التبعية الغذائية في الوطن العربي

الرياض 16 يوليو 2010
عبدالجليل زيد المرهون

أصدرت الأمم المتحدة تقريراً جديداً، تناول وضع السكان والغذاء في 77 دولة، بينها معظم أقطار الوطن العربي والشرق الأوسط. وقد انتهى التقرير الأممي إلى نتائج مزرية، تشير إلى درجة كبيرة من التبعية الغذائية، تعيشها غالبية البلدان العربية، كما العديد من بلدان العالم الثالث.
ويوضح التقرير، الذي حمل عنوان “مؤشر الاكتظاظ السكاني”(overpopulation index)، مستويات الاستهلاك الفردي للأراضي المنتجة حيوياً؛أي الأراضي المنتجة للغذاء والمياه، وتلك المخصصة للثروة الحيوانية. ويعرف هذا الاستهلاك بالأثر البيئي للفرد (ecological footprint).
يقابل ذلك مؤشر آخر، هو حصة الفرد من الأراضي المنتجة المتاحة، القادرة على إنتاج المصادر الحيوية، والتعويض عن النقص الناجم عن الاستهلاك البشري. وهو ما يجري تعريفه بالطاقة الإنتاجية الحيوية(bio capacity )، محددة بالهكتار.
وبعد ذلك، يجري تعريف التبعية الغذائية (food dependency) على أنها نسبة الاستهلاك المستند إلى مصادر خارجية. وتبدأ هذه النسبة من مستويات دنيا قريبة من الصفر، في الدول ذات الإنتاج الزراعي والمائي النشط، لترتفع قريباً من المائة في المائة، في الدول شديدة الاعتماد على الخارج.
وقد كانت هناك خمس دول عربية في قائمة العشر الأوائل عالمياً على مستوى التبعية الغذائية.وقد تراوح مؤشر هذه التبعية في الدول المذكورة بين 93.5%في الكويت و81.5% في العراق. وكان في لبنان 82.5%.
على صعيد عالمي، جاءت سنغافورة في المرتبة الأولى، بواقع 99.1%، وبوركينافاسو في المرتبة 77 (الأخيرة بين الدول المصنفة في التقرير)، بواقع 1.9%.وحلت إسرائيل في المرتبة الثانية عالمياً، بنسبة تبعية قدرها 93.9%. وجاءت مصر في المرتبة 14 عالمياً، بواقع 77%، إيران في المرتبة 19 بواقع 62.9% والسعودية في المرتبة 20 بواقع62.7%.
وكانت هذه النسبة في قطر 59.6%، أذربيجان 57%، الهند 51%، هاييتي 50.4%، باكستان 49.9%، تركيا 48.3%، سورية 45.9%، تونس 38.9%، المغرب 32.8%، اليمن 31.4%، عمان 28.5%، جيبوتي 9.7% وكازاخستان 3.4%.
وكان المعدل العالمي لنسبة التبعية الغذائية 30.4%. وفي الدول مرتفعة الدخل 44.8%. والدول متوسطة الدخل 5.5%. والدول منخفضة الدخل 3.6%. وجاء المعدل في منطقة الاتحاد الأوروبي 32.9%، وفي كندا والولايات المتحدة 35%.
وبطبيعة الحال، يمكن قراءة هذه النسب على أكثر من وجه.إلا أنه يمكن القول، على نحو مجمل، أن نسبة في حدود الثلاثين بالمائة قد تعد مقبولة، بالنظر إلى حجم التداخل في سوق الغذاء العالمي. بل قد تترجم حالة من الارتباط المتقدم نسبياً بالاقتصاد الدولي.
وعلى الرغم من ذلك، فإن تجاوز هذه النسبة يعني أن هناك انكشافاً غير محتمل في الأمن الغذائي، يُمثل بالضرورة موطن ضعف، وثغرة حساسة، في المقاربة الكلية للأمن القومي للدول المعنية.
في المقابل، فإن نسبة تقل عن 15% قد تشير إلى حالة من العزلة، أو ضعف في الارتباط بالاقتصاد الدولي وهو أمر غير محمود.
وبالنسبة للأقطار العربية الواردة في التقرير، فقد وقعت غالبيتها في خانة الدول ذات الانكشاف الغذائي الكبير. وهو وضع يستوجب دق ناقوس الخطر.
في صورة مقابلة، سجل عدد من أقطار الوطن العربي مستويات كبيرة، على صعيد استهلاك الموارد المتجددة المتاحة، شاملة الزراعة والثروة الحيوانية والمياه ، وهو ما يصطلح عليه دولياً بالأثر البيئي للفرد.
لقد سجل المعدل العالمي الوسطي على هذا الصعيد رقماً قدره 2.59 هكتار للفرد وجاء المعدل في الدول مرتفعة الدخل 6.06 وفي الدول متوسطة الدخل 1.78 والدول منخفضة الدخل 1.03 هكتار. وقد سجل أقل معدل عالمي في هاييتي، بواقع 0.48 هكتار للفرد وكان هذا المعدل في باكستان 0.75، وفي طاجيكستان0.87 وفي اليمن 0.98.
وعلى صعيد حصة الفرد من الأراضي المنتجة المتاحة، جاء المعدل العالمي 1.81هكتار للفرد. وفي الدول مرتفعة الدخل 3.35 هكتارات، والدول متوسطة الدخل 1.68 هكتار، والدول منخفضة الدخل 0.99 هكتار.وقد سجل أعلى معدل عالمي في الدنمرك، بواقع 5.19 هكتارات للفرد ، وأقل معدل في سنغافورة، بواقع 0.04 هكتار.
وجاءت المعدلات في عدد من أقطار الوطن العربي على النحو التالي: قطر 3.91، عمان 2.53، الإمارات 1.36، السعودية 1.3، المغرب 0.9، سورية 0.87، الجزائر 0.82، جيبوتي 0.84، اليمن 0.67، ليبيا 0.57، الكويت 0.52، لبنان 0.37، مصر 0.32، الأردن 0.26 والعراق 0.25 هكتار.
ومن الواضح أن هذه الأرقام لا تحتاج إلى كثير تعليق، فهي تنطق بما يكتنف وطننا العربي من خواء زراعي وفلاحي.
ومما يزيد من تفاقم أزمة الأمن الغذائي القائمة، ذلك الارتفاع الكبير، وغير المسبوق، في أسعار المواد والسلع الغذائية.
ويشير تقرير مشترك، صادر في حزيران/ يونيو 2010، عن كل من منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلى أن أسعار السلع الغذائية قد ترتفع بنسبة 40% خلال العقد القادم. ويتوقع التقرير، الذي حمل عنوان “توقعات الزراعة: 2010 – 2019” ارتفاع متوسط أسعار القمح والحبوب الخشنة على مدى السنوات العشر القادمة بحدود تتراوح فعلياً بين 15% إلى 45%، مقارنة بمستوياتها السائدة خلال الفترة 1997 و2006. كما يتوقع أن ترتفع أسعار الزيوت النباتية ومنتجات الألبان بنحو 40%.
ويرى التقرير أن الناتج الزراعي الدولي، حتى وإن كان كافياً لتلبية الاحتياجات الغذائية لسكان العالم، فإن الزيادات المفاجئة في الأسعار، والأزمة الاقتصادية، قد ساهمتا في تفاقم أوضاع انعدام الأمن الغذائي وتفشي الجوع، مع معاناة نحو مليار شخص من نقص الغذاء.
وبالنسبة للوطن العربي، فإن المطلوب اليوم هو إعادة الاعتبار للقطاع الزراعي. وتوجيه الاستثمارات إلى فروعه ومجالاته المختلفة، إنتاجاً وتصنيعاً. وعليه، لابد من نفض الغبار عن الخطط المدرجة في الرفوف منذ سنين طوال والتي لو قدر لها رؤية النور لما وصل العرب إلى ما هم عليه من تبعية وعوز غذائي فاضح.
إن سهول السودان الشاسعة، ذات الإنتاجية العالية، بأمطارها الغزيرة، يمكن أن تغدو سلة غذاء للعرب، من المحيط إلى الخليج وذلك عوض أن تصبح ساحة نزاع واقتتال أهلي. ولو حدث وطبقت الأفكار التي طرحت منذ خمسينيات القرن الماضي في هذا الشأن، لما اندلعت الحرب الطويلة في جنوب السودان، ولما نشب النزاع الغريب في دارفور. وقبل ذلك كله، ما كان للعرب أن يصلوا إلى هذا المستوى من التبعية الغذائية.
وفي الوقت الرهن، تستثمر زراعياً في السودان دول مثل السعودية وقطر ومصر وليبيا وسورية والأردن. والمطلوب هو المزيد من الاستثمارات في هذا الاتجاه، كي نصل إلى الغرض المطلوب.
والاستثمار في السودان، على النحو القائم جزئياً الآن، هو خير من شراء أراض في دول فقيرة، وتصدير المحاصيل إلى خارج أراضيها، في وقت لا تستطيع هي إطعام شعوبها. بل إن الأمم المتحدة عبرت عن قلقها بشأن إمكان تعرض حقوق المزارعين في تلك الدول للانتهاك، بسبب شراء دول أخرى لأراضي بلدانهم.
وحسب منظمة الفاو، فقد استحوذت المؤسّسات الاستثماريّة العالميّة، خلال السنوات الخمس الماضية، على 2.41 مليون هكتار من الأراضي الزراعيّة، في أثيوبيا وغانا ومالي ومدغشقر والسودان.
وحصلت الصين من جمهورية الكونغو الديموقراطية على امتياز لمساحة 2.8 مليون هكتار، كي تقيم فيها أكبر مزرعة نخيل في العالم.
عربياً، دخل مستثمرون خليجيون، في السنوات الثلاث الأخيرة، في مشاريع زراعية في العراق وباكستان وتايلاند وإندونيسيا ورومانيا وبلغاريا ومولدافيا وأستراليا ، ومن جهتها، قامت ليبيا بشراء أراض زراعية في كل من مالي وأوكرانيا، بواقع 100 ألف هكتار في كل منهما.
وفي الثاني من تموز/ يوليو 2010، عرضت تونس تأجير أراض زراعية لمستثمرين دوليين. كما تنوي مصر بيع أراض زراعية، بمساحة 1.3 مليون هكتار، في مناطق مثل أسوان والمنية والبحيرة.
كذلك، تعمل باكستان والعراق على وضع اللمسات النهائية، على قوانين ستنظم إيجار الأراضي الزراعية، لشركات أجنبية لأجل طويل. وفي كلا البلدين، يجب على المستثمرين تقاسم نسبة من الإنتاج مع السوق المحلية.
وما يمكن قوله، على نحو مجمل، هو أن الدول العربية معنية ببلورة سياسات زراعية، قادرة على تأمين أمنها الغذائي. ولو في حده الأدنى، الذي يجنبها المزيد من الانكشاف والتبعية.
إن هذه الأمة تمتلك، على نحو لا لبس فيه، كافة مقومات النهوض والرقي وعلى أقطارها وأبنائها التمسك بالأمل، ورابطة الوحدة الدينية والقومية الجامعة، فذلك هو بداية الطريق.
إن لنا في الآباء والأجداد الصالحين أسوة حسنة، فقد تحدوا صعاب الحياة، بكثير من الصبر والثبات، ويقين المؤمنين. لم تكل لديهم العزائم، ولم تخُر الهمم. وحينها، غدت بلاد العرب تنعم ببركة الله في الأرض.جنان وافرة، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*