المضاربة في الغذاء .. من المستفيد؟

دينيس دريسلر وجورج رابسومانيكيس وألكسندر ساريس

أثناء الفترة من 2007 إلى 2008 سجلت أسعار عديد من المواد الغذائية الأساسية ارتفاعات هائلة، الأمر الذي أدى إلى اندلاع أزمة غذاء في عديد من البلدان الفقيرة والنامية. وصلت الأسعار الدولية للذرة والأرز والقمح، على سبيل المثال، إلى أعلى مستوياتها في 30 عاماً، وأدى ذلك إلى زعزعة الاستقرار السياسي والاقتصادي ـ واندلاع أعمال شغب بسب نقص الغذاء ـ في عديد من بلدان العالم.
وأسهمت عوامل عديدة في تفاقم هذه الأزمة، بما في ذلك ارتفاع أسعار النفط، وزيادة الطلب على المحاصيل الزراعية من جانب قطاع الوقود الحيوي، وانخفاض المخزون العالمي من السلع الغذائية، وتدني إنتاج الحبوب. كما أدى النمو الاقتصادي القوي والسياسات النقدية التوسعية إلى تعزيز هذا الاتجاه، وكذلك فعلت تدابير الحماية مثل فرض القيود على الصادرات.
وفي حين فرضت هذه العوامل ضغوطاً صعودية على أسعار الغذاء، فإنها لا تفسر وحدها الارتفاعات الحادة التي سجلتها الأسعار. ويعتقد بعض المحللين أن الأزمة تضخمت بفعل المضاربة في عقود السلع الأساسية الآجلة، التي أصبحت تشكل جزءاً لا يتجزأ من أسواق السلع الغذائية.
وتشكل عقود السلع الآجلة اتفاقات رسمية لشراء أو بيع كمية محددة من إحدى السلع في تاريخ محدد في المستقبل وبسعر محدد. وهي بهذا تُعَد أداة بالغة الأهمية لاتقاء المخاطر المرتبطة بالأسعار في أسواق السلع الأساسية. ومن خلال إبرام عقد آجل، فإن كلاً من الشاري والبائع يكتسب قدراً كبيراً من اليقين فيما يتصل بأسعار الصفقات اللاحقة، بشكل مستقل عن التطورات الفعلية في السوق.
ويتم تداول عقود السلع الآجلة عموماً قبل انتهاء تاريخ صلاحيتها. والواقع أن 2 في المائة فقط من العقود تنتهي إلى تسليم سلع مادية. وهذا يعني أن السوق تجتذب أيضاً المستثمرين غير المهتمين بالسلع الأساسية، والمهتمين فقط بتحقيق الربح من المضاربة. والواقع أن عقود السلع الآجلة أصبحت جاذبة بشكل متزايد للمستثمرين غير التجاريين، وذلك لأن عوائدها ترتبط ارتباطاً عكسياً بالعائدات على الأسهم والسندات.
وساعد الحضور المتزايد للمستثمرين غير التجاريين في توفير السيولة الضرورية للسوق، حيث يخوض المضاربون مجازفات مرتبطة بأسعار السلع الأساسية التي يرغب أصحاب صناديق الوقاء في تجنبها. لكن حضورهم أدى أيضاً إلى إثارة المخاوف من أن تؤدي المضاربة في عقود السلع الآجلة إلى تقلبات أكثر حدة في الأسعار.
وينظر خبراء الاقتصاد عموماً إلى عقود السلع الآجلة باعتبارها حلاً لارتفاع حدة تقلبات الأسعار، وليس حلاً للأسباب التي تؤدي إلى هذا الارتفاع. وهم يزعمون أن سماسرة عقود السلع الآجلة يتفاعلون مع الإشارات السعرية التي تعتمد في النهاية على أساسيات السوق. وبهذه الطريقة فإن المضاربة تعمل على التعجيل بعملية إيجاد سعر التوازن ودعم استقرار السوق المادية.
لكن ماذا عن المستثمرين الذين يتبعون الميول، أو هؤلاء الذين يتمتعون بسلطة في السوق؟ الواقع أن المستثمر قد ينجذب في الأمد القصير بفعل زيادة سعر إحدى السلع، رغم أن السعر لا يستند إلى أي من البيانات الأساسية. وهذه الاستثمارات القائمة على المضاربة من الممكن أن تؤدي إلى تعزيز الميول ودفع أسعار العقود الآجلة بعيداً عن توازن السوق، خاصة إذا فعل عديد من المستثمرين الشيء نفسه أو إذا كان المستثمرون يمتلكون المال الكافي للتأثير في السوق.
وتُعَد صناديق المؤشرات من بين الأمثلة لهؤلاء المستثمرين الأقوياء. فقد تحول المشاركون في هذه الصناديق إلى لاعبين أساسيين في السوق، حيث يستحوذون على نحو 25 في المائة إلى 35 في المائة من كل العقود الزراعية الآجلة. وإضافة إلى استثمار مبالغ كبيرة من المال، فإنهم يحتفظون بالعقود الآجلة لفترات طويلة، وهو ما يجعلهم أقل ميلاً إلى التفاعل مع المتغيرات الطارئة على أساسيات السوق.
ولا تزودنا الأدلة التجريبية بأي إجابة واضحة فيما يتصل بتحديد الفرضية الصحيحة. ففي مقابل كل دراسة تجد صلة واضحة بين المضاربة وتقلب السوق، هناك على الأقل دراسة واحدة تزعم العكس. وهناك ثلاثة أسباب رئيسية تجعلنا نعتقد أن المضاربة لم تكن المحرك الرئيس للارتفاعات الأخيرة في أسعار السلع الغذائية:
على الرغم من أهمية استثمارات صناديق المؤشرات مقارنة بمواقف المشاركين الآخرين في العقود الآجلة، فإن سلوكها يمكن التنبؤ به، حيث إنها تعلن عن محافظ السلع الأساسية وتوقيت عقد الصفقات الخاصة بها.
وكان تقلب الأسعار مرتفعا أيضاً بالنسبة للسلع الأساسية التي لا يتم تداولها في الأسواق الآجلة (النحاس والحديد والخام)، أو التي لا تشكل هذه الأسواق أهمية بالنسبة لها (الصلب والأرز). وفي حين يمكن بسهولة تلبية الزيادة على الطلب في الأسواق الآجلة العاملة بشكل جيد من خلال توفير القدر الكافي من المعروض (أي عن طريق إصدار عقود آجلة جديدة)، فإن تأثير المضاربة على سعر التوازن صغير نسباً وقصير الأجل مقارنة بتقلبات أسعار الأصول المادية، التي قد يكون المعروض منها أقل مرونة, بل قد يكون ثابتاً في الأمد القصير.
ونظراً لهذه النتائج, يبدو أن التداول في الأسواق الآجلة أدى إلى تضخيم تقلبات الأسعار في الأمد القصير فقط. أما أسعار التوازن في الأمد الأبعد فإنها تتحدد في النهاية في أسواق النقد حيث يعكس بيع وشراء السلع الأساسية المادية القوى الأساسية.
لقد تطورت الأسواق الآجلة تاريخياً في استجابة لاحتياج المشاركين في السوق إلى إدارة المخاطر المرتبطة بالأسعار، وهي تشكل أداة تسويقية لا غنى عنها بالنسبة لكثير من السلع الأساسية. وعلى هذا فإن الحد من المضاربة أو حتى حظرها في الأسواق الآجلة قد يكون باهظ التكاليف وقد يؤدي إلى عواقب غير مقصودة.
والمقترحات التي تنادي بإنشاء صندوق دولي لمواجهة الارتفاعات الحادة في الأسعار في الأسواق الآجلة، على سبيل المثال، قد تؤدي إلى تحويل المضاربين بعيداً عن التداول، وقد تعمل بالتالي على خفض السيولة المتاحة في السوق لأغراض التحوط. فضلاً عن ذلك فإن أي صندوق من هذا القبيل سيتطلب توافر موارد هائلة حتى يتمكن من تأدية وظيفته، ناهيك عن التحديات الهائلة المتصلة بتحديد المستوى السعري الذي قد يدفع الصندوق إلى التدخل.
ونظراً للدور البالغ الأهمية الذي تلعبه عقود السلع الآجلة بالنسبة لعديد من المشاركين في السوق، فإن التدابير التنظيمية لا بد أن تهدف إلى تعزيز الثقة بأداء السوق. ومن الممكن أن يتحقق هذا عن طريق زيادة الشفافية والكم المتاح من المعلومات بشأن تداول العقود الآجلة. والواقع أن المبادرات التي قامت بها لجنة تداول عقود السلع الآجلة في الولايات المتحدة أخيرا تشير في الاتجاه الصحيح.
ومن أجل التصدي لأي سلوك مشبوه ـ مثل مطالبة التجار بأذون لاستثمار مبالغ تفوق حدود قدرتهم على المضاربة ـ ألغت اللجنة الإعفاءات الممنوحة لشركتين كانتا تتاجران في العقود الآجلة للذرة والقمح وفول الصويا. ومثل هذه التدابير من شأنها أن تسهم في تشكيل بيئة أكثر استقراراً وضمان إسهام عقود السلع الأساسية الآجلة في الحد من المخاطر والتقلبات.

الاقتصادية 9 يوليو 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*