أزمة الغذاء تسونامي صامت

صرختان تحذيريتان انطلقتا قبل أيام، الأولى أرسلها رئيس البنك المركزي الأوروبي محذرة «الحكومات التي استدانت بكثافة لمواجهة الأزمة الاقتصادية لا ينبغي أن تراكم المزيد من الديون»، والثانية من منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، التي توقعت أن «يفوق عدد الاشخاص الذين يعانون من المجاعة في العالم هذا العام مليار شخص، أي سدس سكان العالم، بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية وارتفاع أسعار المواد الغذائية خاصة، وأن انخفاض مستويات الدخل وتلاشي فرص العمالة ساهما أيضاًًً في تفاقم الجوع بهذا الشكل غير المسبوق».
يتكامل التحذيران من كون الثانية تنذر بموجة جوع عالمية تهدد العالم أجمع، في حين تكشف الثانية عورات الحكومات، وعلى وجه الخصوص الغنية منها، كونها مثقلة بمديونياتها، الذي أدى عمق الأزمة التي تعاني منها إلى تعزيزها. وهذا يضع دول العالم ومؤسساته المختلفة، أمام مسئولية حقيقية من أجل مواجهة هذه الأزمة التي كانت مدار بحث لما يزيد على عقدين من الزمان، ولعل آخرها تلك المبادرة التي أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، في أبريل/ نيسان 2008، حين أعلن عن «تشكيل خلية أزمة خاصة بمتابعة أزمة الغذاء العالمي، (موضحاً) أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية يضع المجتمع الدولي أمام تحديات كبيرة». وكان كي مون يعتمد في ذلك على تقرير صدر حينها عن برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، والذي قدر حاجة العالم «إلى مبلغ 755 مليون دولار إضافي ذلك العام لتأمين الغذاء للأعداد المتزايدة من الجياع في العالم».
هذا الترابط، بين أزمة الغذاء، وعدم اهتمام الحكومات أو عجزها عن اتخاذ موقف إيجابي لمواجهة الأزمة الغذائية، يراه أيضاً أشخاص مثل رئيس البنك الدولي روبرت زوليك الذي يعتقد بأن صناديق الثروات السيادية على مستوى العالم لو خصصت مبلغ 30 بليون دولار أميركي ـ أي ما نسبته 1 في المئة (فقط) من إجمالي أصولها البالغة 3 تريليونات دولار أميركي ـ للاستثمارات في النمو والتنمية وإتاحة الفرص في إفريقيا»، لساهمت بشكل مباشر في وضع حد لتلك الأزمة، أو حالت دون تفاقمها كحد أدنى.
ولكي نقدر حجم مشكلة الغذاء يمكننا الاستعانة بأرقام البنك الدولي كما هي منشورة على موقعه الإلكتروني والتي تعترف صراحة بأن هناك 1.1 مليار شخص يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم، و923 مليون شخص يعانون من نقص التغذية، حتى قبل اندلاع أزمتي الغذاء والوقود والأزمة المالية. ثم تمضي الأرقام مسلطة المزيد من الأضواء على حجم المشكلة فنجدها تحدد أن «أسعار الحبوب الغذائية الرئيسية لا تزال أعلى من المتوسط رغم انخفاضها عن مستويات الذروة التي بلغتها في العام 2008. وتُعتبر أسعار الذرة أعلى بواقع 50 في المئة من المتوسط السائد في فترة السنوات 2003 – 2006، في حين تُعتبر أسعار الأرز أعلى بنسبة 100 في المئة».
تقرير دولي آخر تم إعداده لاجتماع وزراء زراعة دول مجموعة الثمانية التي عقدت اجتماعها في مايو/ أيار 2009 يؤكد على أن «الحالة الراهنة تتطلب العمل على مضاعفة الإنتاج الزراعي عالمياً بحلول 2050 لتلبية احتياجات الأعداد المتزايدة لسكان العالم ومواجهة آثار التغيرات المناخية، وأنه من دون تلك الإجراءات فإن أزمة الغذاء التي ظهرت في العديد من دول العالم خلال العامين الأخيرين ستصبح مشكلة هيكلية خلال عقود محدودة».
المؤلم في مشكلة «الأزمة الغذائية» أننا هذا العام 2009، نلج النصف من برنامج أهداف «الألفية الإنمائية الثمانية» للأمم المتحدة التي وضعت في العام 2000، والتي وضعت على أعلى سلم أولوياتها «تخفيض عدد الجياع والفقراء في العام 2015 إلى نصف عددهم فى العام 1990، وقد مضى أكثر من نصف مهلتها حتى الآن، ولكن الوضع الحالى المتمثل فى تزايد عدد الجياع في العالم بدلاً من تقليلهم». هذه الحالة شبه الميؤوس منها هي التي دعت المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي جوزيت شيران، إلى تشبيه الأزمة بما أسمته «»التسونامي الصامت»، الذي سيدفع «بنحو 100 مليون شخص إلى الجوع».
وبخلاف ما يتوهمه البعض، ومن بينهم بعض العرب، لم تنجو البلاد العربية من هذه الأزمة التي يشخصها الباحث الموريتاني في العلاقات الدولية مصطفى ولد سيدي محمد في مقالة نشرها له موقع «الجزيرة نت» يربط فيها، وبالأرقام ذلك الترابط الوثيق بين «الأزمة الغذائية في الدول العربية ومعدلات نمو الإنتاج والطلب الاستهلاكي على المنتجات الغذائية». ويمضي بعد ذلك إلى حد القول بأن «هناك شبه إجماع على أن أزمة الغذاء في الوطن العربي قد وصلت إلى حد حرج يتجلى في تنامي الاعتماد على المصادر الخارجية لإطعام السكان، وتدهور نصيب الفرد من الناتج الزراعي، وتراجع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي».
وتختصر جوزيت شيران من برنامج الأغذية العالمي صورة التردي الغذائي المتوقع أن يشهده العالم بقولها «إن هذا الوضع المتدهور بسرعة يثير أزمة إنسانية هائلة، وأن على العالم أن يحشِد جهوده لتلبية الاحتياجات الطارئة مع طرح الحلول لمواجهة الأزمة على المدى الطويل». ثم تذهب إلى أبعد من ذلك حيث تعتبره «مثل تسونامي العام 2004 الذي ضرب المحيط الهندي وأدى إلى مقتل نحو 250.000 شخص وشرد أكثر من 10 ملايين آخرين».
______________________________
جريدة الوسط البحرينية
23/06/2009
عبيدلي العبيدلي

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*