المجاعات الجديدة .. كوارث ليست طبيعية

المجاعات الجديدة .. كوارث ليست طبيعية
رحيم العراقي
الحوار المتمدن: 25\6\2008

يقدم كريستيان تروبي في كتابه «المجاعات الجديدة» الارقام المرعبة و يطرح بعد ذلك سؤالا بسيطا وصاعقا بنفس الوقت: لماذا هذه الحالة؟ وهو يحاول على مدى التحليلات التي يقدّمها الإجابة عنه. الفكرة الرئيسية التي يركز عليها تقول إن الطبيعة ليست مسؤولة عن الوضع، وهذا ما يدل عليه أصلا العنوان الفرعي للكتاب بوصف هذه «الكوارث» أنها «ليست طبيعية كثيرا».
الأمثلة كثيرة على مثل هذه المجاعات وعلى تلك التي يطلقون عليها غالبا تسمية «مجاعات ما بعد الحداثة» مثل الحالة في «النيجر» لسنوات طويلة. هذا مع الإشارة إلى أن هذه المجاعات لا تخص حصرا البلدان الفقيرة المتخلفة وإنما أيضا بعض البلدان الصاعدة مثل الهند. ففي الوقت الذي أصبحت فيه شبه القارة الهندية مثالا للبلدان التي انطلقت في طريق التقدم بحيث أنها تحقق منذ سنوات عديدة معدّل نمو اقتصادي سنوي يزيد على 7 بالمائة، وهي تحتل المرتبة السابعة بين البلدان المصدّرة للقمح، فإنه لا يزال يوحد فيها حوالي 200 مليون نسمة من الذين يعانون من سوء التغذية وذلك من أصل 850 مليون شخص في العالم حسب إحصائيات الأمم المتحدة. في هاتين الحالتين، النيجر الفقيرة والهند الصاعدة لا يزال شبح المجاعة يهدد نسبة هامة من السكان.
أمام ظاهرة المجاعة التي تستمر، إلى هذه الدرجة أو تلك، في العديد من مناطق العالم، لا يبدي الرأي العام الدولي الكثير من الاهتمام. ويبدو أن زمن الاحتجاج على ذلك، مثلما كان الأمر حيال بيافرا واثيوبيا سابقا، قد ولّى وانتهى. المفارقة هي أن الآثار السلبية للجوع لا تزال كما كانت، ولا تزال هي السبب الأول للوفيات في العالم، إذ أنه من أصل ال60 مليون وفاة التي يشهدها عالمنا كل سنة هناك أكثر من النصف يموتون بسبب الجوع وبسبب أمراض ساعد سوء التغذية عليها ، كما يكتب المؤلف.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن عدد الذين يعانون من سوء التغذية في العالم حافظ على نفس المستوى منذ 15 سنة حيث أن شخصا من كل سبعة أشخاص يعاني منه. لكن هذا «الثبات» يشكل بحد ذاته «تقدّما»، نظرا للزيادة الكبيرة في عدد سكان العالم. مع ذلك لم يتم تحقيق الأهداف التي كان قد جرى الإعلان عنها في بداية القرن الحالي والمتمثلة في تقليص الجوع إلى النصف في أفق عام 2015.
ما يمكن قوله هو أن الجوع ليس جديدا في العالم. صفة «الجديدة» التي يعطيها المؤلف ل«المجاعات» في عنوان الكتاب تعود إلى كون أن مجاعات اليوم «ليست طبيعية». بل ما يتم تأكيده في هذا الإطار هو أن الأرض التي نعيش عليها قادرة على تأمين التغذية دون أية مشكلة ل11 مليار نسمة . وهذا الرقم يتناسب مع التقديرات الخاصة بالمستوى الذي سيكون عليه عدد سكان العالم في أفق نهاية القرن الحادي والعشرين.
المشكلة إذن ليست في الثروات والموارد التي يمكن للأرض توفيرها لساكنيها، ولكنها تكمن تحديدا في توزيع هذه الثروات والموارد. وليس توزيعها فقط وإنما وصول الجميع إلى تأمين تغذية كافية ومتوازية. إن العديد من الحالات العيانية التي يعرفها المؤلف عن قرب بسبب مساهمته الفعالة في الكثير من النشاطات المتعلقة ب«العمل ضد الجوع» تدعم مقولة «المصدر الإنساني» في نشوب الأزمات الغذائية. أما الظروف المناخية القاسية فقد جاءت لتزيد من حدة الأزمة وفي نيبال تشكّل الحرب الأهلية الدائرة منذ سنوات وحالة الفقر السائدة مناخا خصبا لسوء التغذية.
ويجد المؤلف في المجاعة التي ضربت النيجر قبل فترة وجيزة تجسيدا جيدا لمقولة أن الأسباب لا تعود في حقيقة الأمر إلى عوامل طبيعية. فإذا كان عدم هطول الأمطار في هذه البلدان خلال فصل الشتاء وهجوم «جيوش» من الجراد قد كان خلّف حالة صعبة بالنسبة للإنتاج الغذائي، فإن السبب الجوهري يجده المؤلف في السلوك الذي انتهجه عدد من المضاربين الذين فضّلوا تخزين كميات كبيرة من الحبوب من أجل رفع أسعار هذه المواد الأساسية. هكذا لم تكن المشكلة الحقيقية أمام السواد الأعظم من سكان النيجر في غياب المواد الغذائية وإنما في عدم امتلاكهم للإمكانيات المالية المطلوبة من أجل شرائها.
سوء التغذية
فضيحة القرن الذي نعيش فيه مصدرها رقم 854 مليوناً الذي يدل على عدد أولئك الذين يعانون من سوء التغذية في العالم الذي نعيش فيه. وليس هذا هو الرقم الوحيد، ذلك أن 000 24 شخص من بينهم 000 18 طفل يموتون كل يوم في هذا العالم بسبب الجوع أو بسبب الجوع أو بسبب النتائج المترتبة عليه.
الكاتب في سطور
يعمل كريستيان تروبي، مؤلف هذا الكتاب، رئيسا لتحرير مجلة « الحياة» الباريسية الأسبوعية. وهو أيضا عضو مجلس إدارة منظمة «العمل ضد الجوع» غير الحكومية. سبق له وقدّم كتابا تحت عنوان: «المساعدة الإنسانية في مواجهة الزوابع».

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*