الأمن الغذائي العربي .. يا قلبي لا تحزن

منتصر حمادة
الاقتصادية 6 اغسطس 2010

ــ يزداد التصحر في المنطقة العربية بسبب سوء أحوال مناخ وارتفاع عدد السكان وسوء إدارة الأراضي، مما يفاقم من مشكلات إمدادات الغذاء في الدول العربية، وعلى ذمة وديد عريان، من ”المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة”، فإن التصحر يهدد 20 في المائة من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الجافة، مما يدفع دولا كثيرة للاستثمار في الأراضي الزراعية في إفريقيا لتوفير الغذاء للأعداد المتزايدة من السكان.
ـ تُعتبر مصر أكبر مستورد للقمح في العالم بأسره، وليس فقط في الوطن العربي.
ــ ازدادت الصادرات العربية من مجموعات السلع الغذائية الرئيسة من تسعة مليارات دولار ونصف عام 2007 إلى 11 مليار دولار ونصف عام 2009.
ــ الدول العربية والقارة الإفريقية في حاجة إلى استثمارات تُقارب 60 مليار دولار على الأقل، لتأمين إمدادات غذاء كافية. (وقد تكون أحد أهم استحقاقات هذه الاستثمارات، ما تقوم به بعض الدول العربية بخصوص تفعيل الاستثمار الزراعي في السودان تحديدا، والتي تُلقب لدى خبراء الشرق والغرب على حد سوءا بأنها ”سلة غذاء” المنطقة. ويوجد على رأس هذه الدول السعودية وقطر ومصر وليبيا وسورية والأردن).
ــ من المتوقع أن يضُر التصحر بمصر بشدة، لاعتبار بدهي، مفاده أن أغلب سكان البلاد البالغ عددهم 77 مليون نسمة مستقرون في شريط من الأرض الزراعية بطول ضفتي نهر النيل والدلتا الخصبة.
ــ تصل نسبة ما يستورده العالم العربي من الخارج إلى حدود 45 في المائة من حاجاته الغذائية.
وتُجمع الأرقام ذاتها الواردة في تقارير المنظمات العربية والدولية (سواء كانت منظمات تابعة للجامعة العربية أو تقارير ”منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة” FAO)، على تمرير صورة لا تبعث على الارتياح بالنسبة لواقع القطاع الزراعي، فالمساحة الخاصة بالأراضي المزروعة لا تتجاوز 5 في المائة من مجمل مساحة العالم العربي، ونسبة الاستثمارات في القطاع تصل إلى حدود 9 في المائة من إجمالي الاستثمارات العربية في القطاعات الإنتاجية الأخرى، كما تسهم الزراعة بنحو 13 في المائة من الإنتاج المحلي للوطن العربي، على رغم اشتغال معظم اليد العاملة في هذا المجال.
ومن المبادرات الدالة في هذا الصدد، أن تلجأ إدارة ”منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة” إلى تمويل مشاريع اصطُلِح عليها أنها تُمثل ”أدنى أشكال الفقر: العيش على الطحالب”، بسبب شح الأمل في تمويل الزراعة، وهذا عين ما يقوم به بعض الفقراء الذين يقتاتون على ما تعتبره منظمة الأغذية والزراعة ”مُنتجٌا طبيعيٌّا أصليّا غنيٌّا بالمغذّيات”، كما أن الطحالب، في رأي المنظمة، ”تعد بمستقبلٍ من الأمل والحياة الأفضل خاصةً للنساء الفقيرات اللواتي يَحصدّنها على حافة بحيرة تشاد، وقد يكون بمثابة مساهمة مهمة ذات يوم في مُحاربة سوء التغذية المُستشري في عديد من المناطق الفقيرة”، وخاصة في القارة الإفريقية، كما هو جلّي مع الحالة التشادية، حيث تختلط اعتبارات بيئية واقتصادية/ مادية تغذي الرهان على هذا المشروع/ الخيار.
ويقف مشروع أشرفت عليه ”الفاو” منذ عام 2007 في تشاد نموذجا، وراء تلقين نساء المنطقة أساليبٍ أعلى كفاءةً وصِحيّة لإنجاز هذا النشاط، وكيفيّة مُعالجة وتغليف وتسويق هذا المُنتج على النحو الأمثل. وأقرّ مُنسِّق المشروع في تشاد الخبير مَهمات سورتو، أن ”عشرة أطنان من أحد أنواع الطحالب، قد أنتجت بالفعل وتُباع حالياً عبر الصيدليات ومَحال البقالة في عموم البلاد”، بما تبلغ قيمته الكليّة نحو 80 ألف دولار من الأرباح لفائدة نحو 500 امرأة”. ويضيف مُنسِّق المنظمة أنه ”في الإمكان زيادة كَم الإنتاج عشرة أضعاف، بلا إخلالٍ بالتوازن البيئيّ الدقيق الذي يَسمح للطحالب بالنمو في ظل الظروف الطبيعية السائدة”.
نطلّع بشكل دقيق على أحد أهم مفاتيح مواجهة إكراهات تحقيق الأمن الغذائي، في ثنايا أشغال التقرير الأخير الذي صدر عن ”المنظمة العربية للتنمية الزراعية” حول أوضاع الأمن الغذائي العربي للفترة ما بين عامي 2007 – 2009، والذي قُرىء على الحضور المشارك في أشغال الدورة الحادية والثلاثين للجمعية العامة للمنظمة العربية للتنمية الزراعية على مستوى الخبراء في الجزائر، التي عقدت في غضون نهاية نيسان (أبريل) الماضي، وهي الدورة التي كانت مناسبة لمتابعة مدى تنفيذ استراتيجية التنمية الزراعية العربية المستدامة للعقدين القادمين ومعها ”إعلان الرياض” المتعلق بتعزيز التعاون العربي لمواجهة أزمة الغذاء العالمية.
نقرأ في التصريحات الصريحة التي أدلى بها المدير العام للمنظمة طارق بن موسى الزدجالي، أنه ”يتعين على الدول العربية بذل مزيد من الجهود والتعاون والتنسيق وتبادل الخبرات في مجال الزراعة والتنمية الفلاحية، لتحقيق اكتفائها الذاتي والتخلص من التبعية لدول أجنبية”، مضيفا أن ”الدول العربية تتمتع بإمكانات زراعية هائلة وتتوافر على احتياطي كبير من المياه والأنهار بما يسمح لها بتوسيع النشاط الزراعي ورفع منتوجها من الحبوب والسلع الزراعية”.
قلّما تطرق مسؤول عربي في القطاع الزراعي لأحد أهم أعطاب هذا القطاع، مثلما صدر في هذا التصريح بالذات، حيث التوقف غير المباشر ـ بيت القصيد ــ عند مفارقة ميدانية دالة:
ــ فمن جهة، نحن أمام منطقة عربية، يُجمع الكل على أنها ”تتمتع بإمكانات زراعية هائلة، وتتوافر على احتياطي كبير من المياه والأنهار بما يسمح لها بتوسيع النشاط الزراعي ورفع منتوجها من الحبوب والسلع الزراعية”!
ـ ومن جهة ثانية، وعلى الرغم من نقاط القوة الزراعية سالفة الذكر، ثمة مطالب للحضور المسؤول بالاجتهاد أكثر في ”التخلص من التبعية لدول أجنبية”.
ولا تخرج ”فلسفة” أو ”مقاصد” هذه التوصية عن معالم التعريف الواضح الذي حدّده إعلان المنظمة العربية للتنمية الزراعية الصادر في تونس في كانون الثاني (يناير) 1996 (وليس 2010)، اللصيق بمفهوم الأمن الغذائي العربي، حيث حدّده الإعلان كما يلي: ”توفير الغذاء بالكمية والنوعية اللازمتين للغذاء والصحة، بصورة مستمرة لكل أفراد الأمة العربية اعتمادا على الإنتاج المحلي أولا، على أساس الميزة النسبية لإنتاج السلع الغذائية لكل دولة عربية، وإتاحته للمواطنين العرب بأسعار تتناسب مع دخولهم وإمكاناتهم المادية”.
ولتفكيك المسكوت عنه في ”التوصية الأهم” الخاصة بحتمية ”التخلص من التبعية لدول أجنبية”، يجب التذكير بأنه مباشرة بعد حصول أغلب الدول العربية على استقلالها السيادي (وبالتالي السياسي والأمني والاقتصادي..)، سارعت إلى القيام بإصلاحات زراعية، لولا أن هذه الإصلاحات انطلقت عرجاء بسبب عدم نشاط السوق الداخلية، وأيضا بسبب تخلف المدن عن المواكبة، إضافة إلى إصرار أغلب الدول العربية القطرية على تبني سياسة الانغلاق على المحيط الإقليمي مقابل الانفتاح على المحيط الخارجي (ونستحضر هنا على الخصوص، التبعات العربية لعقود من الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وانقسام عديد من الدول العربية على موالاة هذا الحلف أو ذلك).
وتلت هذه الإصلاحات المعطوبة، مشاريع وبرامج الهيكلة التي طالت على الخصوص القطاع الزراعي، بدعم وتأطير من طرف البنك الدولي، تحت اسم ”الثورة الخضراء الكبرى”، ونلخص أهم معالمها في نقاط ثلاث:
ـ تصدير الخضراوات والفاكهة الطازجة للسوق الدولية من أجل تغذية المدن الصناعية الغنية، مقابل الحصول على العملة الصعبة. (في الحالة المغربية مثلا، ومنذ عقد ونيف، انتقل المزارعون المغاربة في منطقة الغرب ـ وهي أخصب منطقة زراعية على الإطلاق، بدليل أنها تضم مدينة القنيطرة التي تلقب بالعاصمة الفلاحية للمغرب ـ من تصدير الخضراوات والفواكه، نحو هجوم رجال أعمال إسبان على سهول المنطقة، وكرائها بثمن بخس مقابل تفعيل الاستثمار الزراعي، الذي أفاد صناديق الحكومات المتعاقبة على حساب المزارعين والفلاحين في المنطقة).
ــ توريد الحبوب والزيوت النباتية ومشتقات الحليب المدعومة أساسا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، خصيصا للمنافسة الدولية، وبيعها للسوق العربية بأقل من تكلفتها الحقيقية بخلاف سعرها المرتفع في أسواقها، بهدف فرض وتكريس منطق التبعية الغذائية التي حذّر منه لقاء الجزائر سالف الذكر، بما يؤكد أهمية ودلالات تمرير هذه التوصية في أعمال للجمعية العامة للمنظمة العربية للتنمية الزراعية.
ــ وأخيرا وليس آخرا، توريد الأسمدة والمبيدات الكيماوية والبذور المعدلة جينيا، بهدف تقييد المزارعين بعجلة شركات الغذاء الكبرى.
وكانت أبرز خلاصات هذه النقاط الثلاث، أنه؟؟؟؟؟ لم فقط؟؟؟؟؟ محو أثر الإصلاحات الزراعية العربية السابقة؛ بل تورطت أغلب الدول العربية في مسلسل من اتفاقيات شراكة حرة مع الاتحاد الأوروبي، من دون أن تلتزم بها دول الاتحاد إلى غاية اللحظة، في البند الأهم الخاص بإلغاء دعم مزارعيها، كما وقعت أغلب الدول العربية أيضا على اتفاقيات منظمة التجارة العالمية.
أما الأدهى عربيا، فتمَّ مع تبعات توقيع الدول العربية على اتفاقية السوق التجارية العربية التي دخلت حيز التنفيذ عام 2005، ولكن في اتجاه معاكس لآفاق التعاون والشراكة، حيث إنها بدل أن تسهم الاتفاقية في تفعيل مشاريع التنسيق، انتهت إلى التأسيس لنوع من المضاربات الواسعة بين المزارعين العرب، من الذين ينتجون المنتجات نفسها من الخضراوات والفواكه (كما هو الحال بين المغرب وتونس مثلا). وبالنتيجة، أدت هذه المضاربات إلى كساد منتجات صغار المزارعين وغرقهم في الديون، واضطرار قسم كبير منهم إلى بيع أرضه للمالكين العقاريين. (وواضح أن هذا الوضع أسهم في تغذية سوق البطالة، وتقليل نسبة الإنتاج الزراعي وأسهم بالضرورة في خدمة مشاريع التبعية الغذائية المنتجات، بما يخدم سيناريو تحويل الفقراء إلى ما يُشبه ”قنابل بشرية” قابلة للانفجار، أي اختصار الطرق للاصطدام باضطرابات أمنية تهدد الاستقرار الاجتماعي).
صحيح أنه لا يمكن اختزال معضلة الأمن الغذائي بإجماع أغلب الخبراء العرب الغيورين، فقط في موضوع التبعية الغذائية للغرب، أو مآزق الشراكات والاتفاقيات، وغياب التنسيق العربي المشترك، وفي أحسن الأحوال، تواضعه مع ما هو مرجو ومُنتظر من الشارع العربي، ولكن نضيف فوق هذه العوامل، واقع السياسات الحكومية المباشرة التي أصبحت مطالبة أكثر من أي وقت مضى، بأن تتبنى مشاريع استراتيجية بنيوية، وليس مشاريع ظرفية ترقيعية في معرض مواجهة تحديات الأمن الغذائي العربي، من منطلق أنه يجب التعامل مع تأمين الغذاء على أساس أنه مركز أساسي في السياسات التنموية في الوطن العربي، وأنه بمقدار ما تتعامل هذه السياسات مع قضية التنمية بوصفها تنمية بشرية شاملة ـ وليس مجموعة إجراءات اقتصادية ـ بمقدار ما يمكن تلمس النتائج الخطرة من تفاقم مشكلات الغذاء ووضع تصورات للتصدي لها.
ويمكننا أن نضيف أيضا حتمية الأخذ في الحسبان أن أحد عوامل تخلف الزراعة والإنتاج الزراعي في المنطقة العربية، مرتبط بشكل لصيق بضعف استخدام التقنية اللازمة لتطوير هذا القطاع. ويحدث هذا في ظرفية زمنية عالمية تتميز بالخدمات الكبيرة التي تقدمها ثورة التكنولوجيا والعلوم لتقدم الإنتاج الزراعي، وخاصة عبر استخدام الوسائل الحديثة في كل ما يحتاج إليه القطاع، من الآلات الحديثة، إلى البذور والمواد الكيماوية، مع الأخذ في الحسبان في الجزئية العلمية الخاصة بموضوع اللجوء للبذور والمواد الكيماوية، مخاطر التطرف في استعمال المواد الكيماوية. وتعج المكتبات الغربية وحتى بعض المؤسسات العلمية العربية بدراسات صادمة في هذا الصدد، بل إننا نطلع على انتقادات غربية للشركات الغربية تؤسس مشاريعها التوسعية وشبه الاستعمارية على الترويج المفرط لاستعمال البذور المعدلة جينيا والمواد الكيماوية تحديدا. ونستحضر هنا أعمال الناشط البريطاني الشهير إدوارد جولدسميث، مؤسس علم البيئة السياسي، والذي كان صريحا وصادما في آن، عندما خاطب المتتبع العربي عبر أحد المنابر الثقافية البيئية، وحذّر بدوره من ”المعركة الدائرة حول المساعدات بالبذور والأسمدة، تعتبر في الواقع معركة بين نموذج غذائي يعتمد على تعدد أنواع البذور وبين نموذج غذائي آخر تتحكم فيه الشركات الكبرى ومجالس الإدارة ورجال الأعمال في الغرب، بدعم من الحكومات، لعولمة الغذاء الصناعي في السوق الدولية”، في تقاطع واضح مع ”التوصية الأم” الواردة في أشغال الجمعية العامة للمنظمة العربية للتنمية الزراعية، أي حتمية ”التخلص من التبعية لدول أجنبية”. وهي التوصية المعرضة للتكرار والاجترار، إذا أصر صناع القرار السياسي وبالتالي الزراعي في المنطقة العربية، على عدم وضع استراتيجيات تنموية زراعية بعيدة المستوى، تخدم الصالح العربي المشترك، وتسحب البساط على الخصوص عن لائحة من الأسباب المغذية لولادة اضطرابات أمنية مستقبلية، ما دام العقل العربي المعاصر في شقه ”الزراعي” على الأقل، يُجمع على أن تحقيق الأمن الغذائي العربي يخدم الأمن العربي الصرف، بكل تداعيات ومقتضياته، ولعل حصد هذا الإقرار، يُجسّد أولى محطات وضع استراتيجيات تُحقق الأمن الغذائي العربي المشترك.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*