لماذا يوجد جوع؟ وما العمل لمكافحته؟

عبدالحليم محمود
صحيفة المتوسط 31\1\2010

تثير قضية انتشار الجوع في العالم مشاعر متضاربة. وبطبيعة الحال، فان الخبراء والمفكرين يقدمون تفسيرات وحلولا لا تقل تضاربا.
ولكن الحقيقة هي انه لا يوجد فشل إنساني أعمق أثرا من الفشل امام ظاهرة الجوع.
فالجوع قد يبدو للوهلة الأولى ظاهرة اقتصادية، بل وظاهرة من مظاهر عمل الطبيعة أيضا. وهذا ما تركز عليه معظم المنظمات الدولية، بما فيها منظمة الأغذية والزراعة التابعة لمنظمة الأمم المتحدة. ولكن هناك من يعتبرها ظاهرة سياسية. فالفشل الحكومي والعشوائية السياسية كثيرا ما تكون عاملا مهما في تحويل التجمعات الزراعية التي اعتدت على العيش باكتفاء ذاتي الى تجمعات جياع يفتقرون الى الموارد الأساسية للبقاء في أرضهم أو الاهتمام بها.
ومع ذلك فهناك من يعتبر الجوع ظاهرة اجتماعية وثقافية. فالمجتمعات التي تعجز عن حل أزمات التعايش فيما بينها غالبا ما تنتهي الى الفقر، وبالتالي السقوط في براثن النزاعات والجوع في آخر المطاف. وبدلا من تدبير وسائل لتنمية الموارد فان التخلف المعرفي وانتشار الجهل يجعل من المستحيل على بعض المجتمعات التكيف مع المتغيرات الاقتصادية التي تدور من حولها.
وتقول منظمة الأغذية والزراعة
إن الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والعواصف الاستوائية وفترات الجفاف الطويلة تزداد يوما بعد يوم – مخلفة عواقب وخيمة ومشكلات غذائية في البلدان النامية الفقيرة.
ويعد الجفاف حاليا أكثر الأسباب شيوعا لنقص الغذاء في العالم. ففي عام 2004، تسببت سلسلة الجفاف المتوالية على إلحاق الأضرار بالمحاصيل وفقدان أعداد كبيرة من الماشية في العديد من البلدان مثل أثيوبيا وإريتريا والصومال وأوغندا وكينيا.
ففي العديد من البلدان، يؤدي تغيير المناخ إلي تفاقم الظروف الطبيعية. فعلي سبيل المثال، يتعامل المزارعون الفقراء في أثيوبيا أو جواتيمالا مع قلة هطول الأمطار ببيع الماشية لتغطية خسارتهم وسداد ثمن الغذاء. بيد أن استمرار الجفاف لسنوات متتالية في القرن الإفريقي ووسط أمريكا يعمل على استنفاذ موارد البلاد.
وتشكل الحروب عاملا آخر من العوامل المؤدية الى توسيع دائرة الجوع. فمنذ عام 1992، تضاعفت الأزمات الغذائية والتي يمكن أن يتسبب فيها الإنسان، حيث ارتفعت من 15 في المائة إلي أكثر من 35 في المائة. وغالبا، تكون هذه الحالات الطارئة نتيجة للصراعات.
فبدءا من آسيا ومرورا بإفريقيا وانتهاء بأمريكا اللاتينية، أدى القتال إلي تشريد ملايين الأشخاص ونزوحهم من منازلهم مما أدى إلي حدوث أسوأ حالات الجوع في العالم. ففي عام 2004، شرد الصراع المتفاقم في إقليم دارفور بالسودان أكثر من مليون شخص متسببا في حدوث أزمة غذائية في منطقة كانت تتمتع بصفة عامة بالأمطار والمحاصيل.
وفي الحروب، يكون الغذاء أحيانا بمثابة السلاح حيث يعمل الجنود على تجويع الأعداء بالاستيلاء على الغذاء والماشية أو تدميرهم، وبالتالي تتضرر الأسواق المحلية بشكل كبير، ناهيك عن تلويث الحقول ومياه الآبار أو وضع الألغام فيها، مما يجبر المزارعين على التخلي عن أراضيهم.
وعندما أدت الصراعات إلي انتشار حالة من الفوضى في إفريقيا الوسطي في عقد التسعينيات، ارتفعت نسبة السكان الجوعي من 53 في المائة إلي 58 في المائة. وعند المقارنة، فإن سوء التغذية يتزايد في أماكن هادئة في إفريقيا مثل غانا وملاوي.
وفي العادة فان “حلقة الفقر” تصبح مثل حجر الرحى، كلما زادت دورانا، كلما زاد انسحاق الفقراء بين فكيها. إذ لا يستطيع المزارعون في العديد من البلدان النامية شراء البذور لزراعتها لتوفير الغذاء لأسرهم. كما لا يتوافر لدى الحرفيين المال لشراء المعدات للعمل، ولا يملك آخرون الأراضي أو المياه أو التعليم لإرساء أسس مستقبل آمن. ولا يملك الفقراء المال لشراء أو توفير الغذاء لأنفسهم ولأسرهم. وبالتالي فهم ضعفاء ولا يمكنهم شراء مزيد من الطعام.
وترى منظمة الأغذية والزراعة انه “على الأمد الطويل، يعد تحسين الانتاج الزراعي الحل الأمثل والأنجح لمشكلة الجوع”.
وتفتقر العديد من البلدان النامية إلي البنية الزراعية الأساسية، مثل الطرق والمخازن ووسائل الري. وينتج عن ذلك ارتفاع تكلفة النقل والافتقار إلي مرافق التخزين وعدم استقرار الموارد المائية مما يؤدي إلي قلة العوائد الزراعية وانخفاض فرص تأمين الطعام. ولكن على الرغم من أن أغلبية البلدان النامية تعتمد على الزراعة، إلا أن التخطيط الاقتصادي الذي تقوم به الحكومات غالبا ما يهتم أكثر بالتنمية العمرانية.
وتعمل الممارسات الزراعية السيئة وإزالة الأشجار على استنفاذ خصوبة الأرض ونشر الجوع. وتتزايد الخطورة على الأراضي الخصبة في العالم نتيجة التصحر وتأكل التربة وارتفاع نسبة الملوحة.
وهناك اليوم أكثر من مليار جائع في العالم. ولكن العوامل أعلاه لا تكفي لتقدم تفسيرا وافيا للفشل. حيث يقول بعض الخبرات ان فشل السياسات الحكومية يلعب دورا كبيرا في تفشي الظاهرة.
واليوم يضطر نصف سكان العالم تقريبا على العيش بما يعادل أقل من دولارين في اليوم لكل شخص، بل ويضطر خمس سكان العالم إلى العيش في بؤس، لأن كل منهم يعيش بما يعادل أقل من دولار واحد في اليوم. وكل هؤلاء أناس ينامون ببطون خاوية، أو لا يجدون ما يقتاتون به، أو يعانون من سوء التغذية. أي أنهم يعانون من الجوع. بيد أن كوكب الأرض خصب  بدرجة تكفي بشكل واضح لتغذية أكثر من سكانه اليوم، وبالتالي فإن نقص الغذاء، وانتشار الجوع، والموت جوعا ليست أمورا طبيعية؛ فلقد أكدت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة الأمم المتحدة قبل عشرين عاما أن “المشكلة لا تتمثل في نقص المواد الغذائية، بقدر ما تتمثل في انعدام الإرادة السياسية”.
وتحصد آفة الجوع أرواح العديد من الأطفال في الدول الفقيرة. والملفت للنظر أن البلدان التي تنهج سياسة تساهم بشكل واسع في توفير أماكن العمل، تكاد تخلو من ظاهرة الجوع. عكس ذلك،  تنتشر آفة الجوع والموت بسبب الجوع بشكل ملحوظ في البلدان التي تسود فيها أنظمة ديكتاتورية وتعسفية. يضاف إلى ذلك، أن الأزمات الاقتصادية الأخيرة التي شهدها العالم كانت لها تداعيات سلبية على اقتصاديات الدول النامية، إذا زادت فيها حدة الفقر فضلا عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية التي زادت بدورها في انتشار آفة الجوع في هذه البلدان لاسيما بين عامي 2007 و2008. ولم تكد أسعار المواد الغذائية تعود إلى الانخفاض حتى تعرضت الدول النامية لتداعيات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي أدت إلى انهيار قطاع التصدير في الكثير من هذه الدول. ومن ناحية أخرى، أدى التغير المناخي إلى انتشار القحط وسوء الحصاد، الأمر الذي أفشل النجاحات التي تم التوصل إليها سابقا فيما يتعلق بجهود مكافحة الجوع، خاصة في الصين والهند.
ويزيد غياب أنظمة للضمان الاجتماعي في الدول النامية من تكريس آفة الجوع. ولأن الناس في هذه الدول فقراء تضعف القوة الشرائية. كما أن المزارعين، الذين ينتج معظمهم ما يكفيه وأسرته، لا يلقون الإغراء الكافي لزيادة منتجاتهم؛ فحيثما يتوفر الطلب والقدرة على الشراء، تتوفر العروض المناسبة لذلك.
ويرى بعض الخبراء إن أهم الإجراءات للتغلب على الجوع في العالم تكمن في توفير المزيد من إمكانيات العمل، وبالتالي توفير المدخولات المشجعة على الشراء. وهذا ما يعد قضية الدول النامية نفسها؛ إذ يجب عليها- وكما حدث في الصين والهند- وضع أساسيات اقتصادها، بحيث تنطلق المبادرات الخاصة لتنميته. كما يجب عليها التقليل من سيطرة الدولة على الاقتصاد، ومكافحة الفساد، حتى يمكن للمبادرات الخاصة، أي للقطاع الخاص، أن تقوى وتزداد.
ويقول منسق برنامج الأغذية “تليفوود” التابع لمنظمة الفاو في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إسماعيل أبوزيد إن إنتاج العالم من الحبوب بلغ 2300 مليون طن في العام وهي كمية تزيد على احتياجات البشر، ومع ذلك فإنه مازال هناك جوع في العالم حيث حدثت زيادة 90 بالمائة في أسعار المواد الغذائية خلال عام مما اضطر الدول النامية لتخصيص مليارات الدولارات لمواكبة هذه الزيادة.
ويقول أبوزيد أنه في كل دقيقة يموت عشرة أطفال أي بمعدل طفل كل ست ثوان بسبب الجوع في الوقت الذي يتم فيه التركيز بشكل مبالغ على الحديث عن انفلوانزا الخنازير بينما هناك 17 مليون جائع يموتون كل عام.
ويضيف قائلا “لا أقلل من شأن ما تقوم الأجهزة المعنية بمرض إنفلونزا الخنازير ولكن إذا كان عدد الضحايا هو المعيار فإن الجوع هو الأخطر” ..مستنكرا حدوث هذا في الوقت الذي ينتج فيه العالم أغذية تزيد على حاجته وينفق على التسلح في يوم واحد ما يكفي للقضاء على الجوع في دول العجز الغذائي.
ويقول الممثل المقيم لمنظمة (الفاو) لدى مصر عبد السلام ولد أحمد القائم بأعمال مكتب الشرق الأدنى في المنظمة إن الشراكة بين الفاو والمجتمع الدولي تشكل حجر الزاوية لجهود المنظمة في مكافحة الجوع موضحا أن السياسات الإقتصادية غير المتوازنة وضعف الإستثمارات في القطاع الزراعي وعدم فاعلية برامج الحماية الزراعية إضافة إلى تأثير الأزمة المالية العالمية تمثل أسباب تدهور الموقف العالمي إزاء مكافحة الجوع حيث زاد عدد الجوعى 105 ملايين شخص في عام 2009.
ويضيف أن الدول العربية تستورد 50 بالمائة من احتياجاتها الزراعية حيث أن العالم العربي أكبر مستورد للحبوب مما يجعله أكثر عرضة لتقلبات السوق. ويمكن لهذا الوضع أن يزداد سوءا بسبب التغيرات المناخية وزيادة السكان.
وكان ملايين الفقراء خاضوا تظاهرات ضد الجوع وارتفاع أسعار  المواد الغذائية في عام 2008. ويرجح مع ارتفاعى معدلات التضخم ان يشهد هذا العام اضطرابات قد تكون أكثر حدة إذا فشلت الحكومات في تدبير وسائيل لخفض كلفة الغذاء.
وكان المفوض الاوروبي للتنمية لوي ميشال حذر في وقت سابق من ان “صدمة غذائية آخذة في الارتسام في الافق وهي اقل وضوحا من الصدمة النفطية غير ان اثرها المحتمل سيشكل تسونامي اقتصاديا وانسانيا حقيقيا في افريقيا”.
وزاد النمو الكبير للاقتصادات الصاعدة مثل الصين والهند والبرازيل الطلب على المواد الغذائية. وزاد من تفاقم هذه الظاهرة سوء الاحول المناخية في الدول المنتجة مثل استراليا والمضاربة المالية والطلب على الحبوب لانتاج الوقود الحيوي غير الملوث.
وكان المشاركون في قمة الغذاء في روما العام الماضي اكدوا على ضرورة “القضاء على الجوع في العالم” شددوا على “ضرورة خفض معدل وعدد الاشخاص الذين يعانون من الجوع وسوء التغذية، الى النصف، بحلول 2015”.
وما يزال امامنا 5 أعوام حتى ذلك التاريخ ولكن المؤشرات المتاحة حتى الآن لا تبشر بخير.
فالدول الاعضاء في منظمة الفاو اكدت على “هدف الالفية” للقضاء على الجوع في حزيران-يونيو 2008، ولكن عدد الجياع ارتفع في العام 2009 من 850 مليونا الى 1.2 مليار.
وهو ما يعني ان الفشل ما يزال قائما، وان عدد الجياع لن يتراجع، ليؤكد ان البشر لم يبلغوا بعد ذلك المستوى من الإنسانية الذي يدفعهم لمعالجة هذه الظاهرة باعتبارها عارا حقيقيا.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*