هل يتحول الجوع إلى أزمة إنسانية عالمية؟

هادي محمد ميرة
الشمس الليبية 21 مايو 2010

عندما تعقد الاجتماعات والمؤتمرات الدولية التى تدعو لها الدول الكبرى أو دول العالم الغربي والمتنفذة في صنع القرار العالمي نضع هذه الدول وخلال اجتماعاتها الدورية اجندة للمواضيع والقضايا الدولية والتى لها علاقة باستراتيجياتها ومصالحها لنقاشاتها خلال اجتماع عالمي وتعطي الأولوية لتلك القضايا التي لها علاقة وطيدة بسياسات الدول الكبرى أو الصناعية وتبقى الدول الصغرى والفقيرة تنتظر ما سيتمخض عن هذه اللقاءات الدولية .
في العام 1996م وخلال اجتماع دولي وفى قمة عالمية خصصت للغذاء العالمي باعتباره قضية مصيرية قريبة من الدول الآخرى ومؤترة في الدول الصغرى وتمخض عن هذا اللقاء الدولي حل مشكلة نقص الغذاء وتقليص إعداد الجياع في العالم إلى النصف وذلك بحلول العام 2015 هذا إلى جانب لقاءات دولية انتضمت في سنوات لاحقة وأكدت على اتخاد كافة السبل والوسائل من تعاون عالمي إلى تحقيق هذا الاتفاق الدولي.
غير أن هذا المطلب العالمي لم يتحقق ، بل أن النتيجة جاءت مغايرة تماماً فالعام 2015 م أصبح قريباً ولا تكفي المدة المتبقية من تقليص إعداد الجياع في العالم وهم يزدادون يوماً بعد آخر وسنة بعد آخرى حيث تشير بعض التقارير إلى أنه في العام 2000م وصل إعداد الجياع إلى حوالي 798 مليون إنسان وفى هذا العام ارتفع العدد إلى 852 مليون جائع دون أن تساعد الأمم المتحدة ولا الدول الصناعية الكبرى التى تعاني من مشكلة فائض الغذاء في اسكات رمق الجائعين في العالم. وفي تقرير للمنظمة العالمية للاغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة [الفاو] جاء فيه إلى أن عدد الجياع في العالم يبلغ اليوم وخلال هذا العام 2010م إلى 850 مليون نسمة يعيش 820 منهم في الدول النامية وهذا في حد ذاته مشكلة عالمية فإن على الدول الكبرى الحد من تفاقمها بدلاً من تركها تنتشر في دول العالم.
القمة العالمية للغذاء والأمن الغذائي للعام 1996 عرفت الجوع في أضيق زاوية واعتبرته وضعاً ينجم عندما يفتقر الأفراد والأسر إلى الأمن الغذائي لفترة من الزمن .
وكثيراً ما يوقع الجوع الجياع في المجتمعات الإنسانية قديماً وحديثاً في حالات دائمة ومتواصلة من انعدام القدرة على مواجهة تداعيات هذه المعضلة العالمية التى اثرت على استقرار بعض الدول حيث انتشر الفقر وفي أوسع نطاق وفقدت الحكومات المقدرة على توفير الغذاء للجائعين المتظاهرين والمهددين بإطاحة النظم السياسية القائمة التى عجزت على ايجاد الحلول الناجمة لمواجهة ظاهرة الجوع . خاصة وأن هذه الظاهرة تقلل من مقدرة بعض الدول على النمو الاقتصادي خاصة مع تزايد النمو السكاني واتساع افواه الجائعين.
في دراسة قديمة أجرتها منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة خاصة بالدول النامية منذ أكثر من ثلاثة عقود افترضت فيه على أنه إذا زادت الدول النامية والتى تعاني من تفاقم سوء التغذية في استهلاك الغذاء فأن إنتاجها الاقتصادي أو ناتجها المحلي سيزداد بنسبة 45 بالمئة.
وسعت الأمم المتحدة إلى مواجهة الجوع من خلال السعي إلى اقناع المزارعين في دول العالم إلى زيادة إنتاجهم فقد توقعت الأمم المتحدة بأن سكان العالم سيزداد أكثر من 10 مليارات نسمة عن العدد الحالي خلال العام 2050م ومع هذه الزيادة فإنه يتحتم على المزارعين أن ينتجوا ضعفي كمية الغذاء التى يزرعونها من أجل تلاقي تداعيات الجوع وزادت منظمة الصحة العالمية من خطورة الموقف حين أعلنت على أن حوالي 250 مليون طفل يعيشون في الدول النامية يعانون من أخطار صحية خطيرة نتيجة افتقارهم إلى الغذاء المناسب خاصة فيتامين -أ- والذي يسبب فقدانهم البصر بالإضافة إلى أمراض أخرى تصيب الأطفال وتسبب الموت . لذلك اعتمدت منظمات خاصة بالغذاء ادخال التكنولوجيا في الغذاء تحت دائرة المحأصيل المحسنة والتى تم إدخالها أول مرة إلى أسواق عالمية في العام 1994م خاصة في محاصيل مثل الطماطم والذرة وفول الصويا وتركز أكثر من 25 دولة في العالم خاصة الصناعية والمتقدمة في اعتماد هذه الوسيلة لزيادة الإنتاجية الزراعية ولتوفير الغذاء ومواجهة الجوع بغض النظر عن الجدل القائم بين مؤيدين ومعارضين لهذه الوسيلة ولهذا الحل المؤقت.
وتتحمل الحكومات القائمة في العديد من دول العالم المسؤولية الكاملة تجاه مواجهة الجوع والقضاء على هذه الظاهرة العالمية حيث يمثل الجوع اكبر التحديات التى تواجهها هذه الحكومات حيث يسبب الجوع في تفاقم المشكلات السياسية والتهديد بالحروب والنزاعات الأهلية خاصة في الدول الأكثر فقراً والتى تتدني فيها المقدرة على القضاء على الجوع وسوء التغذية أمام الخطوات البطيئة التى تعتمدها بعض الدول لمواجهة الجوع إرادة سياسية قوية وثانية لهذه الدول من أجل التعاون في توفير المعونة الغذائية للجياع بالتعاون مع ما يسمى بالدول المانحة أو مع الوكالات الدولية المتخصصة في التنمية الدولية .
إن الجهود الدولية لمواجهة ظاهرة الجوع تتحدد في انقاذ الدول الفقيرة والنامية من الوقوع في مستنقعات العجز في توفير الغذاء وذلك من خلال توفير مساعدات غذائية للجائعين ومساعدة الدول الفقيرة على زراعة الغذاء واستخدام المعونات الغذائية لدعم الدول المحتاجة والفاقدة للقدرة على استغلال الاراضي الزراعية وتوفير الوسائل من آليات وحبوب ومحاصيل وسماد ومياه قد تسهم في تقليل القدرة على الإنتاج الزراعي وذلك من خلال القضاء على مسببات الجوع وجعله من اولويات السياسة الداخلية لهذه الدول.
تقول المديرة التنفيذية لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة السيدة جوزيت شيران أن هناك وسائل متوفرة لتقليص عدد الجياع في العالم إلى النصف في ظل وجود إرادة سياسية من قبل الدول المانحة والمستفيدة . وذلك لتقليص الجوع ومواجهة تحدياته الأخرى مثل اعراض وارتفاع سعر الغذاء إلى أن الدول في حاجة إلى كسر دورة الجوع من خلال الإرادة السياسية.
وتقول جوزيت شيران أنه وبسبب الجوع نفقد طفلاً كل خمس ثوان وحتى مع ما يتوفر كذلك البرنامج من ميزانيته سنوية تبلغ قرابة 3 ملايين دولار بالإضافة إلى آلاف السفن والطائرات والعربات لنقل الغذاء للجياع كل يوم إلا أن برنامج الغذاء العالمي لم يحقق إلا حوالي 10 بالمئة من جياع العالم ومازلنا نفقد حوالي 25 ألف شخصاً يموتون كل يوم نتيجة أسباب متصلة بالجوع خاصة وأن الجوع يقتل أكثر مما يقتل مرض السل والملاريا الايذز لذلك فأن محاربة الجوع تتحدد في كسر دورة الجوع التى تستمر وتتواصل عبر الاجيال فالجوع هنا متوارث لأن النساء الجياع يلدن أطفال يعانون الفقر والجوع وسوء التغذية لذلك فأنه يكون من الضرورة بمكان مواجهة دورة حياة الجوع وبالتالي كسر دورة الفقر الذي تواجهه المجتمعات للإنسانية اليوم.
وزادت الأزمة الاقتصادية العالمية من تفاقم ظاهرة الجوع وارتفاع عدد الجياع في العالم حيث أعلن مدير منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة جاك ضيوف أن أكثر من مليار شخص في العالم يعانون الجوع بسبب الأزمة الاقتصادية وارتفاع أسعار المواد الغذائية .
وفي مؤتمر المنظمة الحادي والثلاثين قال مديرها العام .. أن الذين يعانون الجوع في العالم ازداد العام 2009 م بمعدل 105 ملايين شخص مقارنة بالعام 2008م وأن حوالي 642 مليون من الجياع يعيشون في آسياء والمحيط الهادي وحوالي 262 مليون منهم في إفريقيا وحوالي 42 مليون في إمريكا اللاتينية وجزر الكاريبي وحوالي 15مليون في البلدان المتقدمة وأن إفريقيا لا تزال القارة الأكثر تأثيراً بسوء التغذية حيث يواجه 28 في المئة من سكانها الجوع .
ومن أجل مواجهة هذه الظاهرة وعلى دعى منظمة الفاو إلى ضرورة تبني سياسة عالمية من أجل تحقيق أمن غذائي وزيادة الإنتاج الزراعي بنسبة سبعين في المئة من الدول المتقدمة ومئة في المئة من الدول النامية وذلك لاطعام سكان العالم الذي يتوقع أن يصل عددهم إلى اكثر من 9- مليارات شخص خلال العام 2050م.
ويعتبر الجوع وسوء التغذية بمثابة الخطر الأول الذي يهدد صحة الإنسان في جميع انحاء العالم . وأنه من بين المسببات الرئيسية للجوع هى الكوارث الطبيعية والصراعات والفقر وضعف البنية التحتية الزراعية والاستغلال للبيئة كما دفعت الأزمة المالية الاقتصادية إلى وقوع الآلاف داخل دائرة الجوع . حيث ارتفع عدد الفقراء والجياع بسبب الأزمة المالية العالمية حسب تقارير صادرة عن المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية بالولايات المتحدة الامريكية .
وحذرت وكالات تابعة للأمم المتحدة ومتخصصة في توفير الغذاء العالمي من ارتفاع الجياع حيث يصل الجوع إلى مستويات قياسية تجاوزت المليار جائع ويعتبر تفاقم الجوع حسب منظمة الفاو الدولية إلى بوار المحاصيل الزراعية وفشل المواسم الزراعية والازمة المالية وانخفاض مستويات الدخل والبطالة.. وتبقى الزراعة وتحسين المحاصيل الزراعية وتوفير كافة الوسائل من أجل الزراعة السبيل الوحيد لتوفير الغذاء العالمي ومواجهة الجوع وقبل أن يتحول إلى أزمة إنسانية تهدد مليارات البشر خلال سنوات قادمة فالاستثمار في الزراعة العالمية السبيل الوحيد والمطروح أمام صندوق التنمية الزراعية الدولي لمحاربة الجوع ومسبباته.
وتزداد ظاهرة الجوع تفاقماً أمام تغيرات المناخ والتزايد الملحوظ في درجات الحرارة خاصة في الدول الصحراوية بالإضافة إلى ندرة أو شح الامطار واتساع دائرة التصحر كلها مسببات حالت دون الزراعة أو زراعة الغذاء العالمي وبالتالي كان الجوع التحدي الأكبر الذي يحتم على دول العالم الثالث مواجهته مهما كانت الاسباب.
وتشير احصائيات صادرة عن منظمة الفاو الدولية إلى ارتفاع في اعداد الجياع كل عام حيث ارتفع عدد الجياع من 825 مليون شخص خلال العام 1997 إلى 857 مليون خلال العام 2002 م وتزايد ليصل إلى 873 مليون خلال العام 2006م لتصل النسبة إلى 963 مليون خلال العام 2008 م وجاءت الازمة المالية العالمية لترفع من تزايد اعداد الجياع في العالم ليصل إلى مليار وعشرين مليون خلال هذا العام 2010 م وهذا الرقم الهائل وغير المتوقع جعل المنظمات الدولية والوكالات العالمية المتخصصة في الغذاء العالمي في حالة من الربكة .
أمام اتساع دائرة الجوع ونقص الغذاء وعدم جدوى الحلول المؤقتة في حل الأزمة بالإضافة إلى انعدام السياسات الدولية الجادة في هذا الجانب خاصة وأن تحديات آخرى بدأت تفرض نفسها أمام الشعوب والدول وتعرقل من مسيرة التنمية التى مازالت تتدهور وتصاب بحالات طويلة من الانقطاع والتوقف في ظل انعدام الوسيلة إلى استمراريتها .

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*