أزمة الغذاء العالمية والأمن الغذائي العربي

عبدالله البشير
صحيفة الوسط البحرينية 3\11\2009

تفاقمت أزمة الغذاء عالميا بحيث أصبحت تمثل خطرا بالغا على الإنسانية جمعاء. وقد أشارت تقديرات حديثة لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى أن عدد الجياع في العالم سيصل إلى رقم قياسي مقداره مليار وعشرون مليون نسمة بنهاية عام 2009 م.
وقال المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة جاك ضيوف «إن أزمة الجوع التي تشمل اليوم سدس البشرية جمعاء إنما تطرح خطرا جديا على السلام والأمن في العالم…».
وقد أرجعت المنظمة السبب في ارتفاع أعداد الجياع في العالم إلى الأزمة الاقتصادية العالمية، وتشبث أسعار الأغذية بمستوياتها العالية في البلدان النامية، إضافة إلى ما عاناه القطاع الزراعي في تلك البلدان من إهمال ونقص في الاستثمارات على مدى العشرين عاما الماضية.
ووفقا لما أوردته المنظمة فهنالك ضرورة ملحة لتعبئة استثمارات إضافية بمقدار 83 مليار دولار أميركي بصفة سنوية لأغراض الإنتاج الزراعي والخدمات اللاحقة المنبثقة عن القطاع الزراعي لدى البلدان النامية إذا كان للعالم أن يهيئ ما يكفي من غذاء لتلبية احتياجات 9.1 مليار شخص بحلول عام 2050.
ولمواجهة أزمة الغذاء العالمية سينعقد في مقر المنظمة بروما مؤتمر القمة العالمي بشأن الأمن الغذائي خلال الفترة 16- 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 2009 م، لاعتماد تدابير رئيسية بشأن هذه الأزمة.
وعند استعرض واقع الأمن الغذائي في الوطن العربي وبما تملكه العديد من دوله من موارد طبيعية وبشرية ومالية فقد ظل يعاني من مشكلة غذائية حادة بدأت منذ أواخر السبعينيات حتى أصبحت في وقتنا الحاضر واحدة من أخطر المعضلات التي تواجه دوله. فكمية إنتاج الدول العربية من المواد الغذائية لا تكفي لتغطية الاحتياجات الاستهلاكية المحلية، وهو ما يستدعي اللجوء إلى الاستيراد لتغطية هذا العجز.
وتشير بيانات المنظمة العربية للتنمية الزراعية أن إجمالي قيمة الواردات العربية من سلع الغذاء الرئيسية زادت من 13.14 مليار دولار أميركي في عام 2000 م إلى نحو 24.94 مليار دولار في عام 2005 ومن ثم إلى 32.70 مليار دولار في عام 2007. وقد ارتفعت قيمة الفجوة الغذائية من 13.46 مليار دولار كمتوسط للفترة 1999 – 2003 إلى 18.06 مليار دولار في عام 2005 ثم إلى 23.23 مليار دولار في العام 2007.
وقد شكلت واردات الحبوب وحدها في عام 2007 نحو 41 % من القيمة الكلية لواردات السلع الغذائية الأساسية، وشكلت نسبة قيمة واردات القمح والدقيق نحو 52 % من قيمة واردات الحبوب و21 % من القيمة الكلية لواردات السلع الغذائية الأساسية.
كما يستورد الوطن العربي ثلثي احتياجاته من السكر وأكثر من نصف احتياجاته من الزيوت والشحوم وحوالي ثلث متطلباته من الألبان والبقوليات.
ويتضح من بيانات المنظمة العربية للتنمية الزراعية أن الدول العربية تعاني عجزا متصاعدا في جميع مجموعات السلع الغذائية باستثناء الأسماك ومجموعة الخضر، حيث حققت الأولى فائضا عام 2007 بلغ 1406 ملايين دولار والثانية 950 مليون دولار.
ولمواجهة أزمة الغذاء المستقبلية في الوطن العربي وبما قد تحدثه من آثار سلبية على توفير الغذاء للمواطن فيتوجب على الدول العربية التحرك سريعا لتنفيذ مقررات إعلان الرياض بشأن تعزيز التعاون الزراعي العربي وما يدعو إليه من تنسيق في السياسات الزراعية بين الدول العربية بما يؤدي إلى تطوير إنتاج وتسويق وتجارة السلع الغذائية. والتوجه إلى الاستثمار في المشروعات الزراعية العربية المشتركة، وتهيئة التشريعات والقوانين الداعمة للتكامل الزراعي العربي، وتفعيل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وتعبئة الطاقات والموارد لبلورة وإعداد البرامج والمشروعات القطرية والمشتركة التي تساهم في تحقيق أهداف إستراتيجية التنمية الزراعية العربية المستدامة لزيادة القدرة على توفير الغذاء الآمن للسكان.
لقد أعادت أزمة الغذاء العالمية الحالية إلى التذكير بنظرية العالم الانجليزي توماس مالتوس الذي ولد في عام 1766م وتخصص في الاقتصاد السياسي.
حاول مالتوس أن يثبت أن سبب الفقر والمجاعات في العالم هو الناس أنفسهم الذين يتكاثرون بسرعة كبيرة، في ظل موارد اقتصادية محدودة. ولهذا العالم نظرية طرحها في العام 1798 تتلخص في أن النمو السكاني في العالم يتم بموجب متوالية هندسية، وهي تلك التي تعتمد على مضاعفة الرقم الأخير من السلسلة الحسابية «1، 2، 4، 8، 16، 32… ، وهكذا بينما يتزايد معدل إنتاج الغذاء بموجب متوالية عددية، وهي تلك التي تعتمد علي مضاعفة الرقم الأول في المتوالية «1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8… ، وهكذا.
وقد صاغ هذا العالم نظريته التشاؤمية تلك اعتمادا على قانون اقتصادي معروف هو (قانون تناقص الغلة) ويعني هذا القانون انه كلما ازداد استخدام عنصر إنتاجي واحد مع بقاء العناصر الاخرى ثابتة فإن الإنتاج الإضافي يبدأ بالانخفاض.
قياسا على هذا القانون في مسألة السكان هنا انه طالما أن الموارد الاقتصادية بطبيعتها نادرة ومحدودة مهما أدخلت عليها من تحسينات، أوإضافات رأسية أو أفقية فمن الطبيعي أن يأتي يوم ما لا تجد فيه الأعداد المتزايدة من السكان كفايتها الحدية من إنتاج الموارد الاقتصادية طالما تعدت نسبة النمو السكاني نسبة النمو في الناتج الزراعي.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*