التفوّق العربي في صناعة الجوع

كرم الحلو
جريدة السفير 30\1\2010

جاء في تقرير منظمة الفاو عن الجوع وانعدام الأمن الغذائي في العالم عام 2009 أن الأزمة الغذائية والاقتصادية دفعت بأعداد الجياع في أنحاء العالم الى حدود قياسية حيث تجاوز عددهم المليار. وعلّقت المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي على ذلك بالقول: “علينا أن نتحرك بسرعة، فليس مقبولاً في القرن الحادي والعشرين أن يبقى واحد من كل ستة من سكان العالم جائعاً”.
في المقابل، ورد في تقرير التنمية الإنسانية العربية الخامس الذي صدر نهاية العام الماضي أن 40 في المئة من سكان المنطقة العربية تحت خط الفقر، وأن هذا الرقم قابل للارتفاع إذا جرت أقلمة المؤشر، فيبلغ في مصر 41 في المئة و60 في المئة في اليمن. ما يدل الى استمرار ظاهرة الفقر الذي يصل الى حد الجوع، في مقدمة التحديات التي يواجهها العالم العربي المعاصر.
وكانت دراسات وأبحاث متعددة قد أشارت الى انهيار الطبقة الوسطى العربية التي كانت في أواسط القرن الماضي تمثل شريحة أساسية في المجتمع العربي. ما أدى الى تراكم الفقراء في أحزمة الفقر الواسعة المحيطة بالمدن العربية، والتي أصبحت تشكل أكثر من 55 في المئة من العرب، وفق تقرير التنمية البشرية لعامي 2007ـ2008، فضلاً عن ان أكثر البلدان العربية ذات الثقل السكاني تقع في مرتبة متأخرة من حيث التنمية البشرية بين دول العالم الـ177ـ مصر 112 المغرب 126 السودان 147 اليمن 153ـ الأمر الذي يضع إشكالية الجوع في مقدمة الإشكاليات التي تنذر بأفدح الأخطار على مستقبل الأمة العربية وتجعل الحديث عن التحديث السياسي والاجتماعي والعلمي من دون جدوى، إذ لا حداثة حقـــيقية في ظل الفقر المدقــع والجــوع، على حد تعــبير تقرير التنمية البشرية لعام 2006 الذي نبّه الى ان “المستويات المرتفــعة لفقر الدخل تسهم في انعدام الحريات الحقيقية في العالم”. ومجتمعاتنا العربية باتت منذ أواسط القرن الماضي الى الآن منتجة للجوع بامتياز، إذ دأبت بسياساتها البيئية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية على صناعة الجوع وتفاقمه.
فعلى المستوى البيئي ثمة استنزاف للبيئة في البلدان العربية، ولا سيما تلك المنخفضة الدخل، حيث جاء ترتيب موريتانيا في دليل الإنماء البيئي في المرتبة 146 واليمن 139 والعراق 135 والسودان 129 وسوريا 99 وعمان 91 والمغرب 82، ما يظهر عدم اهتمام هذه البلدان بالمتغيرات المؤدية الى الاستنزاف البيئي وأثر ذلك على الأمن الغذائي العربي.
ويعاني العالم العربي من ضآلة الأراضي الزراعية المروية والتي لا تتجاوز 24,5 في المئة من إجمالي الأراضي الزراعية المقدرة بنحو 67,4 مليون هكتار. ولا تسهم قوى العمل الزراعي التي تتركز في مصر والسودان والصومال وجيبوتي، والتي تزيد على 55,8 من مجمل القوى العربية العاملة، إلا بما نسبته 31,5 في المئة من مجمل الإنتاج الزراعي العربي، نظراً لانخفاض إنتاجية العمل الزراعي في هذه الأقطار. الأمر الذي أسهم في اتساع الفجوة الغذائية العربية، وترافق ذلك مع ارتفاع في أسعار المواد الغذائية عالميا بلغ 10 في المئة نهاية القرن الماضي، ليفاقم ظاهرة الجوع.
فقد تصاعد العجز في الميزان التجاري الغذائي العربي من 18813 مليون دولار عام 1990 الى 23499 مليون دولار عام 2000 الى 27436 مليون دولار عام 2004، حتى ان واحداً من رغيفي الخبز اللذين يتناولهما الفرد العربي مستورد من حيث مكوناته في العديد من سنوات العقدين الماضيين.
ومن العوامل المؤسسة لصناعة الجوع في العالم العربي ضآلة الطبقة العاملة العربية ـ الأضأل في العالم ـ وحيث تصل نسبة الإعالة الى 73 في المئة، بينما هي في الدول النامية 61,7 والبلدان المتقدمة 49,6، بالإضافة الى هامشية موقع المرأة العربية في الإنتاج، إذ لا يتعدى نشاطها الاقتصادي قياساً الى الذكور الـ34 في المئة وفق تقرير التنمية البشرية لعام 2006، ولا تتجاوز مشاركتها الإجمالية في قوة العمل الـ8 في المئة في غالبية الأقطار العربية، بينما هي في الدول المتقدمة أكثر من 20 في المئة.
فضلاً عن ذلك، المجتمع العربي هو مجتمع استهلاكي يعتمد الاستيراد في كثير من حاجاته، حيث تبلغ وارداته 32,8 في المئة من ناتجه الإجمالي، قياساً الى الدول النامية 30,2 والعالم 23,2.
ومن عوامل الجوع فداحة الهوة الطبقية بين الفقراء والأغنياء، وإحجام هؤلاء عن تحمل مسؤولياتهم في إنماء مجتمعاتهم. فالعائدات النفطية الكبيرة لم تحقق التنمية المرتجاة، اذ وظفت في المصارف الأجنبية، وقد قدّرت خسائر العرب جراء الأزمة الأخيرة بأكثر من ألفي مليار دولار، فضلا عن التوسع في الاستيراد والاستهلاك غير المجدي الذي أزهق الجزء الأكبر من الثروات العربية.
ووفقاً لتقرير التنمية البشرية لعام 2006 بلغ نصيب الـ10 في المئة الأفقر، قياساً الى الـ10 في المئة الأغنى، 2,7 الى 30,6 في الاردن، 2,3 الى 31,5 في تونس، 2,8 الى 26,8 في الجزائر، 3,7 الى 29,5 في مصر، 2,6 الى 30,9 في المغرب 3 الى 25,9 في اليمن. وقد زادت هذه الهوة فداحة في تقرير التنمية البشرية لعام 2009، اذ بلغت 2,7 الى 33,2 في المغرب، 2,9 الى 30,8 في اليمن، 2,8 الى 26,9 في الجزائر.
وللتزايد السكاني المتسارع دور أساسي في تفاقم ظاهرة الجوع في العالم العربي، حيث معدل النمو السكاني هو الأعلى في العالم حتى بالقياس الى الدول النامية 2,8 الى 2 في المئة.
وللإنفاق العسكري دوره المقيت في صناعة الجوع، فقد تجاوز آلاف مليارات الدولارات منذ سبعينيات القرن الماضي الى الآن. عام 1999 على سبيل المثال، كان العالم العربي الأكثر إنفاقاً على التسلّح في العالم، حيث بلغت مشتريات الأسلحة 60 مليار دولار. وخلال ولاية جورج بوش اشترت ثلاث دول عربية سلاحاً بأكثر من 50 مليار دولار، ويصل الإنفاق العسكري في بعض الدول العربية، مثل عمان والإمارات وسوريا الى أكثر من ثلث إنفاقها العام.
وثمة علاقة قوية وثابتة بين ظاهرة الجوع وفساد الأنظمة واستبدادها، اذ ان فساد الأنظمة الاقتصادية وتمركزها عند فئات محددة يقود الى تهديد الأمن الغذائي وتنامي الجوع، ويقلّل القدرة على مواجهة الصدمات.
وتؤكد التقارير الدولية أن الفساد قد ساد معظم البلدان العربية، ووفقاً لتقرير الشفافية الدولية للعام 2008 تقع ثلاث دول عربية بين الدول الأكثر فساداً في العالم، وهي الصومال التي تحتل المركز الأخير، والعراق والسودان ويحتلان المركزين 178 و173 من بين 180 دولة شملها التقرير.
في ضوء هذه الحقائق ستبقى ظاهرة الجوع تهدد العالم العربي سياسياً واجتماعياً، وقد تؤول الى تحولات انقلابية عنيفة في البنى المجتمعية تهدّد مستقبل الأمة العربية في الصميم.
إن تجاوز هذه الإشكالات الكبرى التي تسهم في صناعة الجوع وتفاقمه رهن بـ:
أ ـ التوزيع العادل للــثروة الوطــنية وتضييق الفجوة بين الأغنياء والفـقراء، وإسهام الأثرياء العرب في ارتقاء الإنسان العربي معيشياً وثقافياً، فدخل الفرد في فيتنام 550 دولاراً وفي سريلانكا 1033 دولاراً، بينما هو في الجزائر 2616 دولاراً وفي مصر 1085 دولاراً. ومع ذلك فإن نسبة الأمية في مــصر 39 في المئة وفي الجزائر 31 في المئة، بينما هي أقل من 10 في المئة في فيتنام وسريلانكا. ما يدل على خلل كبير في استخدام الثروات العربية واتجاهها في غير مصلحة التنمية المجتمعية الشاملة.
ب ـ تحول المجتمع العربي من الاستيراد المبدّد للثروة الى مجتمع كفاية ينتج حاجاته الغذائية ويستخدم موارده الاقتصادية استخداماً رشيداً. فواردات العالم العربي تبلغ ثلث ناتجه الإجمالي، وهي الأعلى حتى بالنسبة الى الدول النامية.
ج ـ الحد من الانفجار السكاني، فقد تضاعف عدد السكان العرب 8 مرات في خلال القرن العشرين. ويتوقع وصول هذا العدد الى 386 مليوناً عام 2015.
د ـ الحد من الإنفاق على التسلح وأجهزة أمن الأنظمة.
هـ ـ استصلاح الأراضي الزراعية واستخدام التقنيات الحديثة في الزراعة والعمل على منع التصحّر.
و ـ مكافحة البطالة وإقحام المرأة العربية في الإنتاج.
ط ـ تقليص الهجرة من الريف الى المدينة وتطوير مؤسسات المجتمع المدني في الريف العربي.
هذه مقدمات تؤسس في نظرنا لتقليص ظاهرة الجوع في العالم العربي، قبل أن تصحو على أزمة اجتماعية مستعصية لا يمكن بعدها الأمل في أي إصلاح.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*