أزمة الغذاء تتعمق والأسعار ترتفع

المتوسط اونلاين 31\1\2010

اختفاء مسألة أسعار المواد الغذائية عن الواجهة الإعلامية مؤخرا لا يعني أنها قد تلاشت؛ فعلى الرغم من أن هذه الأسعار قد نزلت عن المستويات القياسية غير المسبوقة التي عرفتها في بداية السنة الماضية، لم تنزل إلى المستوى الذي كانت عليه قبل ذلك.
كما أن العديد من العوامل التي دفعت بالأسعار إلى الارتفاع آنذاك لا تزال قائمة.
ويذكر من بين هذه العوامل المنافسة التي بات يمثلها الوقود النباتي والتي تؤثر على المردودية، وارتفاع نسبة سكان المدن، ثم آثار التغيرات المناخية التي تهدد المحاصيل.
وكانت الأمم المتحدة أنشأت في حزيران-يونيو الماضي فريقا لتنسيق العمليات الخاصة بالغذاء، يرأسه الآن الدكتور ديفيد نبارو الذي اشتهر بقدرته على حل المعضلات خصوصا عندما ساهم في التصدي لأنفلونزا الطيور.
وقد قال نبارو إن انهيار الاقتصاد العالمي لم ينه أزمة الغذاء بل زادها حدة وتعقيدا.
بينما تنتشر ذبذبات الهزة التي ضربت القطاع المصرفي في البلدان الغنية لتهز باقي بلدان العالم تضرب الموجة بعنف أولئك الذين هم أقل قدرة على الصمود في البلدان الأكثر فقرا.
لقد قلَّت الأموال التي تستثمر في مشاريع تجارية جديدة، كما انخفضت المبالغ المخصصة للاستثمار الخارجي المباشر، أضف إلى ذلك أن تباطؤ الحركة الاقتصادية في العالم يعني أن المبالغ التي يرسلها العمال المهاجرون إلى بلدانهم قد تقلصت، ففي بلد مثل كينيا، حيث تواصل الأسعار ارتفاعها محليا، الآثار السلبية بادية للعيان.
واستنادا إلى البنك الدولي، يتوقع أن ينكمش حجم التجارة العالمية لأول مرة منذ سنة 1982، مما سيعرقل أكثر النمو الاقتصادي في البلدان النامية.
إن انخفاض أسعار بعض المواد الأولية قد خفف من حدة ارتفاع أسعار المواد الغذائية، لكنه تسبب في المقابل في عدد من المشاكل لبلدان تعتمد اقتصاديا على هذه المواد الأولية كزامبيا التي تعتمد على النحاس.
وكان تقرير للبنك الدولي صدر العام 2009 خلص إلى أن وقوع نقص في المواد الغذائية وفي الوقود أمر ممكن الحدوث، وعليه لا بد من اعتماد سياسات متيقظة.
وقال أندرو بورنز مؤلف التقرير ينبغي تحديد هدف المساعدات بدقة.
وأوضح قائلا: “إننا في حاجة إلى مبادرة للحد من الحظر المفروض على تصدير الحبوب، ولتعزيز وكالات من قبيل برنامج الغذاء العالمي، وتحسين مجال الإعلام باحتياطات الحبوب المحلية والتنسيق بشأنها”.
وقد خصص البنك الدولي مليارا و200 مليون دولار لمساعدة تلك البلدان الأشد تضررا من ارتفاع أسعار المواد الغذائية في العام 2008.
وكان هذا المبلغ جزءا من 18 مليار دولار خصص لمعالجة هذه الأزمة على الصعيد العالمي، لكن الجمعيات المعنية بمكافحة الفقر تقول إن هذه المبالغ الموعودة لم توزع كلها على المحتاجين.
ويقول رئيس فرع النداء العالمي لمكافحة الفقر في كينيا موانجي وايتورو إن أسعار المواد الغذائية لم تتوقف عن الارتفاع ما جعل من الصعب على العديد إطعام عائلاتهم.
وأضاف وايتورو قائلا: “إن المجتمع الاستهلاكي الراهن تسبب في تآكل شبكات التضامن الاجتماعي التقليدية، مما يجعل الفقراء في ظرف أكثر حرجا”.
كل هذا يعني أن أهداف الألفية المتعلقة بمكافحة الجوع والفقر ربما لا تتحقق، خصوصا أن عدد الأشخاص الذين ينامون وهم جوعى يقارب المليار، بينما تؤدي خطط إنقاذ البنوك في الدول الغنية إلى نقص في الاعتمادات التي كانت ستخصص لإطعام الجياع وتمويل مشاريع زراعية.
ويقول صندوق النقد الدولي الدول الفقيرة تحتاج إلى ما قيمته 25 مليار دولار من التمويل الإضافي لتجاوز معلضة الجوع.
ووصف الصندوق الوضع الذي تواجهه الدول الفقيرة بأنه “الموجة الثالثة” للازمة التي طالت أولا الدول المتقدمة، ثم الاقتصادات الصاعدة، والآن تضرب الدول الفقيرة.
وناشد الصندوق الدول المانحة عدم تقليص المساعدات التي تقدمها للدول الفقيرة، إلا ان الوقائع تشير الى ان هذه الدول قلصت بالفعل معظم المساعدات.
وكان جاك ضيوف المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) قال مؤخرا: “ان أزمة الجوع الصامتة تلك- التي تشمل اليوم سُدس البشرية جمعاء- إنما تَطرح خطراً جَديّاً على السلام والأمن في العالم. لذا من المتعيّن تكوين إجماعٍ شامل بشأن العمل الحثيث والسريع لاجتثاث الجوع على وجه الأرض”.
وتحتاج البلدان النامية إلى الأدوات الإنمائية، والاقتصادية، والسياسية اللازمة للنهوض بإنتاجها وقدرتها الإنتاجية في مجال الزراعة. ومن الواجب تعزيز الاستثمارات في القطاع الزراعي لأن تمتع هذا القطاع بالعافية يعتبر عنصراً لا غنى عنه للتغلب على الجوع والفقر وشرطاً أساسياً للنمو الاقتصادي الشامل في معظم البلدان الفقيرة. ويرجع السبب في خطورة الأزمة الغذائية الراهنة إلى ما عاناه القطاع الزراعي من إهمال ونقص في الاستثمارات على مدى عشرين عاما. وتوفر الزراعة بصورة مباشرة أو غير مباشرة موارد الرزق لنحو 70 في المائة من الفقراء في العالم.
وبقول ضيوف “ربما تكون الاسواق مكتظة بالرواد في الدول النامية مع وجود وفرة على ما يبدو في المنتجات لكن اسعار الطعام لا تزال مرتفعة جدا بالنسبة للكثيرين. وعلى سبيل المثال ما زال نحو نصف السكان في باكستان يعيشون بدون تغذية مناسبة”.
وفي حين تراجعت اسعار الطعام في الدول المتقدمة من الذروة التي وصلت اليها العام الماضي فان الاسعار المرتفعة في الدول النامية ظلت الى حد كبير كما كانت عليه ويصعب على المزارعين بشكل متزايد العيش على ما تنتجه الارض.
وقالت سامينا كوسار صاحبة مزرعة صغيرة في اقليم مولتان بباكستان “ان ارتفاع الاسعار يؤثر علينا.. التضخم يتزايد ولذلك فان أسعار العدس على سبيل المثال مرتفعة جدا. نحن فقراء ولا نقدر على تحمل ذلك. أصبح سعر العدس مثل اللحم الان. الحكومة اعطتنا هذه البذور التي سنزرعها في محاولة للحد من تكلفة الطعام.”
وتقول منظمة الفاو ان الدول الغنية يجب ان تزيد باكثر من ثلاث مرات حصة المساعدات المخصصة للزراعة من خمسة في المئة في الوقت الراهن الى 17 في المئة لتزويد المزارعين في الدول الفقيرة بوسائل الري والسماد والبذور المقاومة للامراض ووسائل التخزين لمحاصيلهم وتوفير سبل نقلها الى الاسواق.
وقالت الفاو إن القارة الافريقية هي الأكثر عرضة لخطر أزمة الغذاء الجديدة.
وكان تضافر ارتفاع أسعار النفط وزيادة الطلب على الغذاء في اسيا التي زاد ثراؤها واستخدام الأراضي الزراعية والمحاصيل في انتاج الوقود الحيوي وسوء الاحوال الجوية والمضاربات التي دفعت أسعار المواد الغذائية للارتفاع قد اثار احتجاجات عنيفة في بعض الدول الفقيرة.
وقال لانارت باج رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (ايفاد) “أغلب الخبراء يعتقدون ان الأسعار المرتفعة ستستمر في الاجل الطويل.”
وأضاف “سنشهد استجابة على جانب العرض لذلك نأمل في ان تتراجع الأسعار بعض الشيء.”
لكنه حذر قائلا “حسب اراء الخبراء في المجال فإن الأسعار ستظل مرتفعة بالمقارنة بما كانت عليه في الماضي وما نشهده هو على الأرجح تغيرا هيكلا نحو الأسعار المرتفعة.”
وبناء على سجلات الأمم المتحدة ارتفعت أسعار الأغذية عالميا بنسبة 35 بالمئة في العام حتى نهاية كانون الثاني-يناير الماضي في تسريع لإيقاع الارتفاعات التي بدأت في عام 2002. ومنذ عام 2002 ارتفعت الأسعار بنسبة 65 بالمئة.
وفي عام 2007 وحده يشير مؤشر الغذاء العالمي لمنظمة الاغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إلى ارتفاع اسعار منتجات الألبان بنحو 80 بالمئة والحبوب بنحو 42 بالمئة.
وقال باج إن الزيادات السريعة كانت بمثابة إشارة قوية إلى ضرورة زيادة الانتاج وهناك دلائل بالفعل على توسع في الزراعات على مستوى العالم.
وأضاف “ستكون هناك استجابة على جانب العرض. لا شك في ذلك. لكن إلى أي مدى ستؤثر استجابة العرض على دفع الأسعار للانخفاض هذا هو السؤال الذي لا نملك الإجابة عليه في الوقت الراهن.”
واشار إلى انه يتعين على المجتمع الدولي ان يتحد ويتخذ إجراءات فورية لإطعام الذين يواجهون خطر الجوع ويركز على حلول طويلة الاجل باستثمار المزيد على الزراعة.
وتابع “شهدنا تراجعا في الاهتمام الحكومي بتمويل الزراعة فيما بين عشر سنوات و15 سنة مضت في العديد من الدول. وشهدنا انخفاضا في مساعدات التنمية الدولية للزراعة من 20 بالمئة في اوائل الثمانينات إلى أقل من ثلاثة بالمئة الآن.”

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*