شبح مجاعة يتهدد العالم

لم يكد العالم يلتقط أنفاسه من أزمة مالية كادت تودى بأمنه الاقتصادي واستقرار تنميته وازدهاره حتى برزت له أزمة لا تقل أهمية لا بل وخطراً على أمنه وأمانه ومستقبل أجياله إلا وهي أزمة غذاء عالمية باتت تهدد غالبية شعوب العالم وخاصة فى الدول الفقيرة والنامية فقد دقت الامم المتحدة بوكالاتها المتخصصة هذا الاسبوع ناقوس الخطر من شبح مجاعة عالمية أخذت تتفاقم يوما بعد يوم وتهدد حياة الملايين من البشر فى أنحاء متفرقة من العالم  ففى الوقت الذى تشير فيه الدراسات الاممية إلى أن عدد الاشخاص الذين يعانون من نقص الغذاء فى العالم يصل إلى نحو مليار إنسان أطلقت منظمة الأغذية والزراعة الدولية الفاو التى تتخذ من العاصمة الايطالية روما مقراً لها تحذيراً من ان تحقيق اي خفض في عدد الجياع فى العالم لن يتم دون تعاون دولي أكبر وتعتبر منظمة الفاو أن الرقم الحالي من الجياع والمقدر بنحو مليار شخص هو الاعلى منذ عام 1970 م وأن هذا الرقم في ازدياد مستمر حتى قبل الأزمة المالية والاقتصادية الحالية لافتة الى أنه وحتى قبل ازمة الغذاء الاخيرة في العالم وقبل الأزمة الاقتصادية فان عدد الجياع في العالم كان يرتفع بشكل بطىء ومستمر سنوياً وقالت الفاو فى تقرير خاص أصدرته بمناسبة الاحتفال بيوم الغذاء العالمى خلال اكتوبر الجارى أن أزمة الغذاء فى الدول الفقيرة والازمة المالية والاقتصادية العالمية الراهنة تسببتا فى تفاقم ازمة الجوع العالمية  ومن جهته قال جاك ضيوف رئيس منظمة الفاو وكذلك جوزيت شريان رئيسة برنامج الغذاء العالمي في تقريرهما السنوى المشترك حول أمن الغذاء العالمي ليس هناك شعب فى العالم فى مأمن من الجوع ولكن كالعادة فان الدول الفقيرة والناس الفقراء يعانون أكثر وقد دأبت الأمم المتحدة ومن خلال هيئاتها التابعة على تسليط الضوء على عدد من الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإنسانية التي تمر بها المعمورة ما دفعها لتخصيص أيام محددة لملفات خاصة كانت منبع هذه الظواهر، وذلك بغية إيجاد أجواء من الحوار والنقاش البنّاء، ناهيك عن عقد مؤتمرات وندوات من شأنها إيجاد تصورات لحلول لتلك الظواهر ومن بين هذه الظواهر المتفاقمة والتى تكاد تتحول الى ازمات ظاهرة الجوع ونقص الغذاء العالمى. واختارت المنظمة الدولية يوم السادس عشر من أكتوبر من كل عام مناسبة للتركيز على ملف الغذاء العالمي وهو الملف الذي بدا مستعصيا على الحلول المقدمة لتاريخه نتيجة التغيرات الدرامية التي تعرض لها الاقتصاد العالمي خلال العامين الأخيرين. ويتزامن الاحتفاء بيوم الأغذية العالمي مع ذكرى إنشاء منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة الفاو عام 1945 ويهدف إلى تعميق الوعي العام بمعاناة الجياع و فاقدي الأغذية في العالم حيث احتفل بهذا اليوم لأول مرة عام 1981 في إطار محاولة تسليط الأضواء في كل عام على موضوع معين. كما تسعى المنظمة الدولية لتدبير التمويل والأدوات الكفيلة لتخليص العالم من آفة الجوع وتحقيق الأمن الغذائي، وذلك من خلال مواردها وشركائها أو عبر التواصل مع المنظمات غير الحكومية. وتقوم منظمة الأغذية والزراعة العالمية  الفاو بدور رئيس في هذا الصدد حيث تعاظم دور تلك المؤسسة بالتزامن مع بحث الحلول الكفيلة بوقف مسلسل الجوع في العالم حين ارتفع إعداده بين البشر لنحو مليار العام الحالي. ويساعد البرنامج الخاص للأمن الغذائي الحكومات من خلال الفاو على تكرار ممارسات الأمن الغذائي الناجحة على الصعيد الوطني كما يحث على الاستثمار في البنية الأساسية الريفية، وتحقيق تدفقات نقدية من الدخل غير الزراعي إلى جانب الزراعة في المناطق الحضرية وشبكات الأمان. ومنذ منتصف العقد الماضي تم استثمار زهاء 770 مليون دولار من أموال تقدمت بها الجهات المانحة والحكومات الوطنية في برامج الأمن الغذائي التي دشنتها منظمة الأغذية والزراعة العالمية. كما يعد برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة بمثابة أكبر منظمة للشئون الإنسانية في العالم والمنظمة الرئيسية في الأمم المتحدة المعنية بمكافحة الجوع. وقد انخرطت بعض الشركات الكبرى في هذا البرنامج من خلال إبرام شراكة مع المنظمة الدولية ففي سبتمبر الماضي، التفت شركات حول مشروع مبادرةالرئيس الامريكي الاسبق بيل كلينتون العالمية والتي تجمع ما بين الخبرة الفنية لبرنامج الأغذية العالمي والخبرة التي تتمتع بها الشركات في قطاع الأعمال ويستهدف التحالف العالمي جمع أموال من تلك الشركات لتسخيرها في برامجه.
ودعت الفاو جميع المعنيين للاعتراف بالجوع كمشكلة حرجة والسعي لإيجاد الحلول اللازمة لتقويض نسب نموه، إذ تتوقع أن يكون بمقدور مؤتمر القمة العالمي للأغذية – الذي اقترحته المنظمة في نوفمبر المقبل- بمثابة أداة أساسية للقضاء على الجوع. وقد ظهرت مساع دولية تحث الخطى نحو تقليل الأثر المحتمل أن تفرضه التهديدات على الأمن الغذائي العالمي فقد أقرت قمة الدول الثماني الصناعية الكبرى في ايطاليا في عام 2009، تخصيص قيمة استثمارات قدرها 20 مليار دولار لزيادة إنتاج الغذاء في الدول النامية وخاصة الدول الإفريقية، حيث رصد هذا المبلغ على مدى ثلاث سنوات لضمان التنمية الدائمة للزراعة مع “البقاء على تصميمها على تقديم مساعدة غذائية عاجلة ملائمة”. وأعربت القمة حينذاك عن استمرار القلق إزاء الأمن الغذائي العالمي، وأثر الأزمة المالية والاقتصادية وارتفاع أسعار المواد الغذائية على الدول الأقل قدرة على مواجهة تفاقم المجاعة والفقر. وتعد الخطوة تحولا في موقف الدول الكبرى من معالجة أزمة الغذاء بحيث يتم التركيز في المرحلة المقبلة على زيادة إنتاج الدول الفقيرة من المحاصيل بدلا من المساعدات الغذائية المباشرة. وقد رحب جاك ضيوف مدير منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة الفاو بهذا التحول في سياسة المساعدات الغذائية، إلا أنه أكد أن المبلغ المخصص ليس كافيا لمحاربة الجوع في العالم. وتم على هامش القمة إجراء محادثات مع دول وهيئات مختلفة لبحث دور المساعدات في حفز المزارع ذات الحجم الصغير ومساعدة الفقراء في الدول النامية على توفير الغذاء لأنفسهم. ويقدر برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة عدد الجياع في العالم بنحو مليار شخص، حيث ركز قادة الدول الكبرى على فكرة مساعدة الشعوب الفقيرة في زيادة إنتاجها من الغذاء كبديل عن المساعدات المباشرة سواء مادية أو غذائية. وتقول دراسة بعنوان  أبرز التحديات المترافقة مع ملف الأغذية العالمي  أعدها ونشرها الدكتور نصير شاهر الحمود المدير الاقليمى لمنظمة أمسام  أن هناك جانبين للجدل الطويل الدائر حول الأمن الغذائي في تلك المنطقة فمن ناحية هناك ضغوط جماهيرية تحاول دفع الحكومات نحو هدف تحقيق الاكتفاء الذاتي ومن ناحية أخرى، هناك الخبراء الذين يدفعون بأن ندرة الموارد الطبيعية وتزايد الطلب على الأرض والمياه المحدودة- الناجمة عن النمو السكاني السريع- يجعل تحقيق هدف الاكتفاء الذاتي باهظ التكاليف. لكن من الأهمية بمكان تذكر أن تحقيق الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي ليسا شيئا واحداً. فالاكتفاء الذاتي يعني أنك تنتج كل ما تحتاج إليه من غذاء ويزيد أحد الخبراء أن الأمن الغذائي يعني إمكانية الوصول إلى الغذاء المتاح بسعر في متناول الجميع. وسيأتي تمويل الاكتفاء الذاتي اليوم على حساب أجيال المستقبل، بمعنى أن الاستثمارات العالية للغاية في إدارة الأراضي والمياه المطلوبة لتحقيق مثل هذا الهدف ستخصم من موارد قطاعات هامة للغاية مثل التعليم والصحة. وطالب خبراء اقليميون فى مجال الزراعة والاغذية حكومات منطقة الشرق الأوسط بتحسين سبل وصول الناس إلى الغذاء بأسعار ميسورة دون ربط الموارد التي يحتاجها الناس بعيشهم حياة صحية أو إنتاجية00 وقالوا  إذا كان الناس منتجين وفي حالة صحية جيدة فإنهم سيساهمون أكثر في المجتمع ويصدق هذا بشكل خاص في المناطق الريفية حيث يعيش أغلب الفقراء بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فهناك خطر كبير ناجم عن التركيز فقط على الزراعة بدلا من تنمية ريفية أكثر تكاملا تساعد الناس على تأمين وظائف إنتاجية جيدة في قطاع الزراعة وفي قطاعات أخرى.
وفيما يتعلق بالاستثمارات العربية في الميدان الزراعي فقد تباينت جهود البلدان العربية في تعزيز استثماراتها في القطاع الزراعي، بعدما تجرعت من كأس أزمة الغذاء العالمية التي أفضت لإدراك تلك الدول أهمية تحقيق أمنها الغذائي. ويتمثل الحل القديم المتجدد لهذه الدول هو استخدام أساليب زراعية حديثة ذات كفاءة عالية أو عدم التلكؤ في الذهاب للخرطوم للاتفاق مع إدارة الدولة على الحصول على أراض بمساحات متفق عليها من شأنها تحقيق كفاية الدولة المعنية بالبحث عن أمنها الغذائي كما أن هذا التوجه يقلص من نسب البطالة التي تعاني منها أكبر دولة عربية من حيث المساحة. ويتمتع السودان على سبيل المثال  بتنوع في بيئاته ما يؤهله لإنتاج محاصيل زراعية ذات تنوع شديد، من شأنها تضييق الفجوة الغذائية العربية والعالمية حيث تحدثت الخرطوم عن نجاعة الطرق الحديثة في الزراعة بدون حرث في زيادة الإنتاج والإنتاجية. وتحتسب نسبة الاكتفاء الذاتي الغذائي بالاعتماد على الكميات في حين تحتسب الفجوة الغذائية على أساس القيمة. وتتوقع الخرطوم زراعة نحو خمسة ملايين فدان في مشاريع استثمارية لديها خلال العام 2010، فيما ينتظر أن تبلغ الاستثمارات الزراعية العربية نحو 7.5 مليار دولار خلال العامين التاليين لذلك التاريخ. وتنبه منظمة الأغذية والزراعة الفاو إلى ضرورة تعبئة استثمارات تعادل 83 مليار دولار سنويا في القطاع الزراعي حتى يتمكن العالم من تلبية احتياجات سكانه المتوقع بلوغ عددهم لنحو 9 ملايين نسمة خلال العام 2050. وظلت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مقدمة البلدان التي توجهت للسودان بقيم مالية استثمارية عالية، إذ يزيد حجم الاستثمارات السعودية في المجال الزراعي بالسودان عن 3.5 مليار دولار وفقا للمعطيات المتاحة. وقدرت الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي قيمة السلع الغذائية التي تحتاجها الدول العربية سنويا وتضطر لاستيراد معظمها من الخارج الفجوة الغذائية تتراوح بين 18 إلى 20 مليار دولار في حين توقعت وزارة الزراعة المصرية تفاقم تلك الفجوة لنحو 70 مليار دولار بحلول عام 2030. بيد أن مركز زايد العالمي للتنسيق والمتابعة أصدر دراسة بعنوان استهلاك الغذاء في الوطن العربي  أظهرت تشاؤم معدي الدراسة التي تقول إن الواردات الزراعية تمثل نحو 16 بالمائة من مجمل مستوردات تلك البلدان وهو ما قد يبني اعتقاداً يفيد بتزايد محتمل لحصة تلك الواردات في المدى المنظور وهو أمر تزايدت تعقيداته في ظل ظهور مشكلة عجز مائي حيث يتوقع أن تصبح 13 دولة عربية عام 2025 تحت خط الفقر المائي مما سيزيد من الفجوة الغذائية عام 2050 لتصل إلى 50% والتي يمكن أن تشكل تحدياً حقيقياً للحكومات العربية في ظل النمو المطرد للسكان. وخرجت الدراسة بجملة تحذيرات تصب باتجاه واحد وهو تغوّل مساهمة القطاعات الأخرى على الزراعة من حيث مقدار المساهمة في الناتج المحلي لهذه الدول، حيث رأت الدراسة أن التنمية في الوطن العربي تواجه اختلال التوازن بين القطاعات الاقتصادية. وتتفاوت تلك المساهمات الزراعية في الاقتصادات الكلية العربية، إذ تحتل في السودان نحو 28.3 في المائة في عام 2007، تلته سورية بنسبة 20 في المائة، تليها مصر بنسبة 13 في المائة، وموريتانيا بنسبة 12.5 في المائة، والمغرب بنسبة 12.1 في المائة، واليمن بنسبة 10.6 في المائة، وتونس بنسبة 10.3 في المائة. وقد تراوحت تلك النسبة بين 7.8 في المائة و 2.3 في المائة في كل من لبنان والجزائر والعراق وجيبوتي والسعودية والأردن وليبيا. وتبعا لصندوق النقد العربي فان الإنتاج الزراعي العربي يتسم بعدم الاستقرار نظراً لتقلب العوامل المناخية، ومحدودية الموارد المائية وبخاصة الأمطار، حيث بلغت مساحة الأراضي الزراعية الكلية حوالي 36.2 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة في الدول العربية في عام 2006.
وجاء في آخر تقارير الصندوق المنشورة ومقره العاصمة الإماراتية أبو ظبي أن من بين الأراضي المزروعة بالمحاصيل الموسمية، فقد بلغت نسبة الأراضي التي تعتمد على الأمطار حوالي 79 في المائة في العام نفسه. وقد أدت الظروف المناخية المواتية خلال عام 2007 والتوسع في استخدام التقنيات الحديثة في الزراعة في بعض الدول العربية الزراعية مثل استخدام مدخلات الإنتاج الحديثة من بذور محسنه وأسمده وري متطور وتربية وفق التقنية الحديثة، إلى زيادة الإنتاج النباتي والحيواني. وقد شكل العام المنصرم 2008 أكبر تحديات الأمن الغذائي حيث شهد العام 2008 أكبر تحديات الأمن الغذائي حول العالم إذ ساهم الصعود غير المسبوق لأسعار السلع بشكل مترافق مع المواد الأولية والطاقة لإضافة ملايين من البشر إلى قائمة الجياع المنتشرين في أصقاع المعمورة. وفي هذا السياق كررت الأمم المتحدة حينذاك نداءها إلى ضرورة الموازنة بين أساليب الإنتاج المبتكرة و إيلاء توقعات الغذاء ما تستحقه من عناية محذّرة من عواقب وخيمة بسبب آثار الأسعار المرتفعة للمواد الغذائية. ووفق تقريرٍ صادر عن منظمة الأغذية والزراعة صيف العام الماضي فإن حجم فاتورة الواردات الغذائية لبلدان العجز الغذائي بلغت 169 مليار دولار أميركي بزيادة قوامها 40 بالمائة عن العام السابق، حيث وصفت المنظمة هذه الزيادة المتواصلة في حجم الإنفاق على الواردات الغذائية للمجموعات السكانية المهدّدة لدى البلدان ذات الشأن بأنها تطورٌ مثيرٌ للقلق  بينما تُفيد بأن تكاليف سلّة الواردات الغذائية السنوية لهذه البلدان قد تسجِّل ارتفاعاً مقداره أربعة أضعاف الإنفاق المخصص لنفس الغرض عام 2000. بل أن السياسيين تعرضوا للموضوع ذاته حيث تصدر قائمة اهتماماتهم فقد حملت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل السياسات الزراعية السيئة وتغير العادات الغذائية في البلدان النامية مسؤولية ارتفاع أسعار الغذاء خلال العام المذكور. وخلال العام ذاته أبرزت أزمة الغذاء أهمية الاكتفاء الذاتي الغذائي لدى الدول النامية التي تجاهلت كثير منها الاستثمار في مجال الزراعة بسبب أسعار الغذاء العالمية المنخفضة خلال العقدين الماضيين وترافق ذلك مع استمرار انخفاض خصوبة الأراضي والتغيرات المناخية ما أدى لانخفاض منتجات المحاصيل بشكل مستمر. وتعمقت أزمة الدول النامية خلال العام المذكور حين ارتفعت كمية وارداتها الزراعية بسبب زيادة عدد السكان والطلب عليها مما أدى إلى فقدان السيادة الغذائية على نحو مستمر على الرغم من وجود استثناءات بهذا الصدد، فقد كانت الصين دولة تنال مساعدات من برنامج الغذاء العالمي غير أنها أفلحت في التحول لدولة مانحة . وحينذاك دقت رئيس برنامج الأغذية العالمي ناقوس الخطر حين شددت جوزيت شيران على أهمية اتخاذ إجراءات لإنعاش الإنتاج الغذائي ومساعدة الفقراء على التعامل مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية. ورأت آنذاك اى فى شهر أبريل 2008 أن حوالي 100 مليون شخص كانوا ربما في غير حاجة إلى مساعدة غذائية قبل ستة أشهر باتوا غير قادرين على توفير الغذاء الكافي لعائلاتهم. وعلى صعيد الفقراء الذين تنفسوا الصعداء في النصف الثاني من العام الماضي نتيجة تراجع أسعار المواد الأولية والزراعية فقد عاد هؤلاء لينزلقوا في تحد جديد حين فقدوا مصادر رزقهم ووظائفهم نتيجة تراجع الاقتصاد العالمي. ووفقا لتقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية العربية لعام 2009 فإن معدلات الفقر العام تراوح بين 28.6 في المائة و30 في المائة، حيث يعيش نحو 65 مليون عربي في حالة فقر.
وفي ظل مساعي المؤسسات المالية للمساهمة في إيجاد الحلول الكفيلة بالمساعدة في تحقيق أمن غذائي في بلدان العالم التحقت بلدان عدة بركب مبادرة التكيف الزراعي وهي مبادرة للتعاون بين البلدان النامية والبنك الدولي و شركائه  في إطار جهود البنك الرامية لجعل الزراعة محور جدول أعمال التنمية كما أوصى تقرير التنمية في العالم للعام الماضي. وقد عانى الكثير من البلدان من نقص في الغذاء وارتفاع الأسعار في ذروة أزمة الغذاء العام الماضي وبقي العديد منها عرضة للمخاطر00 ويعتمد نحو 75 في المائة من فقراء العالم في رزقهم على الزراعة البعلية. وبين عامي 2000 و2025، من المتوقع أن يزيد عدد الأفارقة الذين يعيشون في بيئات تعاني شحا في المياه من 300 مليون إلى 600 مليون شخص. وعلى صعيد مساعي التصدي للآثار الحادة الناجمة عن أزمة الغذاء والحاجة لاتخاذ تدابير فورية بهدف تقديم إغاثة فورية للبلدان الأشد تأثراً بارتفاع أسعار الغذاء،أعلنت مجموعة البنك الدولي مساندتها عن مساندتها للجهود العالمية للتغلب على أزمة الغذاء العالمية وذلك من خلال برنامج تمويل سريع بقيمة 1.2 مليار دولار أمريكي لتلبية الاحتياجات الفورية، شاملاً مبلغ 200 مليون دولار من المُنح الموجهة إلى البلدان المعرّضة للمعاناة من تلك الأزمة من بين أشد البلدان فقراً. وقد صرف هذا البرنامج مبلغ 757.6 مليون دولار من أصل 1151 مليون دولار في 33 بلداً حتى 11 يونيو 2009. كما أن 49.4 مليون دولار إضافية تم تخصيصها حالياً لصالح برامج في 9 بلداً. وفي أبريل من العام الحالي قامت مجموعة البنك الدولي بزيادة مخصصات البرنامج العالمي للتصدي لأزمة الغذاء إلى ملياري دولار بهدف تقديم إغاثة فورية للبلدان الأشد تأثراً بارتفاع أسعار الغذاء000 وقد تم إنشاء هذا البرنامج في مايو 2008 بغرض الحد من مخاطر ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتأثير تزايد تكاليف الإنتاج والتسويق الزراعيين على سبل كسب عيش الفقراء في العالم. ويجري استخدام هذه الأموال لتوفير الغذاء للأطفال والفئات الأخرى المعرضة للمعاناة ولتوفير المغذيات للحوامل والمرضعات والرضع والأطفال الصغار ولتلبية المصروفات الإضافية للواردات الغذائية، أو لشراء البذور من أجل الموسم الزراعي الجديد. ويقوم البرنامج العالمي للتصدي لأزمة الغذاء بصرف مبالغ لدول عدة من بينها دول عربية وهي جيبوتي 5 ملايين دولارالصومال 7 ملايين جنوب السودان 5 ملايين، اليمن 10 ملايين والضفة الغربية وقطاع غزة 5 ملايين. وفيما يتعلق بالتغيرات المناخية والإضرار بالإقتصادات العالمية أصدرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة الفاو تقريراً أشارت فيه إلى أن التغيرات المناخية سيفاقم الأوضاع الصعبة للدول الفقيرة ويشكل تهديداً خطيراً للأمن الغذائي العالمي عند حلول عام 2050. وذكر التقرير أن التنمية الزراعية والأمن الغذائي سيكون لهما صلات وثيقة مع التغيرات المناخية وتأثيراتها السلبية مستقبلا. وبعد 40 عاماً قد يلحق الاحتباس الحراري خسائر كبيرة بالمناطق الأقل نموا التي تفتقر إلى الأغذية. وإن الدول النامية خاصة الدول الأفريقية جنوب الصحراء قد لا تستغني عن الواردات الغذائية. ووفقا للنتائج البحثية التي أصدرتها منظمة الفاو فإن الإنتاج الزراعي العام للدول النامية قد ينخفض بمعدل 9 بالمائة إلى 21 بالمائة بسبب الاحتباس الحراري بحلول عام 2050، وسيواجه العالم في الوقت نفسه تهديدا كبيرا متمثلا في زيادة سكان العالم من 6 مليارات نسمة إلى 9 مليارات و100 مليون نسمة. كما تقترح الفاو أن ترفع مختلف الدول الفعالية الإدارية لتطوير قطاع التشجير عبر التكنولوجيات الحديثة من أجل ضمان الأمن الغذائي وكبح جماح الاحتباس الحراري.
ويتوقع أن تبلغ تكلفة التكيّف والتأقلم مع تغيّر المناخ في البلدان النامية حوالي 75-100 مليار دولار أمريكي في العام خلال العقود الأربع المقبلة إذ يقول البنك الدولي في السيناريو الجاف نسبياً تبلغ تقديرات تكلفة التكيّف والتأقلم مع تغيّر المناخ 75 مليار دولار أميركي سنوياً بينما تبلغ 100 مليار دولار بموجب السيناريو الذي يفترض مناخاً ماطراً في المستقبل. وتحذر الأمم المتحدة من تراجع الإنتاجية الزراعية لدى الدول النامية بنسبة تصل الى 21 بالمائة أحيانا نتيجة لارتفاع معدلات درجات الحرارة. ويتوقع أن تكون الدول الإفريقية الواقعة جنوبي الصحراء الكبرى أكبر المتضررين من هذه التغيرات المناخية أي أن أفقر المناطق وأكثرها افتقاراً للأمن الغذائي ستكون عرضة للانخفاض الحاد في مستويات دخلها الزراعي00 فيما يبدو أن تكيف القطاع الزراعي مع تغير المناخ يحمل في طياته تكاليف باهظة لكنها مهمة للأمن الغذائي والحد من نسب الفقر. ويعزز ضعف ونضوب بعض الموارد المائية من المخاوف حيال قدرة العالم على مقابلة الطلب على المياه مع تزايد السكان بنحو 3 مليارات نسمة بحلول عام 2050. وقبل ذلك التأريخ، فمع حلول عام 2030 سيواجه 47 في المئة من سكّان العالم صعوبة في الحصول على المياه العذبة. وتتعاظم المعضلة على المستوى العربي، فقد أطلق مكتب اليونيسكو الإقليمي في بيروت تحذيرات سابقة إزاء تزايد حدة نقص المياه في العالم العربي والناتجة عن سوء إدارة مصادر تلك المياه. ويملك العالم العربي نحو 0.5 بالمائة من موارد المياه العذبة في العالم، اذ تقدر كمية الأمطار المتساقطة بنحو 2228 مليار متر مكعب، بيد أن نسبة التبخر تصل لزهاء 5 بالمائة. ويأتي البحث عن إدارة مصادر المياه على المستوى العربي، فيما تتعرض مساحة الأراضي القابلة للاستغلال، بالرغم من محدوديتها إلى عوامل التدهور وفقدان الغطاء النباتي الطبيعي فيها وزيادة تعرض التربة للانجراف بالماء والهواء وتملح وتلوث الأراضي المروية بالإضافة إلى تعديات الزحف العمراني، وممارسات الاستغلال الجائر مما يؤدي إلى تدهور صفات التربة وضعف قدرتها الإنتاجية وفقد التنوع الحيوي. واستكمالا لذلك فقد ساهمت الممارسات الخاطئة في مجال إقامة مشاريع الري بدون شبكة صرف مناسبة أو غمر الأراضي إلى تغدق وتملح مساحات كبيرة من الأراضي مما أدى استخدام مياه الصرف الزراعي بخلطها مع المياه العذبة لري الأراضي إلى مخاطر بيئية نظراً لتراكم الأملاح في التربة بمعدلات أكبر. ويأتي هذا إلى جانب ممارسات السحب الجائر لمياه الآبار الجوفية على نحو يؤدي إلى تملح المياه المستخدمة، ومن ثم تملح الأراضي نظراً لغياب تطبيق التشريعات والقوانين الملزمة بإتباع معدلات مناسبة للسحب. ويقول صندوق النقد العربي في تقريره السنوي ان ما يزيد من تفاقم الوضع البيئي في عدد من الدول العربية يتمثل في الإفراط في استخدام الموارد المائية وتلوثها حيث تساهم ندرة الموارد المائية التقليدية في تجاوز مستوى الضخ المستوى الآمن للمياه الجوفية مما يعرض الأحواض المائية للنضوب في وقت قصير هذا إلى جانب هدر كميات كبيرة من المياه السطحية والتي تقدر بنحو 91 مليار م 3 سنوياً، أي حوالي آكثر من نصف الموارد المائية السطحية المستخدمة في الزراعة مما ينجم عنه عدة مشاكل تتمثل في ارتفاع مستوى الماء الأرضي، والتملح واستنزاف بعض العناصر الغذائية من التربة وانخفاض العائد من المياه وتدني إنتاجية الأرض. على أن الملف المائي العربي مرتبط بمتغيرات سياسية وتداخل مصبات الأنهار ومواضع منابعها واشتراك عدد من الدول في ذات المصادر المائية ما يقوض من قدرة الدول العربية المعنية على إدارة دفة هذه المياه0 وتمثل مساحة الأراضي الزراعية التي يستخدم فيها نظام الري السطحي التقليدي حوالي 75 في المائة من مجموع مساحة الأراضي المروية في الدول العربية. أما من حيث استخدام طرق الري الحديثة ذات الكفاءة العالية، فلا يجري العمل بها إلا في عدد محدود من الدول العربية، وعلى نطاق ضيق، إذ يستحوذ الري بالرش على حوالي 15 في المائة من مساحة الأراضي المروية، مقابل 10 في المائة للري الموضعي والسطحي بالليزر.
واستكمالا لما شهده العالم من تقلبات حادة ومتغيرات جمة على صعيد الغذاء خلال العام الماضي استقبل العالم عاما جديدا وهو العام الحالى 2009 مليئا بالتحديات فعلى الرغم من تراجع أسعار الغذاء الا ان ملايين الوظائف قد فقدت حول المعمورة ما أدى لإضعاف قدرات الأفراد على شراء مستلزماتهم الغذائية وترافق ذلك مع شح مصادر التمويل والتي زادت عجز الدول والمؤسسات عن إدامة الإنفاق الرأسمالي والجاري مما عمق من المشكلة القائمة أساساً. وخلال العام الحالى انشغلت الدول المانحة بالإصلاحات الاقتصادية ودعم بنوكها ومؤسساتها المالية لدرء مخاطر الإفلاس والانهيار التي كانت تحيط بها كما ظلت البنوك بعيدة عن نشاطها الاقراضي الموجه للمشاريع الزراعية والتنموية وذات القيمة المضافة نتيجة عدم تيقنها من قدرة المقترض على السداد وعدم قدرتها على احتساب التدفقات النقدية للمشاريع الصغرى والمتوسطة وبالتالي منحها تمويلات تتواءم من تلك التدفقات النقدية. أما بشأن الوقود الحيوي ودوره فى التنمية الزراعية واثراء منتوجات الغذاء العالمى فان أنواع الوقود الحيوي تعتبرمصدرا محتملا للطاقة المتجددة، وقد تؤدي إلى إيجاد أسواق جديدة كبيرة للمنتجين الزراعيين، في المستقبل، بيد أن ندرة من برامج الإنتاج الحالية تتمتع بسلامتها اقتصاديا إذ أن لغالبيتها تكاليف اجتماعية وبيئية قد تفضي مستقبلاً لتصاعد أسعار الأغذية وإزالة الغابات واحتدام المنافسة على الأراضي والمياه حيث يتوجب أن تستند الاستراتيجيات الوطنية لإنتاج الوقود الحيوي إلى تقييم دقيق لتلك الفرص والتكاليف. ومع اتساع نطاق دائرة النقاش إزاء الآثار الاقتصادية والبيئية والاجتماعية للوقود الحيوي، فإنه يتعين تقييمها بعناية قبل تقديم دعم عام لبرامج كبيرة الحجم لإنتاج الوقود الحيوي إذ تتوقف تلك الآثار على نوع المواد الخام المستخدمة وعملية الإنتاج المستخدمة والتغيرات في استخدامات الأراضي. وقد بدأت عدة بلدان نامية أخرى في تنفيذ برامج لإنتاج الوقود الحيوي تعتمد على قصب السكر أو المحاصيل الأخرى الغنية بالزيوت مثل نخيل الزيت والجاتروفا والزان الهندي البونجاميا. ورغم من أن تقييمات الإمكانات الاقتصادية العالمية لإنتاج الوقود الحيوي قد بدأت حديثا، فإن السياسات الحالية الخاصة بإنتاج الوقود الحيوي يمكن أن تؤدي، وفقا لبعض التقديرات إلى زيادة قدرها خمسة أمثال في حصة الوقود الحيوي في النقل العالمي – من أكثر قليلاً من 1 في المائة اليوم إلى حوالي 6 في المائة بحلول عام 2020. وقد أدى إنتاج الوقود الحيوي إلى رفع أسعار المواد الخام المستخدمة في إنتاجه  والذرة من أمثلة ذلك  فقد ارتفع سعرها بأكثر من 60 في المائة فيما بين عامي 2005 و 2007 بسبب البرنامج الأميركي لإنتاج الإيثانول إلى جانب انخفاض مخزونات الذرة في البلدان المصدرة الرئيسية. ومن المحتمل أن تظل إمدادات المواد الخام مقيدة على المدى القصير، ما لم تحدث طفرة أخرى في أسعار الطاقة، فمن المتوقع تزايد أسعار المواد الخام بنسبة أقل في الأمد الطويل. إذ إن المزارعين سيستجيبون لارتفاع الأسعار بزيادة المساحات المزروعة والإمدادات من هذه المواد الخام. وقد برز ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية بسبب الطلب عليها لإنتاج الوقود الحيوي إلى صدارة النقاش الدائر بشأن الصراع المحتمل بين الغذاء والوقود فالحبوب اللازمة لملء خزان سيارة رياضية رباعية الدفع بالإيثانول 240 كيلوجراماً من الذرة لإنتاج 100 لتر من الإيثانول تكفي لتغذية شخص واحد لمدة عام. وقد يتسبب ارتفاع أسعار المحاصيل الغذائية الأساسية في خسائر كبيرة تتعلق برفاهة الفقراء الذين يعتبر معظمهم من المشترين الصافين للمحاصيل الغذائية الأساسية ولكن كثيرين منتجين فقراء غيرهم ممن يعتبرون بائعين صافين لهذه المحاصيل سوف يستفيدون من ارتفاع الأسعار. يمكن أن تعتمد تكنولوجيا إنتاج الوقود الحيوي في المستقبل على محاصيل مخصصة لإنتاج الطاقة وعلى المخلفات الزراعية والخشبية بدلا عن المحاصيل الغذائية، مما يحتمل أن يقلل الضغط على أسعار المحاصيل الغذائية غير أن الجيل الثاني من تكنولوجيات تحويل السيليولوز المستمد من هذه المخلفات إلى مواد سكرية مقطرة لاستخدامها في إنتاج الإيثانول أو لتحويل الكتلة الحيوية إلى غاز لا تزال غير سليمة تجاريا – ولن تصبح كذلك قبل مرور سنوات عديدة. وسيبقى من المحتمل تواصل المنافسة على الأراضي والمياه بين محاصيل إنتاج الطاقة وبين المحاصيل الغذائية.
الدوحة في 20 أكتوبر 2009/ قنا/

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*