الأمن الغذائي ومخاطر الاعتماد علي الغير

بقلم‮ : ‬أ.د.نادر نور الدين محمد*
أخبار اليوم المصرية 15 يناير 2010

تعاني الدول العربية من فجوة‮ ‬غذائية كبيرة تجعلها علي قمة الدول المستوردة للغذاء في العالم وبما جعل اقتصادياتها هي الخاسر الأكبر من ارتفاع أسعار الغذاء أثناء الأزمات العالمية للغذاء بأكثر من‮ ‬1٪‮ ‬من دخلها القومي الكلي‮. ‬تستورد الدول العربية نحو‮ ‬58‭.‬2٪‮ ‬من احتياجاتها من الحبوب وأكثر من‮ ‬50٪‮ ‬من إجمالي احتياجاتها من السعرات الحرارية المستمدة من الغذاء والمقدرة بنحو‮ ‬1800‮ ‬كيلو كالوري للفرد الواحد يوميا ونتيجة لذلك حذرت كل من المنظمة العربية للتنمية الزراعية ومنظمة الأغذية والزراعة‮ (‬FAO‮) ‬في التقارير الصادرة بنهاية عام‮ ‬2009‮ ‬من مغبة الفجوة الغذائية العربية وسبل تحسين الأمن الغذائي العربي موضحة أخطار الاعتماد علي الغير واستمرار استيراد الغذاء أوضحت هذه التقارير بأن مغبة الاعتماد علي الغير في الأمن الغذائي‮ ‬غير آمن للعديد من الأسباب ومنها التقلبات السريعة في أسعار الغذاء لعدم مرونة العرض والطلب في السلع الزراعية نتيجة للفترات الموسمية والزمنية اللازمة للإنتاج الزراعي أي أن التحول الي زيادة إنتاج الغذاء يتطلب زمنا يتراوح بين ستة أشهر وسنة بسبب وجود حاصلات شتوية وأخري صيفية وكل من هذه الزراعات تستغرق موسم نمو نحو ستة أشهر وبالتالي فإن التحول الي زيادة انتاج الغذاء للتغلب علي ارتفاع أسعاره قد يتطلب عاما كاملا نكون قد خسرنا خلاله الكثير أيضا ان أسواق الحبوب العالمية تستقبل قدرا ضئيلا من الإنتاج العالمي لا يزيد علي‮ ‬18٪‮ ‬في القمح و6٪‮ ‬في الأرز ويستهلك الباقي محليا في الدول المنتجة وبالتالي فإن أي تغيير ضئيل بين العرض والطلب يؤدي الي تغيرات هائلة في الأسعار كما ان الزيادة السكانية في البلاد المنتجة قد تقلل من الكمية المعروضة في الأسواق العالمية‮. ‬يعمق من هذه المشكلة ان معدلات الزيادة السكانية في الدول العربية تعد هي الأعلي عالميا وتتجاوز‮ ‬3‭.‬2٪‮ ‬في دول الخليج وبمتوسط عام لجميع الدول العربية يبلغ‮ ‬1‭.‬7٪‮ ‬مقارنة بمتوسط العالم الذي لا يتجاوز‮ ‬1‭.‬1٪‮ ‬فقط مع زيادة القدرة الشرائية كمتوسط عام للدول العربية يبلغ‮ ‬3‭.‬4٪‮ ‬مقابل‮ ‬3٪‮ ‬عالميا وزيادة نسبة التحضر والتحول من الريف الي الحضر في الدول العربية بنسبة‮ ‬3٪‮ ‬سنويا بالمقارنة بنسبة‮ ‬2٪‮ ‬عالميا بما يقلل من إنتاج الغذاء ويعمق الفجوة الغذائية يضاف الي ذلك أيضا ان أسعار الغذاء ترتبط تاريخيا بأسعار البترول فوق مستوي‮ ‬50‮ ‬دولارا للبرميل وتسببه في ارتفاع تكاليف نقل الغذاء كما وأن العالم يتجه نحو نضوب البترول والغاز الطبيعي خلال الخمسين عاما القادمة بما سيؤدي الي حدوث ارتفاع كبير في أسعار البترول نتيجة لنقص المعروض منه ومن ثم ارتفاع أسعار الغذاء بالتبعية‮. ‬ارتفاع أسعار البترول سيؤدي الي التوسع في إنتاج وزيادة دعم الوقود الحيوي من حاصلات الغذاء خاصة في الولايات المتحدة التي توفر نحو‮ ‬28٪‮ ‬من صادرات الحبوب في العالم بما سيؤدي الي ارتفاع أسعار الغذاء خاصة الحبوب والزيوت والتي تمثل الفجوة الأكبر في‮ ‬غذاء المصريين والعرب بعدما حرقت الولايات المتحدة وحدها في العام الماضي‮ ‬110‮ ‬ملايين طن من الحبوب لإنتاج الوقود الحيوي في حين استوردت جميع دول العالم‮ ‬135‮ ‬مليون طن تغيرات المناخ واحترار كوكب الارض أيضا سيؤدي الي نقص إنتاج الحبوب بنحو‮ ‬5٪‮ ‬ونقص إنتاجية الغذاء بنسب قد تصل الي‮ ‬20٪‮ ‬بما ينعكس علي ارتفاع أسعاره فإذا أضفنا الي كل ما سبق عدم ضمان ان يظل النمو في الانتاج الزراعي متقدما علي النمو السكاني العالمي وكذا تدني الميزانيات المخصصة لدعم البحوث الزراعية لإنتاج السلالات عالية الإنتاجية في الدول العربية فإن الفجوة الغذائية ستكون في طريقها للتعمق وليس التقلص ولا يجب أن نغفل قيام بعض الدول المنتجة للغذاء بفرض حظر علي تصدير الغذاء أثناء‮ ‬الأزمات العالمية كما حدث من أربعين دولة في الأزمة السابقة ومنها مصر التي حظرت تصدير الأرز لتوفير الغذاء محليا لشعوبها ثم مخاطر نقص المخزون العالمي من الغذاء الذي يحدث دوريا وتقلب أسعار العملات عالميا وانخفاض أسعار الفوائد علي القروض بما يشجع علي تخزين أكبر للغذاء في الدول المستوردة وبالتالي زيادة تكرار أزمات الغذاء فإذا ارتبطت كل العوامل السابقة بمحدودية المياه الغذبة والأراضي الزراعية في الدول العربية وكذلك محدودية زيادة إنتاج الحبوب عربيا بنسب أقل من‮ ‬14‭.‬5٪‮ ‬بالمقارنة بنسب‮ ‬21٪‮ ‬عالميا فإن الصورة تكون قد اكتملت بشأن خطورة الفجوة الغذائية العربية وضرورة العمل العاجل علي علاجها واتخاذ إجراءات عاجلة عربيا ومصريا لزيادة إنتاج الغذاء سواء داخل أراضينا أو في أراضي السودان ودول حوض النيل‮.‬
مستقبل الأمن الغذائي العربي وضرورة اتحاد الأموال البترولية مع الخبرات العلمية والعمالة الزراعية المصرية للاستثمار الزراعي الداخلي والخارجي يجب ان تكون في قمة أولياتنا الحالية‮.‬
*أستاذ بكلية الزراعة جامعة القاهرة

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*