إستراتيجية خفض هدر الطاقة في سياتل «تُلهم» ألف مدينة وبلدة أميركية


واشنطن – «نشرة واشنطن» – من الصعب تصوّر حصول نقص في المياه في مدينة سياتل الأميركية (ولاية واشنطن). فهذه المدينة الواقعة في شمال غربي الولايات المتحدة شهيرة بكثرة تساقط الأمطار، إذ ترتفع سلسلتان من الجبال المكللة بالثلوج (أوليمبيكس وكاسكيد) على جانبي المدينة الشرقي والغربي. غير أن خطر شحّ المياه الناجم عن ذوبان الجليد المتسارع بسبب ارتفاع درجات الحرارة العالمية، ألهم المدينة، التي يبلغ عدد سكانها 609 ألف نسمة، بالشروع في تنفيذ إحدى خطط حماية المناخ الأكثر طموحاً في البلاد.
وأطلقت المدينة خططاً للتخفيف من هدر الطاقة عبر تركيب المواد العازلة في المباني وإعادة تحديثها والحدّ من قيادة السيارات، وعبر إنشاء شبكات جديدة للنقل العام وجعلها مركزاً مهماً لوظائف الطاقة النظيفة وللابتكار. وكانت النتائج واضحة منذ سنوات، فعام 2008، اي قبل أربع سنوات من المهلة المحددة، توصلت سياتل الى تحقيق هدف «بروتوكول كيوتو»، الداعي إلى تخفيض انبعاثات غازات الانحباس الحراري للولايات المتحدة بنسبة 17 في المئة عن مستويات عام 1990. وألهمت قيادة سياتل أكثر من 1000 مدينة وبلدة أميركية أخرى.
وقال رئيس بلديتها السابق، غريغ نيكلس، الذي قاد المدينة ما بين 2002 و2009، إن كل شيء بدأ مع الإنذارات الرهيبة بشأن إمدادات المياه. وأوضح: «عندما تولّيت منصب رئيس البلدية، لم يكن المناخ موجوداً على قائمتي للأشياء التي يجب أن أفعلها، فأصلحت بعض الحفر في الطرقات». وتابع: «افترضت أن تغيّر المناخ كان شيئاً مؤجلاً للمستقبل، ويمكن أن يحدث في أماكن أخرى، وان الحكومة الفدرالية كانت تفعل شيئاً حياله، لكنني كنت مخطئاً».
وفي اجتماع لكبار المسؤولين في المدينة في كانون الثاني (يناير) 2005، أوضح مدير مرافق خدمات الطاقة والمياه في المدينة بأن ذوبان الأنهار الجليدية يمكن أن يؤدي إلى نقص في المياه في وقت أقرب بكثير مما يعتقده الناس. وأضاف أن معظم إمدادات الطاقة للمدينة تأتي من السدود الكهرومائية، لذلك يمكن نقص المياه أن يخلق أزمة طاقة، وأخبر موظفيه أن «سياتل يجب أن تنهض وتُقدم على العمل، حتى ولو لم تـكن الحكــومة الفــدرالية مستعدة لذلك».
وأطلق نيكلس اتفاق «رؤساء بلديات الولايات المتحدة لحماية المناخ»، وأشرك رؤساء البلديات الآخرين في الالتزام بأهداف انبعاثات غازات الانحباس الحراري. وشارك في محادثات المناخ التي عقدتها الأمم المتحدة في مونتريال عام 2005، لنشر الرسالة بأن «القادة المحليين في الولايات المتحدة مستعدون للعمل بشأن تغيّر المناخ». وعند عودته إلى مدينته، كان عليه أن يقنع سكان سياتل أن الوقت حان لاتخاذ خطوات جريئة.
يأتي معظم كهرباء سياتل من السدود الكهرومائية، التي لها بصمة كربونية (اي تقدير كمّية ثاني أكسيد الكربون التي ينتجها كيان معيّن) أقل بكثير من محطات الكهرباء التي تعمل بواسطة الفحم أو الغاز، وهذا يعني أن الجزء الأكبر من انبعاثات غاز الاحتباس الحراري في المدينة يأتي من وسائل النقل، والحل في ّاستبدال رحلات السيارات بوسائل النقل العام (الحافلات والقطارات الخفيفة)، ما يخفض انبعاثات الكربون فيها.

قطاع النقل
وكان نيكلس يدرك أن الأحياء المتراصّة، التي يمكن السير فيها، ضرورية لدعم شبكات الحافلات والقطارات الخفيفة، لكن في حين أن المدينة تزخر بعشاق الطبيعة الذين تجذبهم الجبال المجاورة والممرات المائية، فإن كثيرين منهم لم يروا اهمية العلاقة بين حماية البيئة والكثافة الأعلى للمساكن في أحياء مدينتهم. وسياتل هي إحدى أكبر المدن الأميركية، وتوجد فيها نسبة من منازل الأسرة الواحدة أكثر من المساكن المتعددة الوحدات ذات الكثافة السكانية العالية.
وواجهت خطة للسماح بإنشاء مبان أعلى بالقرب من محطة سكك الحديد الخفيفة الجديدة في حيّ ماونت بيكر معارضة من السكان المحليين، القلقين من أن الكثافة الاكبر ستؤدي إلى ازدحام سير وازدياد معدلات الجريمة. ولإثبات جدوى الكثافة السكانية الأعلى، حصلت المدينة على مساعدة من مجموعة نشطة من مناصري الاستدامة. إذ تعمل منظمات التي لا تبغي الربح، كـ «كلايمات سوليوشينز» (حلول المناخ) و«غرايت سيتي» (المدينة العظيمة) و«سايتلاين انستيتيوت» (معهد خط النظر) على ربط الميول البيئية لسكان سياتل مع المخططات العامة الواسعة النطاق.
وشكّلت الرؤية الحضرية الخضراء لمدينة سياتل جوهر خطة إعادة تصميم حي «ساوث لايك يونيون»، بالقرب من وسط المدينة، فقبل عقد من الزمان، كان الموقع ساحة واسعة لمواقف السيارات والمستودعات التي لا تُستخدم بكثرة. وبفضل شراكات بين المدينة والمستثمرين من القطاع الخاص، أصبح المكان رواقاً مزدحماً مجهزاً بتقنيات متطوّرة، تحتله تسع مبان تضم المركز الرئيس لشركة «أمازون دوت كوم».

تغيرات «مريحة»
وأوضح المدير السابق لـ «مكتب الاستدامة والبيئة» في المدينة، مايك مان، أن التحوّل نجح لأنه تضمّن أموراً تروق للمقيمين والعاملين في المكاتب، كخط قطار خفيف ومتاجر ومطاعم ومتنزه عام على الواجهة البحرية، التي كانت ذات يوم حوضاً لبناء سفن سلاح البحرية الأميركية وإصلاحها. وكان أكثر البرامج الواعدة هو البرنامج الابتكاري الذي أطلقته المدينة للحدّ من هدر الطاقة في المباني، التي تتسرب منها الكهرباء.
وتمثل انبعاثات المباني الأميركية حوالى 40 في المئة من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري على الصعيد القومي. وهدف «برنامج الأشغال الكهربائية المجتمعية»، المدعوم بمبلغ 20 مليون دولار من «صناديق التحفيز الاقتصادي الفدرالية» الحكومية، إلى إزالة الحواجز التي تمنع المالكين من إعادة تحديث المباني التي يملكونها. ويوفر «البرنامج» تقويمات للطاقة منخفضة الكلفة (95 دولاراً لكل وحدة)، لمساعدة أصحاب المنازل وشركات الأعمال في اكتشاف الهدر في مبانيهم.
ويتشارك مع مؤسسة الاستثمار المجتمعي «انتربرايز كاسكاديا» في تقديم قروض على مدى عشرين سنة للاستثمار في كفاءة الطاقة، فيحل معضلة التمويل لكثيرين من أصحاب المنازل، لعزل المباني وإحكام سدّ مسالك التسريب، وهي استثمارات تسترد كلفتها مع مرور الوقت، لكنها تتطلب تكاليف أولية كبيرة.
(الحياة 18 سبتمبر 2011)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*