أزمة الغذاء تحرك صراع المياه في حوض النيل

الاقتصادية 24 ابريل 2010

الإطار التعاوني بين دول حوض النيل في اقتسام المياه بدأ يتحول من تعاون وتفاهم تاريخي ومشاركة دولية لا تحتاج إلى دعم لاستمرارها إلى نقطة خلاف شديدة تهدد بوجود أزمة سياسية جديدة بين عدة دول، ومن الواضح وحدة موقف دولتي مصب نهر النيل، وهما مصر والسودان في مواجهة موقف دول المنبع التي أظهرت رغبة قوية في إلغاء الاتفاقية التاريخية التي تجاوز عمرها سبعة عقود والتي كانت محل قبول من جميع الدول والحكومات المتعاقبة خلال هذه الفترة الزمنية الطويلة في عمر الاتفاقيات الدولية والتي كان يفترض أن تزيد من رسوخ بنودها المحددة لحصص دول حوض النيل.
إن السبب الرئيس في تغير المواقف وتبدل وجهات النظر هو تلك الاستثمارات الزراعية الضخمة التي استقبلتها دول منبع النهر من دول تعاني أزمة في الغذاء نتيجة لنقص المياه وهما الصين وكوريا، حيث وجهت مبالغ هائلة وتقنية جديدة وقوى عاملة لإنتاج الغذاء وتصديره إليها لمواجهة متطلباتها الغذائية وهو نشاط زراعي كبير ويحتاج إلى كميات كبيرة من المياه فوق تلك الحصص المحددة لدول منبع النهر، ولذا نجد أن تكتل ست دول في مواجهة باقي شركائها في مياه النهر وعلى الأخص دولتا المصب وهما مصر والسودان هو المحرك الرئيس الذي قد يمهد لتنافس مائي شرس يولد خلافا سياسيا بعيد المدى.
لقد تسابقت عدة دول على أراضي إفريقيا لتؤمن لنفسها الغذاء ومنها دول عربية وخليجية استأجرت أراضي شاسعة في دول حوض النيل وعلى الأخص السودان، حيث تتوافر عناصر نجاح المشاريع الزراعية وهو حق مشروع لجميع الأطراف المتعاقدة ويصب في مصلحة الاستثمار المشترك العائد نفعه على تلك الدول المستثمرة والمستضيفة تلك الاستثمارات المباشرة ولكن يبدو واضحا انعدام التنسيق المسبق بين الدول المستثمرة بل حدوث نوع من السباق على هذه الفرص الاستثمارية الزراعية ما أدى إلى تجاهل مواقف الآخرين واحتياجاتهم في إعادة اقتسام حصص المياه حسب الاتفاقية التاريخية بين دول حوض النيل.
ولعل الوضع الحالي لإعادة اقتسام الحصص المائية يضع الدول العربية والخليجية واستثماراتها في كفة ومعها مصر والسودان في مواجهة الاستثمارات الآسيوية ومعها دول منبع نهر النيل وهو خلاف يجب أن يحل وفق المبادئ الثابتة والتاريخية الموقع عليها بين الدول المشتركة في الحقوق المائية للنهر، وحيث لا يوجد قانون دولي للمياه سوى الاتفاقيات التي تعد القانون الوحيد إضافة إلى العرف الدولي الذي يمنع إنهاء الاتفاقيات بإرادة أحد أطرافها أو بعضهم نتيجة لتغير مصالحه أو وجود مستجدات تملي عليه إعادة النظر في حقوقه التي سبق أن قبلها وتعامل على أساسها فترة طويلة جعلت منها عنصر ثبات واستقرار يشمل الجانب السياسي أيضا.
إن مؤشرات عدم نجاح مؤتمر شرم الشيخ بين دول الاتفاقية المنظمة لحقوق دول حوض النيل قائمة ولكن حجم المصالح والاستثمارات والمنافع المشتركة أكبر من أي خلاف طارئ وهذا ما يجعل منه الخبراء عامل حث على إنجاز وترتيب دولي تقوم فيه الأمم المتحدة بدور الوسيط الحريص على مصالح الأطراف لتعزيز وتفعيل الاتفاقية الموقعة بين الدول ذات العلاقة ومنع حدوث تباين المواقف بشكل يهدد حسن العلاقات بين الدول التي تعاونت طويلا للحفاظ على حقوقها المشتركة ومع الإيمان بدور الاستثمارات الأجنبية في إفريقيا، إلا أن مهمتها تعزيز الرفاهية وليس خلق صراعات جديدة تفتح مجالات لقوى غير مرئية تسعى إلى عدم الاستقرار في منطقة عانت ولا تزال تعاني من قضاياها الشائكة التي تجد من يحرك قواعدها الثابتة لتغيير تستفيد منه أطراف بعيدة في مواقعها الجغرافية وأهدافها السياسية عن الطموحات المشروعة لسكان القارة ومستقبل شعوبها.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*