الجوع والخوف .. عالم متوحش يؤمن بالحرب أكثر من السلام

منتصر حمادة

هل يمكن للعالم أن يمر مرة أخرى بأزمة غذاء ثانية؟ أين يكمن الخلل العالمي تحديدا في قطاع التغذية؟ هل ثمة خلل ما في فلسفة التنمية المُرَوّج لها من قبل المؤسسات العالمية التي تتحكم فيها الدول الصناعية؟
هل هناك مراعاة حقيقية لمصالح الدول الفقيرة والدول السائرة في طريق النمو، على هامش تسطير معالم السياسات العالمية في قطاع التغذية؟ هل حقيقة أن أكثر من نصف سكان العالم يعيشون الآن في المدن ستمثل نقطة تحول في نوعية التطوير الذي يمكن للحكومات والخبراء القيام به لتضييق الفجوة الواسعة بين سكان المدن أو أنه فقط رقم جديد؟
هذا جزء يسير من أسئلة صادمة، ما زال صناع القرار العالمي في قطاعي الغذاء والتنمية، يتعمدون صرف النظر عن البحث الجاد والرصين في إيجاد أجوبة شافية عنها، إن لم نقل إنهم يصرفون النظر عن مجرد التفكير فيها؛ وفي المقابل هذه الأسئلة، ثمة أمثلة ميدانية فاضحة، نورد منها الأرقام التالية:
ـ وفقا لتقارير صادرة عن ”منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة”، (F.A.O) يعاني واحد من كل ستة أشخاص في العالم الآن (إحصائيات آخر 2009) الجوع بعد أن تسببت أزمة 2008 في دفع 100 مليون شخص آخرين إلى براثن الفقر وانعدام الأمن الغذائي.
ـ حسب معطيات تقرير صادر في سنة 2005، فإنّ خسارة غينيا من الصيد غير الشرعي بلغت 110 ملايين دولار سنويّا، بما أسهم عمليا في الإبقاء على غينيا، ضمن لائحة الدولة الإفريقية التي يعاني شعبها سوء التغذية.
ـ أشار تقرير أصدرته الأمم المتحدة عام 2007 حول وضع مدن العالم إلى أن سوء التغذية لدى الأطفال في الأحياء الفقيرة والمناطق الريفية في أثيوبيا يصل إلى 47 في المائة و49 في المائة على التوالي، مقارنة بنسبة 27 في المائة في المناطق الحضرية خارج الأحياء الفقيرة، بينما نجد في الأحياء الفقيرة في الخرطوم، أن نسبة انتشار الإسهال بين الأطفال تصل إلى 40 في المائة مقابل 29 في المائة في المناطق الريفية، (بما يحيلنا في الواقع على مآزق تحليل وقياس العنف بين القرى والمدن، حيث ثمة إجماع على أن المراكز الحضرية، وخاصة الأحياء الفقيرة، تعاني معدلات أعلى للجريمة، ولذلك يمكن للعنف أن يصبح جزءاً مؤسسياً من المجتمع وبشكل أخطر تصبح صورة سكان الأحياء الفقيرة كمجرمين أكثر ثباتا، خاصة أن الإحصائيات الأممية، تشير إلى أنه يعيش نحو 3.3 مليار شخص في الوقت الحاضر في المدن والمراكز الحضرية حول العالم، وبحلول عام 2030 من المتوقع أن يصل هذا الرقم إلى خمسة مليارات شخص).
ـ منذ سنين فقط، دعت بعض المنظمات الإنسانية، وفي مقدمتها منظمة ”أوكسفام” إلى توفير ما يقارب 370 مليون دولار لتمويل مبادرات مختلفة في غرب إفريقيا، ولكن لم يتم تغطية سوى 3.1 في المائة من هذا المبلغ!
ـ نختم هذه المعطيات الميدانية الصادمة بالذي صدر عن سي فورد رانج وبنجامين سيناور، الأكاديميين في جامعة مينيسوتا، في مقال نشراه عام 2007 في مجلة ”الشؤون الخارجية” الرصينة، وذات الصوت المسموع والمؤثر لدى صناع القرار في الولايات المتحدة، وجاء فيه أنه إذا استمرت أسعار المواد الغذائية الأساسية في الزيادة وفقاً لتوقعات المعهد الدولي، فإن عدد الأشخاص الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي في العالم سيرتفع بأكثر من 16 مليون نسمة عند كل زيادة بنسبة واحد في المائة في الأسعار الحقيقية للسلع الغذائية الرئيسية.
أمام هذه الأسئلة والمعطيات الصادمة في آن، وإذا أخذنا بعين الاعتبار تحذيرات أغلب المراقبين المنصفين في العالم، ونذكر منهم جماعة مجلة ”ذي إيكولوجيست” البريطانية ـ وهي أبرز منبر إعلامي عالمي متخصص في موضوع البيئة ـ يبدو جليّا أننا نتّجه جميعا (سكان المعمورة) نحو قنابل اجتماعية موقوتة.
وأوضح أن صانعي القرار في الدول المتقدمة، غير مكترثين بالمقتضيات الأخلاقية أولا، والاقتصادية ثانيا، تلك التي يتطلبها مشروع التصدي للأُسُس التي تغذي هذه القنبلة المجتمعية الموقوتة، من منطلق أنهم يغلبون حسابات الراهن ومصالح الذات، على حسابات المستقبل ومصالح الغير، بما يساعدنا على حسن تفكيك تحذير قيّم للغاية، صدر مؤخرا عن جيكينغ هوانغ، المستشار الزراعي للحكومة الصينية، الذي أشار صراحة إلى أن ”أزمة عامي 2007 و2008 دقّت ناقوس الخطر لتنبيه الدول للتركيز على الزراعة، ولكنني أعتقد الآن أن بعض الدول بحاجة إلى إشارة تحذير أكبر”، ولعله يقصد بالحديث عن ”تحذير أكبر”، اصطدام الرأي العام بكارثة بيئية جديدة، أكبر بكثير من الكوارث التي يتم الكشف عنها بين الفينة والأخرى، أو أن ”التحذير الأكبر”، يعني بالدرجة الأولى، الإعلان عن اندلاع أزمة غذاء عالمية جديدة يشهدها العالم في شقه المتخلف أو النامي.
وكانت أسعار الحبوب العالمية قد وصلت إلى أكثر من الضعف بين عامي 2007 و2008، ما دفع نحو 100 مليون شخص إلى خانة الجوع المزمن، ورفع عدد الجياع في العالم إلى أكثر من مليار شخص، إلى درجة دفعت بكيتي سميث، مسؤولة خدمات البحوث الاقتصادية في وزارة الزراعة الأمريكية للتأكيد على أن الأزمة ”دليل على ما يمكن أن نتوقعه في المستقبل”.
أمام لا مبالاة صناع القرار في العالم الصناعي، وموازاة مع صدور صيحات عن بعض رموز ”الضمير الغربي”، (منظمة ”أوكسفام” غير الحكومية، الشبكة التابعة لمجلة ”ذي إيكولوجيست”، بما فيها الشق العربي، ومقره بيروت، عبر صدور مجلة ”بدائل”، دلالات الخروج الإعلامي خلال السنين الأخيرة لآل غور، نائب الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون..)، نجد على الخصوص صيحات تحذير ومبادرات نوعية، ولو أنها لا تحظى بمتابعة إعلامية عالمية في المستوى، بحكم أنها تكاد تغرد خارج السرب، ونخص بالذكر، المبادرات الصادرة عن ”منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة”، التي أزاحت الستار أخيرا عن عريضةٍ شبكيْة دوليةٍ كبرى تدعو الجماهير في كل مكان إلى الإعراب عن الغضب إزاء الحقيقة الماثلة في أن نحو مليار إنسان يعيشون مِحنة الجوع في عالم اليوم، من خلال رفع شعار ”مشروع المليار جائع”، ويراهن خصوصا على قوّة الصورة المؤثّرة للتعريف بمعاناة الجوع في أسوأ أشكاله، حيث تجتذب اللغة الجريئة والتصميم الإبداعي انتباه الرأي العام لترويج مجموعة من الشعارات، تزكي تلك الصدمات الميدانية سالفة الذكر، ومن بين هذه الشعارات، نقرأ مثلا: ”كفانا من وضعيةٍ لم تَعُد تُحتَمَل”، وهذا عين ما توقف عنده جاك ضيوف، المدير العام للمنظمة، والذي أقرّ بأنه ”ينبغي لنا أن نشعر بأشدّ الغضب إزاء الحقيقة الشائنة الماثلة في أن أشقّاءنا من البشر ما زالوا يعانون ويلات الجوع”، موجها الدعوة للمتتبعين، على قلتهم في هذا القطاع شبه المحاصر إعلاميا من قبل اللوبيات الإعلامية العالمية، إلى التعبير عن ”غضبهم إزاء وضعيّة الجوع في العالم بالتوقيع على العريضة العالمية لمشروع المليار جائع” في موقع شبكي أُحدِث خصّيصا للتظاهرة الدولية والنوعية في آن.
وما يُعَقّد الصورة أكثر، ويزيد من مخاوف المتشائمين، إصرار الدول الصناعية على تبني سياسيات اقتصادية لا يمكن إلا أن تزيد من استفحال أوضاع الجوع بالنسبة للدول الفقيرة، سواء عبر المسكوت عنه في اتفاقيات الشراكة، أو في استمرار ”حملات الغزو والاستنزاف” التي تتعرض لها الموارد الطبيعية للدول النامية والفقيرة، بخلاف خطاب التضليل الذي يصدر عن بعض الباحثين في الغرب، والذي يروم صرف النظر عن أهم مسببات هذه الأوضاع الإنسانية المأساوية، من قبيل ما صدر عن هومي خراس، (وهو خبير اقتصادي في معهد بروكينغز، ومقره الولايات المتحدة)، عندما اعتبر أن ”الأسباب الكامنة وراء الأزمة الأخيرة لا تزال غير واضحة إلى الآن”، متوقفا عند تقاطع أسباب ”الصدمات المناخية والمضاربات في الأسواق وزيادة الطلب على الحبوب في البلدان المكتظة بالسكان والتقلبات التي شهدتها أسعار الوقود”، دون ذكر كلمة عن تبعات عدم توازن اتفاقيات الشراكة بين دول العالم الصناعي والعالم النامي (كما هو الحال في قطاع الصيد البحري مثلا بين دول الاتحاد الأوروبي والعديد من الدول الإفريقية والمغاربية)، أو استمرار الشركات الغربية في مشروع استنزاف موارد الطبيعية، ونتوقف عند نموذجين اثنين بارزين:
1 ـ أكدت منظمة ”أكشن إيد” (Action Aid) وهي منظمة غير حكومية، في تقرير حديث الإصدار، وجاء تحت عنوان دال: ”وجبات بالغالون: تأثير الوقود الحيوي الصناعي على الناس والجوع في العالم”، أنه ”بحلول عام 2020، سيقفز استهلاك الوقود الحيوي في الاتحاد الأوروبي إلى نحو أربعة أضعاف، وأنه سيتم استيراد ثلثي هذه الكمية من العالم النامي بشكل خاص”، مُحذّرة من ”احتمال تكرر الأزمة في المستقبل القريب بسبب إمكانية تعرض موارد الحبوب الغذائية للخطر نتيجة تزايد الطلب على الوقود الحيوي في الاتحاد الأوروبي”، وأشار ذات التقرير إلى أن ”نحو 100 مليون شخص قد يتعرضون للجوع إذا التزمت أوروبا بزيادة كبيرة في استهلاك الوقود الحيوي طبقا لتشريعات الاتحاد الأوروبي الجديدة”، وتأكيدا لمشروع استنزاف الموارد الطبيعية، قالت ”أكشن إيد”، إنها اكتشفت أن شركات الاتحاد الأوروبي قد اشترت بالفعل، أو تتفاوض على شراء، ما لا يقل عن خمسة ملايين هكتار في البلدان النامية، ما يمهد لتهديد الإمدادات الغذائية لبعض السكان الأكثر ضعفاً!
2 ـ نأتي للنموذج الثاني، ولا يقل فداحة، فموازاة مع مشاريع نهب الزراعة، تتعرض البحار لمصير مشابه، حيث تحلّ الأساطيل الضخمة محلّ قوارب الصيد ناهبة البحار والمحيطات غير عابئة بحلول الكارثة، والأدهى في هذه الحيثية بالذات، أنه لم يتوقّف النهب والتخريب على أساطيل البلدان الصناعيّة، وإنما دخل على الخطّ شركاء لا همّ لهم إلاّ تكديس الثروات على حساب البيئة، بما يدفع المراقبين، من الذين أشرنا إليه سلفا، وآخرين طبعا، للتأكيد على أننا ربما بلغنا نقطة اللاّعودة أو قاربناها، وأنه لا بدّ للجميع أن يعي خطورة الوضع حتى ننقذ ما يمكن إنقاذه ونجنّب الأجيال القادمة كارثة بيئيّة عظمى. (نذكر في هذا الصدد، ما جرى بعد توقيع الصين الشعبيّة معاهدة ثنائيّة مع غينيا للصيد في سواحلها، حيث عاين الغينيّون البواخر الصينيّة وهي تصطاد في المناطق المحظورة وتستعمل شباكا ممنوعة، كما كانت أغلب البواخر غير مسجّلة في قاعدة البيانات للبواخر، مّا يصعب تحديد مالكها ومقاضاته، وأخيرا، وليس آخرا، فإنّ أغلب البواخر الأجنبيّة لا تخضع للمعايير والتوجّهات التي أقرّتها المنظّمة العالميّة للأغذية والزراعة!)
هكذا هي الصورة الميدانية، جزئيا، في العالم اليوم، سياسات غربية مؤسسة على الانتصار لمركزية الغرب، والجلوس بالقوة على ”قمة هرم العالم الحي”، والتعامل مع باقي سكان المعمورة من منطلق عرقي يُبرّر للإنسان الغربي مشاريعه المهيمنة، وبالنتيجة، يبقى من باب تحصيل حاصل، السقوط في شراك المجاعات والحروب، لولا أنه من أبسط نتائج هذه الحروب والنزاعات، أنها لا يمكن أن تظل حبيسة الدول الفقيرة والنامية، وإنما تطول تبعاتها، بشكل أو بآخر، ذلك العالم ”المتقدم” و”المتحضر”، والذي يعتقد أنه ”سيد الكون”.

الاقتصادية 25 يونيو 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*