تفاقم استهلاك الطاقة: الترشيد ليس كافياً!!


من يشكك بتفاقم الظاهرة الاستهلاكية في بلادنا فعليه أن يراجع الاحصاءات المختلفة التي تجعل السعوديين اليوم في قائمة أكثر الشعوب استهلاكاً للطاقة والمياه والقروض الاستهلاكية والسلع الكمالية.
تنامي هذه الظاهرة يعود لبواعث ثقافية اجتماعية أخذت تفرز ملامحها خلال العقود الماضية دفعت بها مستويات وفرة جعلت الحصول على السلع والخدمات أمراً ممكناً وميسوراً لقطاع عريض من المجتمع.. ومن جهة أخرى تدفع بهذه الظاهرة احتياجات طبيعية لابد من الوفاء بها وخاصة فيما يتعلق بالطاقة والمياه تحديدا.. في مجتمع من أكثر المجتمعات نمواً سكانياً مما يعني ان المعادلة التراكمية لزيادة الطلب ستكون أكبر وأكثر خلال السنوات القادمة.
لسنا أمام حالة يمكن علاجها من خلال وسائل الترشيد، أو كشف حجم المشكلة وتركيز الدعوات نحو محاولة معالجة سلوك استهلاكي مستشرٍ.. فقط، ولكن أمام احتياجات يجب أن تلبى، وتركت لتنمو بشكل يفاقم المشكلة باعتبار أن القدرة على ملاحقتها ومواجهة كلفتها كان أمراً ممكناً.
يجب ألا يمر تقرير سيتي قروب فيما يتعلق بالمملكة والنفط خلال العقدين القادمين مرور الكرام.. ليس أخطر من هذه المؤشرات التي حملها التقرير، وعلى المسؤولين أن يبينوا الحقائق للمواطنين بشكل جلي، وأن يعملوا بلا تردد وبسرعة على محاصرة هذا النمو السريع في استهلاك ثروة نفطية، ليست فقط ناضبة، ولكنها اليوم مهددة بالاستنزاف المحلي إذا ظل معدل الاستهلاك على هذا النحو.
لقد جاء بحسب تقرير سيتي قروب: إن السعودية قد تصبح مستورداً للنفط بحلول عام 2030 في حال استمر استهلاك النفط محلياً بالزيادة بنسبة 8 % وهي النسبة التي ينمو بها استهلاك الطاقة الكهربائية وقت الذروة، حيث يستخدم النفط الخام لتوليد نصف الطاقة الكهربائية.. فيما يتم استهلاك ربع إنتاج النفط محلياً عبر الاستخدامات المختلفة.
ويضيف التقرير ان معدل استهلاك الفرد الواحد من النفط في السعودية يزيد عن المعدل السائد في معظم الدول الصناعية بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية. وخلال الأعوام ال 10 الماضية بلغ معدل الزيادة السنوية لاستهلاك النفط محليا 6 % وهو ما يمثل ضعف النمو السنوي لعدد السكان.
وقال التقرير، إن السعودية تستهلك حالياً جميع إنتاجها من الغاز الطبيعي، وتوقع أن يستمر النمو في معدل الاستهلاك بوتيرة تفوق النمو السكاني مستقبلاً بسبب النسبة العالية لصغار السن بالمجتمع وزيادة الإنفاق الاستهلاكي.
تقرير سيتي قروب لم يكن الوحيد الذي أشار إلى تفاقم استهلاك النفط الخام محلياً إلى هذه الدرجة المقلقة، لقد سبق لباحثين وخبراء في الداخل أن تناولوا بتصريحات مشابهة لما جاء في التقرير خلال الشهور الماضية.. ولم تكن هذه المعلومات سراً فهي متداولة منذ سنوات وهناك من قرع جرس الخطر والإنذار المبكر من تفاقم استهلاك النفط بهذه المعدلات الخطيرة.
التقرير يقدر أن شركة الكهرباء السعودية تدفع أسعاراً تتراوح بين 5 و 15 دولاراً للبرميل الواحد من النفط الذي تستعمله في محطاتها، وهو سعر منخفض جداً مقارنة مع سعر برنت العالمي البالغ 116 دولاراً حالياً. ويعني ذلك أن المملكة تفقد سنويا إيرادات قدرها 80 بليون دولار بسبب استعمال النفط لتوليد الطاقة بدلاً من تصديره
وإذا تذكرنا ان النفط الخام يشكل 86% من إيرادات المملكة، ندرك كم يبدو التحدي كبيرا لمعالجة هذا الاختلال الذي قد تترتب عليه أضرار فادحة خلال سنوات قليلة لا تتجاوز العقدين كما يشير التقرير.
هذا الوضع يتطلب معالجة لا تتوانى ولا تتردد في وضع كافة الحلول ومباشرتها، خاصة انها ليست حلولاً ميسرة وآنية النتائج، بل تتطلب تخطيطاً سريعاً ومباشرة قوية وموجهة باعتبارها قضية أمن وطني لا تحتمل الاسترخاء فنحن أمام معادلة استهلاك خطيرة وكارثية.
لا يمكن أن تفلح وسائل الترشيد في لجم الاحتياج للطاقة، وإن كانت قادرة على معالجة جزء من المشكلة حتى لو ترتب عليها بعض الكلفة. وإذا أمكن السيطرة جزئياً على قطاعات كالمصانع التي تستهلك طاقة عالية أو المشروعات باهظة الكلفة التي تستنزف المزيد منها.. أو رفع اسعار وقود المحركات للحد من الاستهلاك.. فستظل الطاقة احتياجاً كبيرا لمجموع بشري يشهد نمو سكانياً سريعاً. كما أن زيادة أسعارها ستنعكس على أسعار السلع والخدمات بشكل أو بآخر.
ولذا تأتي مشروعات مهمة وكبيرة كمفاعلات إنتاج الطاقة النووية ومشروعات الطاقة الشمسية كإحدى الحلول القادرة على المساهمة بفعالية في مواجهة مأزق استهلاك الطاقة النفطية المتفاقم. إلا أن هذه المشروعات يجب أن تصبح أولوية وطنية تسخر لها الإمكانات باعتبارها مشروعات ذات أهمية وطنية واستراتيجية.. وتنفذ خلال فترة زمنية تجعل منها خلال بضع سنوات قادرة على الدخول في خط التشغيل والإنتاج.
أما إذا ظلت مشروعات تراوح مكانها، وتعمل وفق آلية حكومية بطيئة كأي مشروع آخر.. وتتقدم خطوة لتتوقف بضع خطوات.. ودونما دفع قوي وتوجه حاسم ومراقبة دقيقة لمستوى الإنجاز.. فأخشى أن يمضي عقدان آخران دون إنجاز يذكر أو يمكن الوثوق بقدرته على أن يقدم البديل المناسب.
يشير تقرير سيتي قروب أن استخدام الطاقة النووية في السعودية يعد حلاً غير مناسب بسبب قلة الخبرات المحلية بهذا المجال فضلاً عن مخاطر الأمان والسلامة المتعلقة بذلك. وأعتقد أن هذا غير دقيق، فنقل تقنية الطاقة النووية للمملكة ممكن جداً وبشروط ليست معقدة، ويمكن التعاون مع العديد من الدول التي تملك خبرات في هذا المجال، وهذا يضمن توفير قاعدة علمية مؤهلة ومدربة للتوسع في هذا المجال الحيوي. كما أن المملكة تتوافر على قدرات وطنية وخبرات محلية جيدة قادرة على أن تصبح النواة التقنية التي تتولى إدارة مشروعات كبرى كتلك.
الإنفاق على هذا المشروع مهما بلغ سيكون ضمانة كبيرة للمملكة في مواجهة المستقبل، ولهذا المشروع وغيره من المشروعات ذات الأهمية الخاصة يجب أن توفر الإمكانات وتوجه القدرات وتركز الكفاءات، كما ان هذا النوع من المشروعات سيعتمد على بناء قاعدة علمية وطنية تتولى إدارة وتطوير هذه المشروعات.. مما يستلزم النظر إليه بأبعاد تتجاوز الذهنية التقليدية في تنفيذ مشروعات التسليم بالمفتاح.
كما أن مشروع المملكة في تحلية المياه المالحة باستخدام الطاقة الشمسية، والذي أعلن عنه قبل عامين، يعلق عليه الأمل في مواجهة طلب متزايد على المياه بلغ معدلة سنويا 7% وهي تشكل ضعف النمو السكاني تقريباً، وهذه نسبة نمو هائلة جداً أصبحت تشكل عبئاً كبيراً على مصادر الطاقة في المملكة.
هذا المشروع إذا تم انجازه، لن يكون فقط مؤشراً على القدرة لتوفير المياه والحصول على الطاقة النظيفة بسعر أقل بكثير من كلفة استهلاك الزيت الخام.. بل سيكون مؤشراً على أن المملكة يمكن أن تصبح بيت خبرة دولياً في تحلية المياه المالحة باستخدام الطاقة الشمسية، أي أنها ستحظى بمردود امتلاك هذه التقنية… عوضا عن تعميمها على مناطق كثيرة في المملكة لتحلية المياه وإنتاج الطاقة في آن.
التحدي الاقتصادي، هو التحدي الأخطر والأكبر في بلادنا.. لقد حان الوقت لأن تتغير طريقة التفكير والتقدير لاحتياجاتنا ولمستقبل بلادنا.. وأن تحاصر مظاهر الإسراف والهدر في مشروعات غير منتجة، وأن تتوجه الطاقات نحو قضايا لا تعلو عليها قضايا بدلا من هذا التطاحن في قضايا أصبحت استنزافنا اليومي بلا طائل.
– د عبد الله القفاري
(الرياض 17 سبتمبر 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*