المشكلة الغذائية فـي العالم


ثمة في العالم اليوم مليار ومئة مليون إنسان (( أي سدس البشرية )) تقريبا  يعانون من الجوع وسوء التغذية ، وحسب معطيات الأمم المتحدة ، فإن سبعة  ملايين طفل يموتون سنويا بسبب الجوع ، أي حوالي ألف طفل في اليوم الواحد ،  أي طفل واحد خلال كل خمس ثوان، إنه رقم مرعب، يصعب تصديقه ، ولكنه مع الأسف  الشديد حقيقي ، ويصفع بواقعيته كل ضمير حي.

إن كل ذلك يحدث في وقت ينتج فيه العالم ما يكفي لإطعام كل سكان كوكب الأرض، فنحن اليوم لا نعيش في عالم الندرة، إذ إن الثورة الصناعية بداية، ومن ثم الثورة العلمية المعرفية والتكنولوجية وتطبيقاتها الزراعية، حررت المجتمع من ((الندرة الاقتصادية))، وأزالت التناقض بين تزايد عدد السكان ، وبين توفر الغذاء لإطعام الأعداد المتزايدة منهم ، فقد بات الاقتصاد العالمي اليوم قادراً على إنتاج كميات من السلع والغذاء بكمية كافية لتأمين حاجات كل سكان العالم وإبعاد خطر الجوع عنهم ، غير أن المشكلة لا تكمن فقط في الإنتاج وفي زيادة فعاليته، بقدر ما تكمن في التوزيع المتفاوت للموارد والثـروات والإمكانات، إذ إن (( 10% )) فقط من ثروات أصحاب المليارات في العالم كافية لسد حاجات مليار فقير من الغذاء والمتطلبات الأولية لحياة كريمة .

وتعتبر المشكلة الغذائية في العالم واحدة من المشكلات الكونية التي تواجهها البشرية جمعاء ، لا بل ربما أكثرها حدة في عصرنا الحالي ، كونها تمس مباشرة حياة وبقاء مئات الملايين من الناس، وتظهر معطيات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (( الفاو )) مدى حدة وحجم هذه المشكلة ، حيث تشير هذه المعطيات إلى إن عشرات الملايين في العالم مهددون بالموت اليوم ، بسبب الجوع والأمراض الناجمة عن سوء التغذية ، في حين إن أكثر من مليار ونصف المليار إنسان يعانون من الجوع ومن مختلف أشكال سوء التغذية ، بما في ذلك ما يسمى بـ (( سوء التغذية غير المرئي )) أو (( الجوع الخفي )) ، أي عندما تؤمن وجبات التغذية التقليدية الكمية الكافية من السعرات الحرارية ، ولكنها لاتتضمن الحد الأدنى الضروري من البروتينات والدهون ، ذات المصدر الحيواني خصوصا ، وكذلك العناصر الدقيقة ، وثمة تقديرات تفيد بأن ربع أطفال البلدان النامية يعانون في هذا الوقت من هذا النوع من سوء التغذية ، ومن الواضح إن نقص هذه المكونات الغذائية البالغة الأهمية ينعكس سلبيا على صحة الإنسان ، وينجم عنه انخفاض نسبي في نوعية وكفاءة اليد العاملة ، والتي تكون في الغالب غير صالحة للعمل في قطاعات الاقتصاد العصرية ، وثمة جذور تاريخية عميقة لمسألة تأمين الغذاء لسكان كوكب الأرض ، فقد رافق النقص في المواد الغذائية البشرية وعلى مدى تاريخها كله ، والذي كان على الدوام تاريخا للكفاح من أجل القوت ، ونسجت الأساطير حول الجوع.
إن وقوع الإنسان فريسة الجوع أو عدمه يتوقف بالدرجة الأولى على حقه في الغذاء ، أي على كمية الغذاء التي يمكنه الحصول عليها أو شرائها ، وليس فقط على كمية المواد الغذائية المنتجة أو المتوفرة في البلد أو المنطقة التي يقنطها ، أي بكلام آخر ، لايكفي أن ينتج البلد أو يقتني المواد الغذائية بكميات وفيرة حتى يزول الجوع فيه تلقائيا ، بل الأهم من كل ذلك هو أن تكون هذه المواد الغذائية متاحة لأفراد المجتمع ككل ، وهذا يتوقف على توافر فرص العمل لهؤلاء الأفراد ، وعلى قدراتهم الشرائية ، وكذلك على أسعار تلك المواد الغذائية .
وفي وقتنا الحالي تبرز حدة ومأساوية المشكلة الغذائية نتيجة لطابعها المتناقض ، فمن جهة يؤدي الجوع إلى هلاك الملايين ، ففي النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي وحده هلكت بسبب الجوع أعداد من الناس تزيد على كل الذين هلكوا خلال المئة والخمسين سنة السابقة بسبب الحروب والنزاعات المسلحة والقلاقل الاجتماعية ، ويموت سنويا بسبب الجوع والأمراض الناجمة عنه في العالم أعداد من البشر أكثر بعدة مرات من أولئك الذين قتلوا نتيجة انفجار القنبلتين الذريتين اللتين ألقتهما الولايات المتحدة الأمريكية على مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين في نهاية الحرب العالمية الثانية عام (( 1945 )) ، وأما من الجهة الأخرى ، فإن مستوى تطور القوى المنتجة والتطورات العلمية والتكنولوجية المستخدمة في الإنتاج الزراعي تجعل الإنتاج العالمي من المواد الغذائية قادرا عموما على تلبية الحاجات الغذائية لكافة سكان العالم .
ولذلك فإن هذه المشكلة ذات بعد عالمي شامل (( كوني )) ، سواء من حيث طابعها الإنساني ، أم من حيث ترابطها الوثيق مع هذه المهمة المعقدة ، والمتمثلة بتذليل التخلف الاقتصادي والاجتماعي في الدول المستعمرة مسبقا ، فعدم تلبية الحاجات الغذائية لعدد كبير من سكان الدول النامية والمتخلفة لا يشكل عائقا أمام فرص التقدم فحسب ، بل هو في الواقع مصدر دائم لعدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي وللنزاعات في هذه البلدان .
وتتجلى كونية المشكلة الغذائية على نحو آخر أيضا ، فإنتاج وتوزيع المواد الغذائية والمتاجرة بها بين مختلف الدول ، تعتبر الشغل الشاغل للحكومات الآن ، ففي الغالبية الساحقة منها ، وفي الوقت الذي تعاني هذه البلدان سوء التغذية ، تسعى بلدان أخرى إلى تحقيق التوازن في الوجبات الغذائية وفي نوعية الغذاء ، بينما تجهد بلدان معينة لحل مشكلة الفوائض في المواد الغذائية أو معالجة المشكلات الصحية الناجمة عن الإفراط في استهلاكها لدى بعض الشرائح الاجتماعية فيها .
وقد أكد الباحث السكاني والاقتصادي الإنكليزي (( توماس روبرت مالتوس )) (( 1766-1834 )) في حينه ، إن ثمة علاقة وطيدة بين تطور عدد السكان وتطور كمية الإنتاج ، ولكنه على النقيض من (( ابن خلدون )) الذي تحدث منذ القرن الرابع عشر الميلادي عن الصلة الوطيدة بين عدد السكان ومستوى الحضارة ، حيث إن عدد السكان يشكل عاملا مهما في تقسيم العمل والنمو ، وزعم (( مالتوس )) بأن نمو عدد السكان يفوق الزيادة الكبيرة في إنتاج المواد الغذائية ، ، إذ إن قوة السكان على التناسل أعظم من قوة الأرض على إنتاج القوت للإنسان ، فقد اعتبر إن عدد السكان يزيد وفق متوالية هندسية ، بينما يزيد الإنتاج الزراعي وفق متوالية حسابية ، مما يؤدي بالتالي إلى نقص الغذاء والسكن .
وقد صاغ ((مالتوس)) نظريته حول السكان في كتابه ((بحث في مبدأ السكان)) الصادر في عام ((1798))، حيث يقول فيه: ((إن الرجل الذي ليس له من يعيله، والذي لا يستطيع أن يجد له عملا في المجتمع، سوف يجد إن ليس له نصيب من الغذاء على أرضه ، فهو عضو زائد في وليمة الطبيعة ، حيث لا صحن له بين الصحون ، فإن الطبيعة تأمره بمغادرة الزمن )) ، وأثارت هذه النظرية غير الإنسانية انتقادات حادة ، كونها شكلت أساسا نظريا للكثير من الممارسات اللاإنسانية في الكثير من الدول ، ومبرراً للإبادة الجماعية للكثير من الشعوب ، حيث أجبرت بعض العرقيات كالسود والهنود الحمر في أمريكا على إجراء التعقيم القسري . ورحل (( مالتوس)) ولكن نظريته ظلت تجد لها مناصرين جدداً، حيث يرون إن ثمة ارتباطا وثيقا بين المشكلة الغذائية وبقية المشاكل المختلفة في العالم ، معتبرين بأن نمو سكان كوكب الأرض يجري اليوم بوتائر أسرع بكثير من وتائر نمو إنتاج المواد الغذائية ، ويسعى هؤلاء المناصرون لإثبات إن البؤس والجوع ليسا وليدي النظام غير العادل نفسه ، وإنما هما نتيجة مباشرة لظهور أفواه جديدة وبأعداد كبيرة جدا ومتزايدة على نحو يعجز كوكب الأرض وبموارده المحدودة والمتناقصة باستمرار إطعامهم ، ويرى أحد هؤلاء المناصرين وهو (( وليام بلوم )) بأن عدد سكان هذا الكوكب يضخم على نحو مبالغ فيه ، ويقترح تخفيض نسب الولادة بصورة كبيرة ، لأن خفض عدد السكان سيترك أثرا إيجابيا فيما يتعلق بمسألة تزايد الدفء على المستوى الكوني ككل ، وتوافر الماء والطعام.
ولتعليل رأيهم ، يقول أحد هؤلاء بأن البشرية احتاجت إلى أربعة ملايين سنة لكي يصل عددها إلى ملياري نسمة ، وإلى (( 46 )) سنة لتضيف إلى عددها مليارين آخرين ، ثم إلى (( 22 )) سنة فقط لكي تضيف المليارين التاليين ، ولا ينفي هؤلاء بأن نمو إنتاج المواد الغذائية في الماضي قد جرى على نحو أسرع من نمو عدد السكان ، الأمر الذي أتاح زيادة حصة الفرد الواحد من المواد الغذائية ، وكل ذلك بفضل التطور التكنولوجي الكبير في المجال الزراعي ، غير أنهم يزعمون بأن بداية القرن الحادي والعشرين شهدت أمرين جديدين مثيرين للقلق فيما يتعلق بإنتاج المواد الغذائية ، أولهما ، تمثل بحسب رأيهم في إن نمو إنتاج المواد الغذائية أخذ يتباطأ تدريجياً ، مقترناً بعوائق تخفيض كلفة الإنتاج ، وبالتالي الأسعار ، والأمر الثاني ، تمثل في ارتفاع الكلفة البيئية التي تدفعها الطبيعة والبشرية جمعاء ، لقاء زيادة الإنتاج الزراعي ، ويقول المناصر الجديد (( بول إيرليخ )) في هذا الصدد : (( إننا إذ نحاول إطعام العدد المتزايد من أبنائنا ، فإننا نعرض بذلك للخطر عموما قدرة الأرض نفسها في الحفاظ على حياة ما على سطحها )) .
ورداً على كل هذه المزاعم ، يقول (( فريد ماغدوف )) : (( إنه لا توجد أي علاقة بين وجود مئات ملايين الجياع في العالم ونمو عدد السكان ، فالسبب الفعلي يكمن في النظام الرأسمالي نفسه ، وفي آلية عمله والعلاقات الإنتاجية والاجتماعية في داخله ، ويؤكد أن ما ينتج في الولايات المتحدة الأمريكية من مواد يفيض عن حاجة سكانها ، ومع ذلك يبقى الجوع مشكلة خطيرة ، ولو تقلص عدد سكان الولايات المتحدة إلى النصف ، فإن الفائض في المواد الغذائية سيزيد ، ولكن الجوع لن يزول ، وسيبقى هناك من يعاني الجوع وسوء التغذية حتى في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها ، وهذا الأمر ينطبق على البلدان الأخرى)) ، ويضيف : (( إن الفقراء في الهند يعانون الجوع ، فيما يتعفن فائض القمح في مخازنه )) .
وخلافا لمزاعم المناصرين القدامى والجدد ، فثمة أسباب وعوامل حقيقية تمارس تأثيرها على الوضع الغذائي في العالم الآن ، والتي ساهمت وتساهم في تفاقم هذه المشكلة ، ولاسيما في البلدان النامية والمتخلفة ، وأول هذه العوامل يكمن في التقسيم الدولي للعمل الذي تكون تاريخيا ، وموقع البلدان النامية في الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية ، والوضع الذي وجدت هذه البلدان نفسها فيه ، نظرا للإرث الاستعماري وما خلفه من نمط الإنتاج فيها ، والذي سمي ب (( نمط الإنتاج المشوه الأحادي الجانب )) ، والذي يقوم على التخصص في إنتاج عدد محدود من السلع التقليدية ، أو تلك الموجهة للتصدير والمرتبطة إلى حد التبعية الكاملة باقتصاديات البلدان الصناعية المتقدمة ، فعندما يتخصص بلد معين في إنتاج نوع واحد أو بضعة أنواع من الزراعات الصناعية ، والتي تصدر حصرا إلى الدول الصناعية المتطورة كمواد أولية لتلبية حاجات اقتصاداتها ، وتستورد في المقابل القسم الأكبر من حاجاتها من السلع الصناعية والمواد الغذائية من هذه الدول المتطورة ، فإن هذا الوضع يتيح للدول الصناعية المتطورة التحكم في أسعار الصادرات والواردات على حد سواء ، وفي النتيجة تكون محصلة التبادل الدولي في غير مصلحة البلدان النامية ، والتي بالرغم من إن الغالبية الساحقة من سكانها تعمل في القطاع الزراعي ، فإنها تجد نفسها عاجزة عن تلبية حاجاتها الضرورية من المواد الغذائية ، في حين تتمكن البلدان المتقدمة من حل هذه المسألة إلى حد كبير ، بالرغم من إن نسبة العاملين في الزراعة فيها لا تتجاوز ال (( 10% )) من مجموع الناشطين اقتصادياً فيها .
إن تخلف غالبية البلدان النامية ، والذي يتجلى في تدني مستوى تطور القوى المنتجة في الزراعة ، وفي تخصصها الضيق في مجالي الزراعة وإنتاج المواد الأولية ، وفي فقر السواد الأعظم من السكان وضعف قدراتهم الشرائية ، يفاقم بدوره المشكلة الغذائية في هذه البلدان ، فضلاً عن ذلك كله ، فإن تركيز بعض هذه البلدان على إنتاج السلع الزراعية المخصصة للتصدير ، والتي تخصص لها أفضل الأراضي وأكثرها خصوبة على حساب المواد الغذائية ، والتي لا تزال في الغالب تنتج في ظروف فلاحية تقليدية وبدائية ، تتأثر إلى حد كبير بالظروف المناخية ، وكل ذلك يجعل إنتاجية العمل في القطاع الزراعي في هذه البلدان يؤمن الطعام لشخصين فقط في أفضل الأحوال ، في حين إن مثيله في البلدان الغربية يطعم أكثر من (( 20 )) شخصا ، وتصل هذه النسبة إلى (( 80 )) شخصا في الولايات المتحدة الأمريكية ، والعامل الآخر الذي لا يقل أهمية في ظهور وتفاقم هذه المشكلة ، والذي هو في الواقع نتيجة طبيعية للعامل السابق ، يتمثل في الدور المهم الذي تلعبه الشركات العابرة للقوميات في الاقتصاد العالمي ، وفي اقتصاديات البلدان النامية تحديدا ، فهذه الشركات فرضت نفسها كلاعب رئيسي وأساسي في أسواق المواد الغذائية إنتاجا وتسويقا ، حيث تمارس احتكارها هذه المواد وتستخدمها في حالات مختلفة وعديدة ، كسلعة للمضاربة في أسواق أخضعت كل شيء للتسليع ولمنطق الربح ، كالأرض والماء والغذاء والدواء وغيرها ، فقد صارت هذه الشركات تسيطر اليوم على مساحات شاسعة من الأراضي في الأرياف في البلدان النامية ، سواء من خلال شرائها أو استئجارها لسنوات طويلة وبمبالغ رمزية ، أو من خلال الدخول كشريك مع جهات داخلية غالبا ما تكون قريبة من مراكز القرار في السلطة في البلد المعني ، فتكسر هذه الشركات بنشاطها نمط الإنتاج الزراعي التقليدي المتوارث في هذا البلد ، وتعيد توجيه الزراعة فيه باتجاه زراعات عصرية (( تصنيعية )) أو ترفيهية كالزهور مثلا ، موجهة نحو التصدير ، وحارمة السكان المحليين من زراعاتهم المحلية ، والتي تؤمن حاجاتهم الغذائية الضرورية ، مع ما ينطوي عليه ذلك من تهديد للأمن الغذائي في البلدان النامية ، ولا تعمل تلك الشركات على احتكار سوق المواد الغذائية في العالم فحسب ، بل وتحدد أسعارها من دون ارتباط بقانون العرض والطلب في أغلب الأحيان ، ومن دون الحاجة إلى السوق وإلى (( اليد الخفية )) لهذه السوق ، فالغذاء ينتج ليس من أجل إطعام الناس بقدر ما ينتج من أجل جني الأرباح القصوى ، ولهذه الغاية تحدد الأسعار ، بحيث تصبح المواد الغذائية الأساسية بعيدة عن متناول أعداد متزايدة من الناس في مختلف أنحاء العالم ، وليس في البلدان النامية وحدها ، فارتفاع أسعار هذه المواد إذا ، وبنسب مفتعلة ومبالغ فيها في أحيان كثيرة ، هو أحد الأسباب والعوامل التي تساهم في تفاقم المشكلة الغذائية في العالم .
وتوجد ثمة أسباب أخرى ، عديدة ومتداخلة ، تساهم أيضا في ارتفاع أسعار المواد الغذائية ، كمحصلة لارتفاع كلفة الإنتاج الزراعي على المستوى العالمي ، فالنمو السريع الذي تشهده اقتصاديات بلدان كبيرة كالصين والهند ، فضلا عن بلدان أخرى ، وتسارع وتيرة التصنيع فيها ، أدى من جهة إلى ارتفاع مستوى المعيشة في هذه البلدان ، ومن ثم إلى ازدياد أحجام ونسب استهلاك المواد الغذائية فيها ، كما أدى من جهة أخرى ، إلى تسارع الطلب على النفط فيها ، وبالتالي إلى ارتفاع أسعار مكونات أساسية للإنتاج الزراعي ، كالبنزين وزيوت الآلات والأسمدة والمبيدات ، كما إن ارتفاع أسعار الوقود يؤدي إلى ارتفاع كلفة نقل هذه المواد إلى الأسواق ، ومن ثم ارتفاع أسعارها .
ومن بين الأسباب التي تساهم في تفاقم هذه المشكلة أيضا ، هو تعزيز الاتجاه نحو تطوير وإنتاج الوقود العضوي ، خصوصا في ظل الميل الثابت لارتفاع أسعار النفط والغاز ، ومع إدراك حقيقة إن عصر النفط الرخيص قد ولى ، وإنه لابد من البحث عن أنواع بديلة من الوقود ، وقد وجدها البعض في القطاع الزراعي ، فتتحول مساحات شاسعة من الأراضي في العديد من البلدان ، النامية خصوصا ، من زراعة الحبوب والمواد الغذائية الأخرى ، إلى زراعات لإنتاج الوقود العضوي .
وتلعب دورا كبيرا في تفاقم هده المشكلة في البلدان النامية أيضا حقيقة تطور تكنولوجيا الإنتاج الزراعي في البلدان المتطورة ، والتي تحول بعضها إلى مصدر للمنتجات الزراعية والمواد الغذائية ، أي ما نشهده الآن من تبدل في التقسيم الدولي للعمل ، والذي تحولت بموجبه دول صناعية متطورة إلى التخصص في إنتاج سلع زراعية على أسس علمية وتكنولوجية حديثة جدا ، وتصديرها إلى البلدان الأخرى ، بما فيها البلدان النامية ، وبأسعار عالية .
ويقترن كل ذلك مع لجوء حكومات الدول الصناعية المتطورة ، سواء في الاتحاد الأوروبي ، أو في الولايات المتحدة الأمريكية أو اليابان ، إلى تقديم الدعم المختلف وشتى أنواع الإعانات المباشرة والضمنية لمزارعيها ، ويضاف إلى ما تقدم ، تسارع ظاهرة (( التمدين )) في البلدان النامية ، أي نزوح أعداد واسعة من سكان الأرياف إلى المدن ، وتجمع قسم كبير منهم في أحزمة بؤس تلف هذه المدن ، مع ارتفاع مستوى البطالة فيها إلى مستويات غير مسبوقة ، وتقلص عدد العاملين في القطاع الزراعي وانتقال الفئات الأكثر حيوية ونشاطا اقتصاديا إلى قطاعات الاقتصاد الأخرى غير المنتجة للمواد الغذائية ، وإهمال مساحات واسعة من الأراضي في الأرياف ، وهي أمور تؤدي كلها إلى تراجع الإنتاج الزراعي في عدد كبير من البلدان النامية ، وبالتالي إلى تقلص إمكانات التأمين الغذائي لسكانها .
إن حل المشكلة الغذائية في العالم يتطلب بالدرجة الأولى خلق الظروف الملائمة لزيادة إنتاج المواد الغذائية ، وهذا يعني قبل كل شيء إجراء تغييرات جذرية في موقع البلدان النامية في التقسيم الدولي للعمل وكذلك في التخصص الإنتاجي ، وخصوصا في المجال الزراعي ، والعمل على تنويع بنية الاقتصاد فيها ، بحيث تصبح قادرة على تأمين حاجاتها من الغذاء ، سواء كان ذلك بتطوير الإنتاج أو بتوظيف القسم الأكبر من حاصلات صادراتها في تحقيق هذا الهدف ، وهو يتطلب أيضا التوسع في الأراضي الزراعية ، والعمل على استصلاح أراضي أخرى في مناطق مختلفة من العالم ، والعمل على وقف الزحف العمراني الواسع على مساحات كبيرة من أفضل الأراضي الصالحة للزراعة ، كما إنه يفترض العمل على رفع إنتاجية الإنتاج الزراعي في البلدان النامية من خلال إتاحة الفرص لها لاستخدام أفضل الإنجازات العلمية والمعرفية والتكنولوجية التي توصلت إليها الدول المتقدمة في المجال الزراعي الآن ، والتي جعلت من هذه الدول مصدرا مهما للمنتجات الزراعية المختلفة ، فمن أجل حل أزمة الغذاء في العالم ، فعلى الدول المتقدمة التخلي عن أنانيتها ، وعن (( سرية المعرفة )) لها ، وتحديدا في المجال الزراعي ، الأمر الذي يتيح زيادة إنتاج الغذاء وتحسين نوعيته وتأمين القوت اللازم لمئات الملايين من الجياع في العالم ، ومن الذين يعانون من سوء التغذية وفي جميع أنحاء العالم .
وأخيرا ، فإن هذه المشكلة إنما هي مشكلة كبيرة ومتعددة الجوانب ، والأوجه أن يتجاوز حلها عن طريق القطاع الزراعي وحده ، وإن حلها لايرتبط فقط بزيادة الإنتاج الزراعي وتخفيض كلفته ، بل بوضع إستراتيجية للاستخدام العقلاني للموارد الإنتاجية كافة ، والتي تقوم على فهم الجوانب النوعية والكمية لحاجة الإنسان الكافية من الغذاء ، وتبرز إلحاحية معالجة المشكلة الغذائية المتفاقمة ، ليس فقط نتيجة لعواقبها الكارثية على حياة مئات الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم ، بل وكذلك لانعكاساتها الخطيرة على الأمن والاستقرار في الكثير من البلدان وعلى المستوى الدولي عموما.

المدى 5 يوليو 2011

4 Comments

  1. gaia

    شكرا جزيلا

    Reply
  2. تسابيح جعفر

    بالجد كلام روعه وصح ميه في الميه تسلم يدكم

    Reply
  3. بوحميد

    بالجد كلام روعه صح ميه في الميه تسلم يدكم!..

    Reply
  4. ريم

    من كاتب البحث وكم التاريخ

    Reply

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*