هل سيواجه العالم أزمة نقص جديدة في الغذاء؟

الاقتصادية 14\10\2009

استبشر العالم بتراجع أزمة أسعار المواد الغذائية التي شهدناها في العامين السابقين, بل يرى البعض أن من إيجابيات الأزمة الاقتصادية العالمية أن أدت إلى تراجع أسعار المواد الغذائية عن مستوياتها المرتفعة. الانتعاش الاقتصادي الذي شهده بعض الدول النامية والقيام بتحويل بعض المحاصيل والمنتجات الزراعية إلى مصادر طاقة بديلة عن النفط, إضافة إلى الجفاف الذي باتت تعانيه دول منتجة زراعيا مثل أستراليا بسبب التغيرات المناخية, كل ذلك أدى إلى نقص في الناتج الزراعي العالمي, وهذا بدوره أدى إلى ارتفاع الأسعار وظهور تهديد جدي بحدوث مجاعة في بعض مناطق العالم.
ولكن هل ما شهدناه من تراجع في الأسعار ووفرة في المواد الغذائية كان حقا انحسارا لما يسمى أزمة نقص الغذاء في العالم أم أن المسألة فقط انعكاس لآثار الأزمة الاقتصادية العالمية التي لم يسلم أي قطاع اقتصادي من نتائجها وتأثيراتها السلبية؟ كثير من الخبراء المهتمين بالزراعة وبشأن الغذاء في العالم وحتى المؤسسات الحكومية والدولية ترى أن العالم على وشك أن يعاني أزمة اقتصادية حادة, وما شهدناه من انخفاض في الأسعار هو مرحلة عابرة, وأن الأسعار ستعاود الصعود مرة أخرى وأن العالم سيشهد من جديد نقصا كبيرا فيما يطرح من مواد غذائية.
الخبراء والمهتمون بالشأن الزراعي يعتقدون أن الأسباب الحقيقية لوجود النقص في الغذاء ما زالت موجودة ولم ترفعها الأزمة الاقتصادية العالمية, بل إن بعضهم يعتقد أن هذه الأزمة أضرت بالقطاع الزراعي وفاقمت من الأسباب الموجودة أصلا المسببة لحدوث الأزمة الغذائية. ويذهب هؤلاء الخبراء في تحذيراتهم من أن على العالم أن يستعد لمواجهة نقص وحتى مجاعة ليس فقط في الدول الفقيرة, التي هي أصلا تعتمد على المعونات الغذائية الدولية, بل إن الدول الغنية والمتقدمة صناعيا هي الأخرى ستعاني شحا في مواردها الغذائية, وبالتالي على هذه الدول أن تعد الخطط لمواجهة مثل هذه الأزمة. وعلى أثر هذا القلق الذي شعرت به الدول المتقدمة باشرت من خلال دوائرها المتخصصة بوضع ما يلزم من خطط عملية لزيادة إنتاجها الزراعي في المستقبل. ولكن يبقى السؤال المهم هو: هل هذه الدول ستهتم فقط بضمان حاجاتها الغذائية وستكون حاجات الآخرين في الدول الأخرى في الدرجة الثانية من اهتماماتها أم أنها ستأخذ في الحسبان حاجة العالم إلى الغذاء. إن مواجهة الأزمة الغذائية تفرض على جميع دول العالم وبالأخص التي تعتمد في غذائها على الآخرين أن تستثمر في تنمية قطاعاتها الزراعية وأن تجعل من إنتاج الغذاء جزءا مهما واستراتيجيا من أمنها الوطني.
نحن في المملكة تضررنا كباقي دول العالم من ارتفاع أسعار المواد الغذائية على أنواعها, وكان لهذا الارتفاع في الأسعار دور مؤثر في ارتفاع مؤشر التضخم عندنا. وفي أثناء أزمة الأسعار والصعوبة التي واجهها التجار في تأمين الكميات المطلوبة من المواد الغذائية بأسعار مناسبة للسوق المحلية انبثقت أفكار جيدة وانطلقت دعوات للتفكير في تأمين حاجاتنا الغذائية على المدى الطويل. وكان هناك خوف من أن انحسار مؤشرات الأزمة ربما يدفع البعض إلى التخلي عن هذه الأفكار وعدم السير فيها من خلال تنفيذ مشاريع زراعية كبيرة ونوعية داخل المملكة وخارجها. صحيح أن المملكة تفتقر إلى الموارد المائية الكافية وليس عندنا وفرة من الأراضي الخصبة للقيام بمثل هذه المشاريع, ولكن يبقى هناك كثير من مناطق المملكة مما تحوي أراضي جيدة للزراعة مع وفرة كميات مناسبة من المياه مع قدرة المملكة المالية على استجلاب تقنيات حديثة تتغلب بها على بعض المعوقات المناخية وموضوع ترشيد المياه المطلوبة. من الضروري أن نستمر في تطوير ما اقترح من أفكار ومشاريع وبالأخص القيام بمشاريع استثمارية زراعية في دول أخرى. الحمد لله تمتلك المملكة إمكانات كبيرة للقيام بمثل هذه المشاريع, والمملكة تتمتع بعلاقات طيبة مع أغلبية هذه الدول, ورجال الأعمال السعوديون، بدعم من الدولة، قادرون على أن يمولوا مثل هذه المشاريع. وعلينا أن نشرك الجامعات السعودية للقيام بالأبحاث العلمية المطلوبة لتطوير قدراتنا الزراعية, فالجامعات السعودية مطالبة بأن يكون لها دور ملموس في تحصين الأمن الغذائي في المملكة, فبتعاونها مع القطاع الخاص نستطيع أن نستثمر أراضينا الزراعية التي ربما غفلنا عن الاستثمار في تطويرها في الفترات السابقة, وعلينا من اليوم أن نجعل من القطاع الزراعي في صدارة قائمة أولوياتنا في عملية التنمية.
كل المؤشرات وتدعمها تحليلات المؤسسات المتخصصة في الشأن الزراعي تؤكد أن العالم مقبل على أزمة غذاء, ومن غير المبرر لنا أن نتجاهل هذه المؤشرات وألا نجتهد ولا نسعى إلى تأمين أنفسنا غذائيا, فالأزمة أقرب مما نتصور, وعلينا أن ننهض بقدراتنا في هذا المجال.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*