العالم العربي لا يستطيع إطعام سكانه

سمير التنير

بعد الاستثمار الزراعي الأداة الفاعلة والمحركة لسماد التنمية الزراعية في الوطن العربي. خاصة أن زيادة الاستثمارات لها ارتباطات موجبة بمعـدلات النمو الاقتصادي. كما أن رفع حجم وكفاءة الاستثمار الزراعي من شأنه أن يؤدي الى زيادة الإنتاج في القطــاعات الزراعية ويساهم في الحد من الواردات، وتحســين الميزان السلعي الزراعي وميزان المدفوعات، مما ينعكس إيجــاباً على الهدف الغذائي العربي على جميع مستوياته القطرية والقومية.
يعد القطاع الزراعي أحد القطاعات الأساسية في البنيان الاقتصادي لعدد كبير من الدول العربية. وتنــبع هذه الأهمية من اعتباره المصدر الأساسي لتوفير فرص العمل للغـالبية العظمى من السكان وتلبية احتـياجاتهم من السلع الغذائية، إضافة الى ما سبق فإن القطاع الزراعي يساهم في توفير العمالة للقطاعات الإنتاجية والخدمية الاخرى، ويوفر المواد الخام اللازمة للعديد من الصناعات. كما يعتبر الإنتاج الزراعي عنصــراً هامـاً في تركيبة الصادرات لمعظم الدول العربية بما يوفره من موارد وعملات أجنبية تساعد على تعزيز مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وفي إطار البرامج القطرية لتحسين الإنتاجية، فإنه عادة ما تقدم هذه كحزمة متكاملة يتم تطبيقها باستخدام ما يتوافر من تقنيات إنتاجية ملائمة، اذ تعتبر المحددات الخاصة بالمستوى التقني المستخدم في الزراعة من أهم عوامل انخفاض الإنتاج والإنتاجية الزراعية. وقد أوضحت الدراسات المتخصصة في هذا المجال عدم كفاية وكفاءة مستلزمات الإنتاج المطلوبة لزيادة الإنتاج والإنتاجية في العديد من الدول. حيث هناك ندرة في إنتاج وتوفير أصناف البذور المحسنة العالية الإنتاجية والمقاومة للأمراض الزراعية. كما هناك قصور في استخدام الأسمدة الكيماوية والبذور الزراعية، بالإضافة الى عدم ملاءمة العديد من الآلات لاحتياجات الزراعة العربية، كما أنها لا تتوافر في غالبية الأحوال الزراعية المطرية التي تمثل الشق الأكبر من الزراعة العربية.
باشرت الدول العربية مهام البناء التنـموي في إطار برنامج الإعمار وخطط التنمية خلال عقدي الخمسينيات والستينيات في بيئة اتسمت بالاستقرار الاقتــصادي وارتفاع في معدلات النمو. غير أن الحرب العربية الإسرائيلية في عام 1967 وما تبعها من إنفاق عسكري، أثر سلباً على معدلات النمو طيلة الأعوام المقبلة. ورافق ذلك لغير صالح الدول النامية، ما أدى الى زيادة المديونية وتفاقم معدلات نمو الدين واختلال التوازن الداخلي والخارجي في أغلب هذه الدول.
يظهر من تحليل المؤشرات الرسمية لنمو الفجوة الغذائية في الوطن العربي، أن هذه الفجوة شهدت في العقدين الماضيين تطوراً دراماتيكياً، اثر تحول جميع الأقطار العربية الى بلدان مستوردة، وان بنسب متفاوتة للسلع الغذائية. وانه في أفضل التوقعات، المتسمة بالتفاؤل الشديد سيكون إنتاج الغذاء في هذه الأقطار (واستيراده) رهن الظروف والمناخات الاقتصادية والسياسية المتحكمة بسوق الغذاء العالمية. مما يعني أن أمنها الغذائي وفي شكل أشمل اقتصادها، ومن ثم استقرارها السياسي، سيكون عرضة لاحتمالات شتى، تنطوي على مخاطر كبيرة جداً وهذا ما يجعلنا نؤكد على أهمية تحصين الموقف الزراعي العربي، تحقيقاً لمبدأ الاكتفاء الذاتي.
الزراعة في البلدان العربيــة كقطاع إنتاجي، أو كنمط معيشي ليست مكيفة على الإطــلاق، مع مــا يقتـضيه الحد الأدنى من مستلزمات الحاجات الغذائية وضرورات النمو الاقتصادي. والنتيجة التي نصل إليها، هي أن الأقطار العربية ستصبح في عصرنا هذا في وضع تبعي تام لمزروعات الدول المتقدمة. وتجليات هذه المســألة ستـظهر في تصريف المنتجات الزراعية العربية واستيراد الاحتياجات الغذائية الضرورية، خصوصاً أن الأرقام الإحـصائية تشير الى ان الاتســاع التدريجي لدائــرة هــذه الاحتياجات بات يؤمن عن طريق استيرادها من الخارج.
تحت تأثير التزايد السكاني المرتفع الذي جاء متقدماً كثيراً عن الزيادة في الإنتاج الزراعي المحلي، ارتفعت وتيرة الواردات من الأسواق الخارجية الى ان باتت تشكل نسبة الصادرات إليها عام 1985 نحو 13% وقد بلغت قيمة الواردات في ذلك العام نحو 20 مليار دولار. وبذلك تحولت الأقطار العربية بلداناً مستوردة للغذاء بنسب لا مثيل لها من قبل. ولا شك في أن مجموعة متغيرات أثرت في اتساع هذه الفجوة. فإلى جانب تزايد النمو السكاني مقابل التباطؤ في الإنتاج الزراعي ظهرت تغيرات جسدت تفاوتاً في توزيع الدخل لمصلحة الشرائح المنخفضة الدخل التي بدا لها ميل حدي للاستهلاك الكثيف.
تجدر الإشارة الى ان ما يقال عن المقومات التي تصنف في خانة التحديث كعوامل تعــترض نهــوض الزراعة العربية. فإننا رغــم وجاهة هذه العوامل نجزم بأن الأمر يعود الى عدم تحقيق التكامل الاقتصادي العربي، ورغم ما يقال عن تفاوت المساحات الصالحة للزراعة بين قطر عربي وآخر، أو القدرات الاخـرى المتمثلة بالعمالة المتخـصصة، فإننا نرى أن هذه القضايا ما كانت لتظــهر لو اعتمدت الأقطار العربية مبدأ التكامل الزراعي في ما بينها نظراً الى ما تملكه مجتمعة من موارد إنتاجية ضخمة سيؤدي استخدامها الواعي والمسؤول الى تحقيق فائض كبير في الإنتاج الزراعي.

السفير 23/08/2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*