابات، تدهور المحيطات، تلوّث الهواء والتربة والمياه والبحار، التأكّل المتسارع للتنوّع الأحيائي: اللائحة، ويا للأسف، معروفة.
وقد بدأنا للتو قياس التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية لهذا الوضع بالأرقام. فقد تضاهي كلفة حربنا على الكرة الأرضية كلفة حرب عالمية، كما ذكّر تقرير سترن. وبعد الحرب على الطبيعة، أليس هناك خطر بأن تقع حرب حقيقية نتيجة النقص المتزايد في مصادر الطاقة الأحفورية والموارد الطبيعية، وارتفاع عدد اللاجئين البيئيين إلى 150 إلى 200 مليون لاجئ كما تتوقّع الدراسات الاستشرافية؟
لكن ما نعتبرها مشكلات – بدءاً من التغير المناخي – ليست مشكلات بقدر ما هي عوارض. المشكلة الحقيقية في الواقع هي النمو المادي في عالم محدود الموارد، والتي تحدّث عنها تقرير “حدود النمو” الذي أصدرته مجموعة “نادي روما” عام 1972. لكن دنيس ميدوز، الذي شارك في وضع هذا التقرير، يقول لنا إنه في عام 1972 “كانت البشرية من دون حدود إمكانات الكرة الأرضية، أما الآن فقد تخطّينا هذه الحدود”، وتشهد على ذلك البصمة البيئية للجنس البشري التي قاسها فريق ماتيس واكرناغل. فعام 1972، كنا قد استنفدنا 85 في المئة من هذه الحدود. أما الآن فالاستهلاك البشري للموارد يقع عند حدود الـ125 في المئة من المستوى القابل للاستدامة في المدى الطويل.
إذاً هل ما زلنا قادرين على إنقاذ البشرية؟ أجل، هذا ممكن، من دون أن نحول دون تطوّر الجنس البشري ومكافحته للفقر. ومن أجل تحقيق ذلك، يجب أن نجمع ما بين النمو والتنمية المستدامة بدلاً من أن نضع الواحد في مقابل الآخر.
لكن كيف؟ نحتاج إلى مزيد من العلوم والاعتدال في الاستهلاك، وإلى مادّة أقل، وإلى مزيد من الملموس والأخلاقيات والسياسة، وليس أقل: نحتاج تالياً إلى عقد آخر، عقد طبيعي وأخلاقيات للمستقبل.
مزيد من العلوم أولاً. يظن كثر أن العلوم التكنولوجية هي العدو. لكن اليد التي تجرح هي أيضاً اليد التي تشفي. لن نتمكّن من إنقاذ الكرة الأرضية وضيفها أي الجنس البشري، إذا لم نبنِ “مجتمعات معرفة” تعطي الأولوية للتعليم والبحوث. ففي مواجهة تحدّيات التنمية المستدامة، يجب أن نعزّز قدرتنا على الاستباق والاستشراف. من جهتها، تبني الأونيسكو منذ عقود قاعدة عالمية من المعارف عن البيئة والتنمية المستدامة، في وقت لم تكن سوى قلة قليلة تعي المشكلة! فمنذ عام 1949، أطلقت الأونيسكو الدراسة الدولية الأولى عن المناطق القاحلة؛ ومنذ عام 1970، أنشأت برنامج “الإنسان والمحيط الحيوي”، وتشكّل برامجها العلمية العالمية حول المحيطات والعلوم الجيولوجية موارد فريدة من نوعها. وقد نهلت “مجموعة الخبراء الحكومية حول تطوّر المناخ” الكثير من قاعدة المعلومات هذه، التي يجب الاستمرار في إغنائها والإضافة إليها في المستقبل.
مزيد من الاعتدال: يتعيّن علينا أن نبتكر أنماط استهلاك أقل إنفاقاً للمال وأكثر فعالية. فهل من خيار آخر أمامنا مع امتداد أنماط التنمية والاستهلاك الغربية باتجاه الاقتصادات الناشئة في الجنوب؟ سنحتاج إلى ثلاث أو أربع كرات أرضية إذا امتدّت أنماط الاستهلاك الحالية في أميركا الشمالية كما هي إلى باقي الكرة الأرضية.
مادّة أقل: يتعيّن علينا أن نجعل الاقتصاد والنمو أقل ارتكازاً على المادة. لأنه هل يمكننا وقف النمو؟ على الأرجح لا. ما الحل إذاً؟ يجب أن نحدّ من استهلاك الموارد الطبيعية والمواد الأولية في كل وحدة من وحدات الإنتاج الاقتصادي، سواء تعلّق الأمر بالطاقة أو المعادن الفلزية والخام، أو المياه أو الأخشاب. لقد بدأت عملية تحوّل الاقتصاد نحو اللامادّة، من خلال الثورة التي تستبدل الذرات بوحدات التعداد (بيت) والتي هي في أساس التكنولوجيات الجديدة ومجتمعات المعرفة. ومن شأن الحد من اعتماد الاقتصاد على المادة أن يحفّز أيضاً التنمية في بلدان الجنوب، إذا تعهّدت بلدان الشمال بأن تحدّ من اعتمادها على المادة أكثر بقليل من بلدان الجنوب طوال 50 عاماً تقريباً.
لكن التحوّل الأكبر في مجتمعاتنا يجب أن يكون في أنماط سلوكنا وتصرّفاتنا: كيف نحدّ من اعتماد الإنتاج على المادة إذا بقينا ماديين؟ كيف نخفّض استهلاكنا إذا كان المستهلك في داخلنا يلتهم المواطن؟ وسيكون التثقيف على التنمية المستدامة رافعة هذا التحوّل.
مزيد من الملموس: من أجل ردم الهوة بين طوبى واستبداد المدى القصير، نحتاج إلى مشاريع ملموسة وواقعية، بما في ذلك على الصعيد الدولي. مثال على ذلك: التنوّع الأحيائي: من أجل المحافظة على المناطق البيئية الأربع والثلاثين التي تُعتبَر الأكثر أولوية ولا تغطّي سوى 2.3 في المئة من المساحة البرية للكرة الأرضية إنما تؤوي 50 في المئة من الأنواع المعروفة من النبتات القَنَوية و42 في المئة من الثدييات والطيور والزواحف والبرمائيات، نحتاج إلى حوالى 50 مليار دولار، أي أقل من 0,1 في المئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي.
عقد طبيعي: كي لا نبقى طفيليّي الأرض، يجب أن نوافق على توقيع معاهدة سلام جديدة مع الطبيعة. كان لدينا العقد الاجتماعي الذي يربط بين البشر، أما الآن فيجب أن نقيم رابطاً بيننا وبين الطبيعة. قد تبدو الفكرة غريبة بالنسبة إلى البعض، لكنها تتمة منطقية للوعي البيئي. إذا كنا نحافظ على أنواع معيّنة، وعلى مناظر في متنزهات طبيعية، فهذا يعني أننا نجد شيئاً فشيئاً في الطبيعة كياناً له حقوق بكل معنى الكلمة. إما أن تكون ديموقراطية المستقبل الحقيقية استشرافية أو لا تكون: وفي هذه الديموقراطية، تمدّ أخلاقيات المستقبل التي تفرض علينا أن نورث أولادنا عالماً يمكن العيش فيه، جسراً ما بين الاقتصاد والبيئة، بين النمو والتنمية المستدامة.
*المدير العام للأونيسكو .

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*