الجوع.. تلك القنبلة الرهيبة الموقوتة


إنها قضية عالمية بامتياز تلك التي تخص الأمن الغذائي، ليست محلية ولا وطنية ولا إقليمية. ولا نبالغ إن قلنا: إنها قضية عالمية تاريخية، لماذا؟ لأنها قضية أو مشكلة أو كارثة مزمنة، اقتربت من مستوى المعضلة. وعلى الرغم من الجهود الدولية التي بُذلت (وتُبذل) للتقليل من حجمها، إلا أن الذين يقومون بالحرب عليها يعترفون بأنهم لم يصلوا بعد إلى المنطقة الآمنة في حربهم هذه، وأنهم ما أن يحققوا نصراً في معركة، إلا وواجهوا نكسة في أخرى. وإن هم استطاعوا خفضاً لعدد الجياع في منطقة ما، فهم يواجهون ارتفاعاً مرعباً لأسعار الغذاء في منطقة أخرى. إنها باختصار حرب، لا يزال الجوع متقدما فيها، ولا يزال عدد الجياع يرتفع إلى أرقام فلكية، فبعد انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية، بلغ العدد الإجمالي لهؤلاء أكثر من 1.02 مليار بشري! وكان العدد قبلها في حدود 850 مليون إنسان على الأقل! وحسب المنظمات الدولية المعنية، فإن 52 في المائة من المليار جائع، يعيشون في دول إسلامية، وهي أرقام قابلة للزيادة في نهاية العام الجاري.
وإذا قلنا إن كارثة الجوع تاريخية فهي في الواقع مستقبلية أيضاً. ولم يكن وزير الزراعة النمساوي السابق الدكتور فرانز فيشلر مبالغاً هو أيضاً حين توقع في حلقة النقاش التي استضافها نادي ”الاقتصادية”، أن تكون هذه الكارثة المستمرة ”قضية الأمن الرئيسة خلال القرن الـ 21، في ظل المعدلات الحالية” فالرجل وضع إصبعه بالفعل على الجرح العالمي الكبير، الذي يزداد نزفاً يوماً بعد يوم. والعالم يعرف أن الدول والمناطق الفقيرة في العالم تعاني من كل ما يرتبط بالغذاء من ارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية إلى شح المياه، إلى تراجع الاستثمارات بأنواعها (بما في ذلك الزراعية)، إلى نقص في الدعم الزراعي المادي والإرشادي. يضاف إلى ذلك – وهذه نقطة خطيرة للغاية – أن إجراءات الحمائية الزراعية تسهم إلى حد بعيد في ارتفاع الأسعار.
لم تنفع قمم الغذاء والمؤتمرات المنبثقة عنها واللجان المُشَكلة منها، طوال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، في الوصول إلى صيغة مُرضية لعلاج أزمة الغذاء العالمي، من حيث نقصه وارتفاع أسعاره، وأقصى ما وفرته هذه المحافل الموسمية وأدواتها أرضية هشة لا تصمد أمام ”أرق” الأزمات! أرضية تتلاشى مع أول مشكلة، سواء كانت بيئية أو بشرية أو اقتصادية أو سياسية، أرضية يغرق فيها المنقذون، فما بالنا بالمُنقَذين! فقد كان الدكتور فيشلر مُحقاً، عندما طالب الهيئات العالمية المعنية بموضوع الغذاء بتولي مسؤولياتها، والعمل على تفعيل أنظمة جديدة لمواجهة اتساع رقعة الجوع في العالم، وتحفيز أبحاث المناخ، واستخدام الإرادات السياسية والخبرات الاقتصادية في سبيل صنع التغيير المنشود.
ولعل من أبرز الخطوات التي يمكن أن تتخذ في هذا المجال، وبصورة سريعة، البدء في عملية إعادة هيكلة منظمة الغذاء العالمي (الفاو)، التي – رغم كل ما قامت به – لم تستطع أن تبرهن على قوتها وفاعليتها في الحد من عدد الجوعى في العالم. ويعترف كبار المسؤولين في (الفاو) بعجزهم عن تحقيق إنجازات مستدامة في هذا المجال. يضاف إلى ذلك أن من واجب الدول الكبرى أن تشجع الاستثمار في الزراعة، وهو استثمار مجد، وليس ريعيا أو خيريا. كما ينبغي وقف الإجراءات الحمائية الزراعية، التي تسهم إلى حد بعيد في ارتفاع الأسعار فقد ثبت أن الأسواق الحرة الخاضعة للضوابط (لا المفتوحة على الغارب)، هي وحدها التي يمكن أن توفر مواد غذائية أساسية، بأسعار ”ممكنة” لا مستحيلة.
يقول الرئيس الأمريكي الراحل جون كنيدي: ”إذا كان العالم الحر لا يستطيع إنقاذ الفقراء الكُثر، فإنه لا يستطيع إنقاذ الأغنياء القلائل”. إنها أزمة عالمية حقيقية، والذي يشترك في حلها من الأغنياء لا يقدم خدمة للفقراء والجوعى فحسب، بل يقدم لنفسه خدمة أيضاً. إنها همٌ عالمي، لن يزول إلا بآليات عالمية لا دخل للاعتبارات السياسية فيها.

الاقتصادية 28 يونيو 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*