الأمن المائي والأمن الغذائي

الأمن المائي والأمن الغذائي (قصة البيضة والدجاجة)
أنور أبوالعلا
جريدة الرياض السعودية 8 أغسطس 2009

سؤال: هل يمكن أن تحيا الزراعة بلا ماء؟ يبدو أن الجواب على هذا السؤال صعب لقد بلغ من الصعوبة إلى درجة أنه استعصى على ثلاث وزارات من وزاراتنا هي وزارة التخطيط ووزارة المالية ووزارة الزراعة (عفوا: وزارة الزراعة و المياه هكذا كانت تسمى) أن يعرفوا الجواب على هذا السؤال واعتقدوا أن الزراعة يمكن أن تحيا من غير ماء فابتدعوا (وبعض البدع ضلالة) شعار الأمن الغذائي ولم يفطنوا إلى أن الزراعة تنتحر (تقتل نفسها بنفسها) ببطء وهي تغتال (مصدر حياتها) الماء.
حقيقة قد يكون لكل جواد كبوة وقد يكون حماس وزاراتنا الثلاثة في البداية لما يسمى الأمن الغذائي كبوة جواد عربي هجين ولكن بعد أن راحت السّكرة وجاءت الفكرة وبدأت وزاراتنا الثلاث تدرك مدى الخطر الذي يهدّد الأمن المائي وبالتالي الأمن الغذائي (في حلقة دائرية مفرغة) فأخذت تتراجع عن شعار الأمن الغذائي بهدوء من غير أن تأخذ في اعتبارها أي أهمية لمصالح ضحايا كبوتها من المزارعين (سواء الأصليين أو الدخلاء) الذين غرّهم الشعار وأغراهم المردود المادي فلم يحسبوا حساب تنصّل هذه الوزارات الثلاث من مسؤوليتها تجاههم وتخلّيها عنهم بعد أن زيّنت لهم وضع كل بيضهم في سلّة الزراعة.
بغض النظر عن من هو أول من اخترع شعار الأمن الغذائي سواء وزارة التخطيط أو وزارة الزراعة أو وزارة المالية فإن الدافع (والله أعلم بالسرائر) كان بحسن نية وربما بناء على دراسات وتوصيات فطاحل الخبراء المحليين والأجانب ومباركة المنظمات الدولية التي كانت تتسابق للحصول على شرهات وتبرعات ومعونات وزارة المالية ولم يكن يعنيها تجريد الصحراء من الماء.
لقد استطاعت الوزارات الثلاث أن تقنع الكبير والصغير بشعار الأمن الغذائي والآن بعد أن جفّت المياه يجب عليها أن تعترف بأنها أخطأت ويجب أن تصلح الخطأ بسرعة فتقنع المزارعين بطريقة بسيطة يفهمونها (على طريقة تبسيط حقيبة جو:CNBC al arabyah ) بدلا من أن تفرض عليهم اجراءات يعتبرونها تعسفية فتكاشفهم بالحقيقة المرّة أنه لن يمضي وقت طويل حتى تجف آبارهم وبالتالي يصبح تكلفة ضخ دلو الماء أكثر من تكلفة ضخ برميل البترول فلا يجد أولادهم قطرة ماء للزراعة أو حتى للشرب. أليس هذا المصير هو الشيء الذي جعل وزير المياه يخرج – لأوّل مرة – من صمته المطبق فيقول بصوت متلجلج (وكأن في فمه ماء): “أننا نصدّر ماء الصحراء لدول تجري فيها الانهار”؟.
الغرض من كتابة هذا العمود ليس ايجاد الحلول فالحلول مؤلمة (و لا اجرؤ أن أكون أجرأ من وزير المياه) وانما الغرض فقط هو رسم كروكي باللون الرمادي للمشكلة ويجب على الوزارات الثلاث (المتسببة في خلق المشكلة) اضافة الى وزارة المياه رسم الخارطة التفصيلية موضّحة بالألوان.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*